تكشف زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، بعد غياب 10 سنوات، هشاشة معادلة بناها عبد الفتاح السيسي على استقبال القوة الصاعدة، دون معالجة تبعية الاقتصاد أو كلفة الارتهان لواشنطن.

 

وتأتي الزيارة مع مرور 70 عاماً على العلاقات الدبلوماسية، فيما تقدمها الرئاسة تتويجاً للشراكة الشاملة، لكنها تضع حكومة السيسي أمام حصيلة قابلة للقياس، لا أمام صور المصافحات والبيانات الاحتفالية المعتادة.

 

صفقات بلا عائد متكافئ

 

فقد بلغ التبادل التجاري 20.8 مليار دولار خلال 2025، غير أن الرقم يخفي اختلالاً فادحاً، إذ تستحوذ السلع الصينية على معظم التدفقات، بينما بقيت الصادرات المصرية محدودة وقليلة القيمة الصناعية.

 

وبحسب بيانات النصف الأول من 2026، استوردت مصر من الصين بنحو 10.44 مليارات دولار، مقابل صادرات تقارب 600 مليون، ليتسع العجز إلى 9.84 مليارات ويتحول التقارب إلى فاتورة عملة صعبة.

 

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي خالد الشافعي أن العجز هيكلي وغير موات لمصر، وتصحيحه يتطلب توسيع الصادرات، لكن الحكومة لم تعلن أهدافاً ملزمة لنفاذ المنتجات المصرية أو نسباً للمكون المحلي.

 

إلى جانب ذلك، تعرض القاهرة منطقة تيدا نموذجاً للنجاح باستثمارات تبلغ 7.4 مليارات دولار ونحو 200 شركة، إلا أن معيار الجدوى يظل حجم التصنيع والتصدير ونقل المعرفة، لا عدد اللافتات.

 

كما نفذت الشركات الصينية البرج الأيقوني والقطار الكهربائي ومشروعات موانئ وطاقة، فعززت حضور بكين داخل البنية الأساسية، لكنها كرست أولوية السيسي للمشروعات الضخمة قبل إصلاح الصناعة والتعليم والإنتاج القابل للتصدير.

 

وعلاوة على ذلك، لجأت الحكومة إلى سندات باندا وقروض ومنح ومبادلات ديون، ما يجعل الصين ممولاً إضافياً لا بديلاً تنموياً، خصوصاً مع غياب الشفافية عن الكلفة وشروط التعاقد والعائد للخزانة.

 

ومع أن القاهرة تتحدث عن توطين السيارات والإلكترونيات والطاقة النظيفة، ستفقد الزيارة معناها إذا انتهت بمذكرات بلا جداول تنفيذ، أو بإعفاءات واسعة تمنح المستثمر الصيني امتيازاً يحرم منه المنتج المحلي.

 

في المقابل، يملك السيسي أوراقاً تشمل قناة السويس والأسواق الإفريقية والاتفاقات التجارية، لكنه استخدمها غالباً لجذب رأس المال إلى مناطق مغلقة، بدلاً من فرض شراكات تربط المصانع الصينية بالشركات المصرية.

 

سلاح خارج القيد الأمريكي

 

ويتزامن وصول شي مع النسخة الثانية من تدريب نسور الحضارة، حيث تشارك مقاتلات متعددة المهام في قواعد مصرية، بما يرفع التعاون العسكري من الزيارات إلى اختبار ميداني متكرر للقدرات والعقائد.

 

ومن جهة أخرى، تعكس المناورات رغبة القاهرة في تنويع السلاح بعد عقود من القيود الأمريكية، ولا سيما حرمانها صواريخ جو جو بعيدة المدى، لكنها تفتح لمشتريات جديدة يصعب إخضاعها للرقابة.

 

وبهذا المعنى، لا يمثل الاهتمام بمقاتلات جي 10 مجرد صفقة محتملة، بل محاولة لاكتساب ردع أوسع وتقليل انكشاف سلاح الجو أمام قرار أمريكي، مع بقاء أسئلة الصيانة والتوافق التشغيلي بلا إجابات.

 

ويرى الخبير العسكري اللواء سمير فرج أن نتائج الزيارة قد تمتد إلى التسليح، وأن التعاون يشهد تطوراً متواصلاً، غير أن ذلك لا يلغي ضرورة كشف الحكومة عن كلفة واحتياجات أي صفقة.

 

لكن تنويع المصادر لا يساوي استقلال القرار، فمصر لا تزال مرتبطة بمنظومات أمريكية وفرنسية وروسية، وإضافة منظومة صينية تمنحها هامشاً، لكنها ترفع تكاليف التدريب وقطع الغيار وإدارة أسطول شديد التنوع.

 

لذلك، يبدو التلويح بالصين أداة ضغط على واشنطن بقدر ما هو تحول دفاعي، خصوصاً أن المعونة والعلاقات مع الجيش الأمريكي ما زالتا ركيزتين، بينما تخشى إسرائيل صواريخ صينية تتجاوز الرؤية.

 

في الوقت نفسه، تظل قرارات التسليح محصنة ضد النقاش المؤسسي، إذ لا تعرض حكومة السيسي دراسات التهديد أو بدائل الإنفاق، مع أن كل مليار للمقاتلات يأتي في بلد مديون وخدماته متراجعة.

 

مناورة بين قوتين

 

أما واشنطن، فستقرأ زيارة شي من زاوية الموانئ والاتصالات والسلاح وموقع مصر، لا عبارات الصداقة، وهو ما يضع السيسي أمام حدود لعبة التوازن التي مارسها للحصول على تنازلات من الطرفين.

 

ومن ثم، لا تستطيع القاهرة استبدال الولايات المتحدة بالصين سريعاً، لأن الأولى توفر دعماً عسكرياً وعلاقات مالية، فيما تقدم الثانية استثمارات وسلعاً وتمويلاً، لكنهما تتعاملان مع مصر وفق مصالحهما لا خطب الشراكة.

 

ويذهب الباحث محمد عز العرب، رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام، إلى أن بكين تسعى لإحراج واشنطن أمام حلفائها، ما يجعل القاهرة ساحة منافسة، لا طرفاً مضمون المكاسب دائماً.

 

غير أن السيسي يحول تعدد العلاقات إلى إنجاز بذاته، بينما يقاس النجاح بقدرة مصر على انتزاع نقل تكنولوجيا، وتقليص العجز التجاري، وحماية القرار الوطني، وهي نتائج لم تثبتها حصيلة العقد.

 

وبناء على ذلك، تبدو الذكرى السبعون مناسبة لمراجعة نموذج يفتح الأسواق والموانئ والمشروعات أمام الشركات الصينية، دون نشر العقود أو تقييم مستقل لأثرها على العمالة والدين والبيئة وقدرة الصناعة المصرية على المنافسة.

 

وفوق ذلك، يحتاج أي تفاهم بشأن الزراعة والطاقة والاتصالات إلى ضمانات تمنع احتكار المورد الأجنبي، وتلزم بالتدريب والمكون المحلي، وإلا ستتحول كلمة التوطين إلى غطاء لاستيراد خطوط وتجميع منتجات باسم مصري.

 

أخيراً، لن تحسم القمة معادلة القاهرة بين بكين وواشنطن، لكنها ستكشف إن كان السيسي يفاوض باسم اقتصاد يريد الإنتاج، أم سلطة تبحث عن تمويل وسلاح ومشروعات تمنحها وقتاً إضافياً بلا إصلاح.

 

والخلاصة أن زيارة شي تمنح مصر فرصة، إلا أن تحويلها إلى مكسب يتطلب نشر الاتفاقات ومحاسبة الحكومة وربط الامتيازات بنتائج محددة، وإلا ستغادر الوفود وتبقى البلاد سوقاً للصين وتابعة أمنياً لواشنطن.