يُسجل التاريخ المعاصر لمصر فصولاً متباينة ومحطات سياسية حافلة بالتقلبات، لكن يوم الرابع عشر من أغسطس لعام 2013 يظل محفوراً في الذاكرة الجمعية كأحد أكثر الأيام دموية وقتامة في العصر الحديث. لم يكن ذلك اليوم كسائر الأيام التي مرت على العاصمة المصرية، بل شهد أحداثاً دراماتيكية زلزلت المجتمع المصري بأسره، وتركت جراحاً عميقة لا تندمل بسهولة في نفوس الآلاف.
ففي ذلك الصباح الباكر، الذي كان يُفترض أن يكون بداية ليوم صيفي اعتيادي، شنت قوات الأمن والجيش المصري هجوماً واسع النطاق وبقوة مفرطة غير مسبوقة لفض اعتصامين رئيسيين لمعارضي الانقلاب العسكري ومؤيدي الرئيس محمد مرسي، وهما اعتصاما رابعة العدوية في القاهرة، وميدان النهضة في محافظة الجيزة.
وبينما نالت مجزرة رابعة النصيب الأكبر من التغطية الإعلامية نظراً لحجمها الأكبر، فإن ما جرى في ميدان النهضة لم يقل بشاعة أو دموية أو قسوة بأي حال من الأحوال.
كما نهدف من خلال هذا السرد الصحفي إلى تسليط الضوء على تسلسل الأحداث المأساوية التي غيرت مجرى وتاريخ البلاد للأبد، وأدت إلى وأد حلم التغيير الديمقراطي الذي راود ملايين المصريين منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير.
سياق تاريخي محتقن واستقطاب حاد
لفهم جذور ما حدث في ميدان النهضة، يجب العودة قليلاً إلى الوراء، وتحديداً إلى الحالة السياسية التي عاشتها مصر خلال صيف عام 2013. لقد شهدت مصر حالة من الاستقطاب السياسي الحاد والمجتمعي غير المسبوق، وذلك في أعقاب إطاحة الجيش بأول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً في الثالث من يوليو 2013.
وتلا ذلك الحدث المفصلي خروج عشرات الآلاف من المصريين إلى الشوارع والميادين في مختلف المحافظات للمطالبة بعودة الشرعية الدستورية ورفضاً قاطعاً للانقلاب العسكري الذي قاده وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي.
علاوة على ذلك، تركزت الاعتصامات الكبرى والزخم البشري الهائل في ميدانين رئيسيين: ميدان رابعة العدوية بمدينة نصر في القاهرة، وميدان النهضة أمام جامعة القاهرة بمحافظة الجيزة. وقد مثّل هذان الميدانان شريان الحياة للمعارضة السلمية، حيث توافد إليهما المواطنون من كافة الأعمار والطبقات الاجتماعية للتعبير عن رفضهم للواقع السياسي الجديد.
اعتصام النهضة.. مجتمع مدني مصغر
تميز اعتصام ميدان النهضة، شأنه شأن اعتصام رابعة، بالسلمية والتنظيم المدني الشديد الذي أثار إعجاب المراقبين المستقلين. فقد تحول الميدان، الذي تتوسطه حديقة الأورمان العريقة وتمثال النهضة الشهير، إلى مدينة خيام متكاملة تعج بالحياة والنشاط.
وفي هذا السياق، لم يكن الاعتصام مجرد تجمع سياسي، بل مجتمعاً مصغراً متكافلاً. فقد تضمنت الخيام مستشفيات ميدانية مجهزة للتعامل مع حالات الطوارئ والإرهاق، وأماكن مخصصة للصلاة وتلاوة القرآن، ومطابخ ميدانية لإعداد وجبات الإفطار والسحور للمعتصمين، خاصة وأن بدايات الاعتصام تزامنت مع شهر رمضان المبارك.
ومن ناحية أخرى، حرص المعتصمون على توفير بيئة آمنة للعائلات، فخصصوا مناطق للعب الأطفال، إضافة إلى برامج ترفيهية وتثقيفية يومية. هذه الأجواء السلمية والعائلية كانت تدحض بشكل يومي الرواية الرسمية التي حاولت تصوير الميدان على أنه "بؤرة إرهابية مسلحة".
حرب الكلمات وشيطنة المعتصمين قبل الفض
قبل أن تبدأ الآليات العسكرية في التحرك نحو الميدان، كانت هناك حرب أخرى تُخاض على الشاشات وفي صفحات الجرائد. فقد بدأت السلطات الحاكمة، مدعومة بآلة إعلامية ضخمة، في التمهيد لعملية الفض من خلال شيطنة المعتصمين وتصويرهم على أنهم خطر داهم يهدد الأمن القومي المصري.
وبالتالي، عملت وسائل الإعلام الموالية للسلطة على تجريد المعتصمين من إنسانيتهم، ونشرت شائعات مكثفة حول وجود أسلحة ثقيلة وتعذيب للمعارضين داخل الميدان. ورغم هذه الادعاءات المتكررة من المسؤولين الحكوميين بأن استخدام القوة لاحقاً جاء رداً على عنف المتظاهرين، إلا أن الواقع والتقارير المحايدة أثبتت عكس ذلك تماماً.
أكدت المنظمات الحقوقية، وعلى رأسها هيومن رايتس ووتش، أنها لم تجد سوى أدلة على استخدام عدد محدود جداً من الأسلحة البدائية من قبل أفراد قلائل جداً، وهو ما لا يبرر بأي حال من الأحوال الهجوم المميت والعشوائي على الأغلبية العظمى من المتظاهرين العزل.
فجر الرابع عشر من أغسطس.. نهاية الحلم
استمر اعتصام ميدان النهضة لمدة ستة أسابيع متتالية، صمد خلالها المعتصمون أمام حرارة الصيف الشديدة وحرب الأعصاب والتهديدات المستمرة بالفض. ولكن، في صبيحة يوم الرابع عشر من أغسطس، تغير المشهد تماماً وانقلب إلى كابوس مروع.
وفي الساعات الأولى من الصباح الباكر، وبينما كان الكثير من المعتصمين نياماً في خيامهم أو يستعدون لبدء يوم جديد، بدأت القوات الأمنية والجيش هجومها المباغت والمنسق على ميداني النهضة ورابعة في وقت واحد.
وفي هذا السياق الكارثي، لم يُمنح المعتصمون إنذاراً كافياً للاستعداد أو الإخلاء الطوعي، كما لم تُوفر لهم ممرات آمنة حقيقية للخروج كما ادعت السلطات لاحقاً. بل على العكس تماماً، طُوقت الميادين من كافة المداخل والمخارج الاستراتيجية، وبدأ إطلاق النار العشوائي والكثيف باتجاه الخيام والمنصات.
"استخدمت القوات المصرية المدرعات والجرافات، بالإضافة إلى القوات البرية والقناصة على الأسطح الذين يحملون الذخيرة الحية، لمهاجمة الميدان من جميع الجهات وإغلاق المخارج الآمنة"
استخدام القوة المميتة بصورة منهجية ومدروسة
لم يكن ما حدث في ميدان النهضة مجرد استخدام مفرط للقوة أو خطأ في التقدير الميداني، بل كان تنفيذاً حرفياً لخطة أمنية وعسكرية معدة مسبقاً على أعلى المستويات القيادية. فقد تقدمت الجرافات الضخمة كوحوش كاسرة لإزالة الخيام وسحق ما يعترض طريقها، غير عابئة بمن قد يكون بداخلها من شيوخ أو نساء أو أطفال. وبموازاة ذلك، تمركز القناصة على أسطح المباني المرتفعة المحيطة بجامعة القاهرة وميدان النهضة، وبدأوا في إطلاق النار بدم بارد لاصطياد المتظاهرين في الشوارع المفتوحة.
إضافة إلى ذلك، ولزيادة حالة الذعر والارتباك، اشتعلت النيران في الخيام وتصاعدت أعمدة الدخان الأسود الكثيف في سماء منطقة الجيزة، مما زاد من حالة الرعب والهلع بين المعتصمين الذين حوصروا بين النيران ورصاص القناصة.
وعلى صعيد متصل، استخدمت القوات الأمنية الغاز المسيل للدموع بكثافة غير مسبوقة، تزامناً مع إمطار الميدان بالرصاص الحي من مختلف الاتجاهات، بما في ذلك إطلاق النار من طائرات الهليكوبتر التي كانت تحلق على ارتفاعات منخفضة فوق الميدان.
وبالتالي، تحول ميدان النهضة، الذي كان قبل ساعات قليلة ينبض بالحياة والأمل في التغيير، في غضون وقت قصير إلى ساحة حرب حقيقية ومسلخ بشري. سقط القتلى والجرحى في كل مكان، وكانت الجثث ملقاة على الأسفلت الملطخ بالدماء، دون وجود أي فرصة حقيقية لإسعافهم بشكل ملائم نظراً للعدد الهائل من الإصابات واستهداف القوات الأمنية المتعمد للمستشفيات الميدانية وسيارات الإسعاف التي حاولت الاقتراب.
حصيلة الضحايا وفظاعة المشهد الميداني
الحديث عن لغة الأرقام في مجزرة النهضة يدمي القلوب، فرغم محاولات السلطة المستمرة لتقليل أعداد الضحايا، إلا أن المنظمات الحقوقية المستقلة بذلت جهوداً مضنية لتوثيق الكارثة. فقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش مقتل 87 شخصاً على الأقل في ميدان النهضة وحده خلال الساعات القليلة لعملية الفض. وفي حين بلغ عدد الضحايا الموثقين بالاسم في رابعة 817 شخصاً على الأقل، تشير التقديرات الحقوقية المتطابقة إلى أن الأعداد الحقيقية تتجاوز 1000 قتيل في الميدانين معاً.
وترجع هذه التقديرات المرتفعة إلى وجود العديد من الجثث مجهولة الهوية التي تفحمت بالكامل، بالإضافة إلى مئات المفقودين الذين لم يُعثر لهم على أثر حتى يومنا هذا، مما يرجح احتمالية إخفاء السلطات للعديد من الجثث للتغطية على حجم المذبحة.
"كنا نتوقع أكثر بكثير مما حدث بالفعل على الأرض. النتيجة النهائية كانت أقل مما توقعنا." (تصريح رئيس الوزراء آنذاك حازم الببلاوي)
https://www.hrw.org/news/2014/08/12/egypt-raba-killings-likely-crimes-against-humanity
كشف هذا التصريح الصادم واللاإنساني بوضوح عن نية مبيتة وتوقع مسبق من حكومة الانقلاب، بأعلى مستوياتها، لإيقاع خسائر بشرية فادحة جداً في صفوف المدنيين. هذا التصريح يرسخ حقيقة دامغة بأن ما جرى في ميدان النهضة لم يكن مجرد خطأ في التقدير الأمني، بل كان قراراً سياسياً متعمداً بالقتل الجماعي للمعارضين لفرض هيبة الدولة البوليسية الجديدة.
الانعكاسات النفسية والاجتماعية على المصريين
لم تقتصر فداحة مجزرة النهضة على الدماء التي أريقت في الشوارع، بل امتدت لتحدث شرخاً عميقاً في البنية النفسية والاجتماعية للشعب المصري. لقد كانت هذه المجزرة بمثابة رصاصة الرحمة على "الأمل" الذي ولد من رحم ثورة يناير.
فقد رأى شباب الثورة الذين حلموا بالديمقراطية زملائهم وأصدقاءهم يُسحلون ويُقتلون بدم بارد. هذا المشهد العنيف أدى إلى تولد حالة من "الاكتئاب السياسي" الجماعي، حيث استبدل الكثيرون أحلام التغيير المجتمعي بمحاولات النجاة الفردية أو اللجوء إلى العيادات النفسية لمحاولة فهم ومعالجة الصدمة المروعة (PTSD) التي حفرتها مشاهد الجرافات والجثث المحترقة في ذاكرتهم.
إفلات الجناة
بعد مرور كل هذه السنوات، لا تزال الجريمة بلا عقاب. لقد حصنت الدولة جيل القادة والضباط الذين اتخذوا قرار الفض ونفذوه بقرارات سيادية وقوانين تشريعية، ومنعت أي تحقيق دولي محايد.
لم يكن ميدان النهضة مجرد ساحة تم تنظيفها من المتظاهرين، بل كان مقبرة جماعية للحريات وحقوق الإنسان في مصر. لقد شكلت تلك الساعات الدامية نقطة الانطلاق لتأسيس نظام لا يتسامح مع أي صوت معارض، لتدخل مصر بعدها في نفق مظلم من الاعتقالات التعسفية والمحاكمات الجماعية، ليظل الرابع عشر من أغسطس جرحاً ينزف في الذاكرة الجمعية، وشاهداً على يوم استباحت فيه السلطة دماء أبنائها للحفاظ على كرسي الحكم.

