بعد أيام، تحل الذكرى الثالثة عشرة لفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس2013، بينما لا تزال واحدة من أكثر الوقائع دموية في تاريخ مصر الحديث بلا تحقيق مستقل أو محاسبة للمسؤولين عنها. ففي ذلك اليوم، تحركت قوات الشرطة، مدعومة بوحدات من الجيش، نحو الميدانين اللذين احتشد فيهما معارضو إطاحة الرئيس الراحل محمد مرسي، مستخدمة المدرعات والجرافات والغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية.
استمرت العملية في رابعة نحو 12 ساعة، من شروق الشمس إلى غروبها، وليس ست ساعات كما ورد في بعض الروايات. وأسفرت، بحسب تحقيق موسع أجرته منظمة «هيومن رايتس ووتش»، عن مقتل ما لا يقل عن 817 شخصًا داخل الميدان، مع ترجيح تجاوز العدد ألف قتيل. أما منظمة العفو الدولية فتتحدث عن مقتل أكثر من 900 شخص خلال فض اعتصامي رابعة والنهضة، في حين أعلنت وزارة الصحة المصرية آنذاك حصيلة رسمية بلغت 638 قتيلًا في أحداث ذلك اليوم. ويعكس هذا التفاوت غياب تحقيق قضائي مستقل يحسم الأعداد ويحدد المسؤوليات.
من اعتصام سياسي إلى أكبر عملية قتل جماعي للمتظاهرين
بدأ اعتصام رابعة العدوية في 28 يونيو 2013، قبل خمسة أيام من إطاحة الجيش بمحمد مرسي في 3 يوليو، واستمر قرابة 47 يومًا حتى فضه. ومع مرور الوقت، تحول الميدان إلى مركز رئيسي للاحتجاج على تدخل الجيش والمطالبة بعودة مرسي إلى منصبه واستعادة المسار الدستوري.
ضم الاعتصام أعضاء ومؤيدين لجماعة الإخوان المسلمين وأسرًا قدمت من محافظات مختلفة، إلى جانب إسلاميين ومستقلين ومهنيين وشخصيات عامة رفضت عزل أول رئيس مدني منتخب بعد ثورة يناير. وأقام المعتصمون داخل الميدان خيامًا ومنصات ومطابخ وعيادات ميدانية، فتحولت المنطقة إلى تجمع سياسي واجتماعي مفتوح.
اختيار رابعة لم يكن منفصلًا عن موقعه؛ فهو يقع في نطاق قريب نسبيًا من قصر الاتحادية ومطار القاهرة ومقر الحرس الجمهوري وعدد من المنشآت العسكرية والإدارية. وفي 8 يوليو/تموز 2013، أي قبل الفض بأكثر من شهر، قتلت قوات الجيش 61 متظاهرًا، وفق أرقام مصلحة الطب الشرعي التي أوردتها «هيومن رايتس ووتش»، خلال أحداث الحرس الجمهوري، فيما قُتل ضابطان أيضًا.
قدمت السلطات عملية 14 أغسطس باعتبارها إجراءً أمنيًا لإزالة اعتصامين قالت إنهما تضمنا عناصر مسلحة وهددا الأمن العام وعطلا الطرق. وأعلنت وزارة الداخلية أنها وفرت ممرات آمنة وحذرت المعتصمين قبل بدء العملية، كما قالت إن قواتها تعرضت لإطلاق نار. لكن التحقيق الحقوقي الذي استند إلى أكثر من 200 مقابلة ومقاطع مصورة وأدلة ميدانية خلص إلى أن التحذيرات لم تكن كافية، وأن قوات الأمن لجأت إلى الرصاص الحي بعد دقائق من بدء الفض، وأطلقت النار بصورة واسعة وعشوائية على حشود كان معظم أفرادها سلميين.
وثقت المنظمة مقتل المئات بطلقات أصابت الرأس والعنق والصدر، واستخدام قناصة ومدرعات وجرافات في الهجوم من المداخل الخمسة الرئيسية. ووصفت ما جرى بأنه أكبر عملية قتل جماعي لمتظاهرين في يوم واحد بتاريخ مصر الحديث، ورجحت أن ترقى الانتهاكات إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.
«الفض» الذي دشّن مرحلة سياسية جديدة
لم يكن الخلاف متعلقًا بحق الدولة في إنهاء الاعتصام فحسب، بل بالطريقة التي اختارتها لتنفيذ ذلك. فقد كانت هناك بدائل أقل فتكًا، من بينها تطويق الميدان ومنع الإمدادات تدريجيًا، وإطالة مهلة التفاوض، وتوفير مخارج واضحة وآمنة، واستخدام وسائل تفريق غير مميتة، مع قصر إطلاق النار على الحالات التي تمثل تهديدًا مباشرًا للحياة.
غير أن الخطة المنفذة اعتمدت حشدًا ضخمًا للقوات واقتحامًا متزامنًا من عدة اتجاهات، وسط توقعات مسبقة بسقوط أعداد كبيرة. ووفق «هيومن رايتس ووتش»، كانت أجهزة الدولة تتصور أن العملية قد تسفر عن آلاف القتلى، وهو ما يعزز الشكوك في أن حماية الأرواح لم تكن الأولوية الحاكمة للخطة.
كان عبد الفتاح السيسي وقتها وزيرًا للدفاع ونائبًا لرئيس مجلس الوزراء للشؤون الأمنية، وعلى رأس المؤسسة العسكرية التي أطاحت مرسي. وأشارت المنظمة إلى إقراره لاحقًا بأن المسؤولين أمضوا أيامًا طويلة يناقشون تفاصيل فض الاعتصامين، ما يضع قرارات العملية ومسؤوليات سلسلة القيادة في قلب أي تحقيق جاد.
أصبح يوم رابعة نقطة فاصلة تجاوز تأثيرها حدود جماعة الإخوان المسلمين. فقد بعثت المذبحة برسالة إلى المجال العام كله مفادها أن الاعتراض الواسع على السلطة الجديدة يمكن أن يُواجه بالقوة المميتة. وتلت ذلك حملات اعتقال جماعية ومحاكمات واسعة وتقييد للاحتجاج والإعلام والعمل السياسي، ليتحول الاستثناء الأمني إلى قاعدة مستمرة.
وفي مفارقة لافتة، لم يحاكم أي مسؤول أمني أو عسكري عن قتل المتظاهرين، بينما حوكم مئات الناجين وقادة الاعتصام في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«فض رابعة». وفي يونيو/حزيران 2021، أيدت محكمة النقض أحكامًا، بينها أحكام بالإعدام والسجن المؤبد، بحق عدد من المتهمين. وقال خبراء أمميون إن القضية ضمت 739 متهمًا وأثارت مخاوف جدية بشأن ضمانات المحاكمة العادلة.
13 عامًا من الإفلات من العقاب وعقدة تلاحق النظام
حتى أغسطس/آب 2026، لم تعلن السلطات المصرية فتح تحقيق مستقل وشفاف في مسؤولية القيادات التي خططت للعملية أو أصدرت أوامر استخدام القوة المميتة. كما لم يحصل أهالي الضحايا على مسار فعال للعدالة أو التعويض، بينما واصلت الدولة تبني الرواية التي تحمل المعتصمين مسؤولية الخسائر.
وترى منظمة العفو الدولية أن الإفلات من العقاب في رابعة مهّد لهجوم أوسع على المعارضة السلمية، وأضعف ضمانات المحاكمة العادلة، وسمح باستمرار الانتهاكات داخل السجون. وفي الذكرى العاشرة للمذبحة، قالت المنظمة إن عدم محاسبة المسؤولين عن مقتل أكثر من 900 شخص أسهم في ترسيخ مناخ لا يخشى فيه مرتكبو الانتهاكات العقاب.
حاولت السلطة إزالة الاسم نفسه من الذاكرة العامة، فتغير اسم الميدان رسميًا إلى «ميدان الشهيد هشام بركات»، لكن «رابعة» ظلت حاضرة بوصفها رمزًا للضحايا والانقسام السياسي وفشل العدالة الانتقالية. وكلما اقتربت الذكرى، عادت الأسئلة التي لم تتلق إجابة: من أصدر أوامر إطلاق النار؟ ولماذا لم تُستخدم بدائل أقل فتكًا؟ وأين التسجيلات الرسمية الكاملة للعملية؟ ولماذا حوكم الناجون بينما ظل المسؤولون عن الخطة خارج المساءلة؟
بعد 13 عامًا، لم تعد رابعة مجرد واقعة مرتبطة بصراع سياسي انتهى، بل جرحًا مفتوحًا في الذاكرة المصرية. فغياب الحقيقة والمحاسبة لا يمحو المذبحة، وإنما يراكم الغضب ويمنع المصالحة. ومن دون تحقيق مستقل يكشف سلسلة القيادة وينصف الضحايا، سيظل 14 أغسطس شاهدًا على اللحظة التي اختارت فيها الدولة القوة طريقًا للحكم، ودفعت مصر ثمن ذلك خوفًا وانقسامًا وانسدادًا سياسيًا ممتدًا.

