كشفت الهيئة العامة للرقابة المالية ارتفاع التمويل الاستهلاكي في مصر إلى 19.3 مليار جنيه خلال أول شهرين من 2026، ليستفيد منه 2.488 مليون عميل، وسط نتيجة مقلقة تتمثل في اتساع اعتماد الأسر على الديون لتدبير المشتريات.
ويكشف هذا الصعود أن إدارة الأزمة المعيشية تركت المصريين بين أجور متآكلة وأسعار منفلتة، بينما تُفتح أمامهم أبواب الاقتراض السهل بدل حماية دخولهم، فتتحول الحاجة إلى الأجهزة والدواء والتعليم إلى التزام شهري يطارد الأسرة ويهدد استقرارها.
الغلاء يصنع زبائن الأقساط
وبحسب بيانات الهيئة، قفزت قيمة التمويلات بنسبة 61.5 في المئة مقارنة بنحو 11.95 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من 2025، فيما ارتفع عدد العملاء بنسبة 64 في المئة مقابل 1.515 مليون عميل.
وفي صدارة الاستخدامات، استحوذت الإلكترونيات والأجهزة الكهربائية على 4.613 مليار جنيه، ثم السيارات والمركبات بقيمة 4.304 مليار جنيه، بما يكشف أن شراء السلع المعمرة لم يعد ممكنًا نقدًا لقطاع واسع من أصحاب الدخول الثابتة.
كذلك بلغت تمويلات السلع الاستهلاكية عبر بطاقات التمويل 2.490 مليار جنيه، وسجلت الأجهزة المنزلية 1.486 مليار جنيه، بينما جذبت الهواتف المحمولة 1.332 مليار جنيه، في انتشار يمد الأقساط من الضرورات إلى أنماط الاستهلاك اليومية.
ومن جهته، يرى الخبير الاقتصادي والمالي ياسر حسين سالم أن اتساع التقسيط يرتبط مباشرة بارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الجنيه، لأن تكلفة المعيشة تجاوزت نمو الرواتب ودفعت المواطنين إلى تمويل احتياجات عجزت دخولهم الجارية عن تغطيتها.
وبتفسير سالم، تلتهم نفقات الغذاء والتعليم والعلاج والمرافق الجزء الأكبر من دخل الأسرة، بينما تراجعت قدرتها على الادخار، فأصبح التقسيط بالنسبة إلى كثيرين الخيار الوحيد لشراء أجهزة أو أثاث أو خدمات لم تعد المدخرات المحدودة تكفيها.
وعلى الجانب الآخر، لا يعد التمويل الاستهلاكي شرًا بذاته إذا امتلك العميل دخلًا ثابتًا وفائضًا يسمح بالسداد، لكن الخطر يبدأ عندما تتجاوز الالتزامات الشهرية القدرة الحقيقية وتقتطع من الطعام والعلاج ومصاريف الأبناء.
ولهذا يشدد سالم على ضرورة حساب إجمالي الأقساط لا قيمة كل قسط منفردًا، لأن العروض الصغيرة تتراكم سريعًا، وقد يتحول قرار شراء يبدو محتملًا إلى سلسلة التزامات تستنزف الراتب عند أول طارئ أو انخفاض في الدخل.
في المقابل، تكشف شهادات موظفين أن التقسيط أدى وظيفة إنقاذ مؤقتة عند تجهيز المنازل وشراء الأجهزة الأساسية، لكنه صنع لدى آخرين شعورًا دائمًا بأن الراتب يمر مباشرة إلى الشركات، من دون أن يترك مساحة للأمان أو الادخار.
ائتمان أسرع من الدخول
أما الخبير الاقتصادي والمصرفي أحمد شوقي، فيربط نمو القطاع بسهولة الإجراءات وسرعة الموافقات مقارنة بالتمويل المصرفي، إلى جانب سعي الشركات لتحقيق مستهدفات سنوية تدفعها إلى توسيع قاعدة العملاء وتقديم تسهيلات أكثر لجذب المقترضين.
ووفق شوقي، فإن هذا التوسع يحتاج رقابة أشد على جودة المحافظ التمويلية، لأن منح الائتمان دون فحص دقيق للدخل والالتزامات القائمة يرفع احتمالات التعثر، ويجعل زيادة المبيعات مقدمة لأزمة يتحمل المستهلك كلفتها الأكبر.
فضلًا عن ذلك، تتيح التطبيقات الحصول على حدود شراء خلال دقائق، فتختصر لحظة التفكير والمقارنة وتدفع المستهلك إلى التركيز على قيمة القسط بدل السعر النهائي، بينما قد ترفع الرسوم والعوائد والتأخير تكلفة السلعة إلى مستوى مرهق.
ومع أن الشركات تقدم التقسيط باعتباره طريقًا ميسرًا للامتلاك، فإن الإعلان غالبًا يبرز القسط الصغير ويهمش الكلفة الإجمالية، ما يخلق إحساسًا زائفًا بالقدرة ويشجع على جمع التزامات متعددة لدى أكثر من جهة تمويل.
بالتوازي مع ذلك، لا يعني ارتفاع عدد العملاء تحسنًا في الرفاه، بل قد يعكس اتساع الفجوة بين الأسعار والدخول، خصوصًا عندما يصبح الدين وسيلة لشراء احتياج أساسي كان يمكن للأسرة توفيره من راتبها قبل موجات الغلاء.
وفي ضوء ذلك، تبدو القفزة البالغة 61.5 في المئة إنذارًا بشأن مسار الاستهلاك الممول، لا مجرد نجاح تجاري، إذ تكشف سرعة انتقال ملايين المصريين من الشراء النقدي إلى التزام يمتد شهورًا وربما سنوات.
ومن ناحية قانونية، لا يترتب الحبس تلقائيًا على مجرد التعثر في سداد التمويل الاستهلاكي، لكن العميل قد يواجه إجراءات مطالبة وحجزًا على بعض الأصول وتدهورًا في سجله الائتماني، بما يضيق فرص حصوله على تمويل لاحق.
لذلك تبقى قراءة العقود قبل التوقيع ضرورة، خصوصًا بنود العائد والرسوم وغرامات التأخير والتأمين والسداد المبكر، لأن الفرق بين السعر النقدي وإجمالي المبلغ المدفوع قد يكشف أن السلعة تجاوزت بكثير قدرتها وقيمتها الفعلية.
تعثر يهدد الأسرة
ويرى الخبير الاقتصادي والمصرفي هشام حمزة أن الخطر الأبرز يبدأ حين تنمو ديون الأفراد أسرع من دخولهم، إذ ترتفع احتمالات عدم السداد وتتراجع جودة محافظ الشركات، بينما يبقى المقترض محاصرًا بين الأقساط والمصروفات الأساسية.
وبحسب حمزة، قد يقود الإفراط في التمويل إلى منح ائتمان لشرائح لا تملك قدرة مالية كافية، فتتوسع الالتزامات من دون حماية مناسبة، وتتشكل بيئة تسمح بانتقال التعثر الفردي إلى مشكلة أوسع داخل سوق التمويل.
ومن ثم، لا يقتصر الأثر على الأسر، لأن سهولة التمويل قد ترفع الطلب بصورة لا تعكس نموًا حقيقيًا في الدخول، فتمنح بعض التجار مساحة لزيادة الأسعار وتعيد إنتاج الغلاء الذي دفع المستهلك إلى التقسيط أصلًا.
علاوة على ذلك، يؤدي فقدان الوظيفة أو المرض أو زيادة الإيجار إلى كسر الحسابات التي بُني عليها قرار الشراء، وعندها تصبح الأقساط الثابتة عبئًا أشد قسوة لأن الدخل يتراجع بينما تظل مواعيد السداد قائمة.
وعائليًا، تخلق الالتزامات المتراكمة توترًا دائمًا بين الزوجين بشأن أولوية الإنفاق ومسؤولية القرارات السابقة، وقد تتحول كل فاتورة جديدة إلى خلاف، خصوصًا عندما لا يعرف أحد الطرفين الحجم الكامل للديون أو عدد الأقساط.
اجتماعيًا، تشجع المقارنات والإعلانات على شراء هواتف وملابس وكماليات بالتقسيط، فتختلط الضرورة بالرغبة، بينما تدفع الأسرة ثمن محاولة الحفاظ على مظهر استهلاكي لا يتناسب مع دخلها الحقيقي ولا يوفر لها حماية من الطوارئ.
إضافة إلى ذلك، تتحمل الحكومة مسؤولية أعمق من مطالبة المواطنين بحسن التدبير، لأن ضبط الأسعار وحماية الأجور وتوسيع الخدمات العامة هي الأدوات التي تمنع تحول الطعام والتعليم والعلاج والأجهزة الأساسية إلى أبواب جديدة للمديونية.
بناءً على ذلك، تبرز الحاجة إلى إلزام الشركات بإظهار التكلفة النهائية بوضوح، وفحص الالتزامات القائمة، ومنع الإعلانات المضللة، وتوفير آليات عادلة للشكاوى والتسوية وإعادة الجدولة قبل أن يتحول التأخر المؤقت إلى انهيار مالي كامل.
وفي المحصلة، لا تحتفي أرقام التمويل القياسية بازدهار المصريين بقدر ما توثق اقتصادًا يدفعهم إلى شراء الحاضر من دخل المستقبل، فيما يبقى الحل الحقيقي في أجور عادلة وأسعار منضبطة ورقابة تمنع استغلال الحاجة وتراكم الديون.

