رفعت الجامعات الخاصة في مصر مصروفات العام الجامعي الجديد، لتصل كلفة دراسة الطب البشري إلى 350 ألف جنيه سنويا، بينما قفزت الهندسة إلى 370 ألفا، بما يهدد بحرمان آلاف الطلاب من استكمال أحلامهم التعليمية.

 

وتكشف القفزات الجديدة كيف تخلت حكومة الانقلاب عن مسؤوليتها في ضمان تعليم جامعي عادل، وتركت الأسر فريسة لسوق يستنزف مدخراتها، ويحول مستقبل الأبناء إلى امتياز طبقي لا يملكه إلا القادرون على دفع الفاتورة.

 

استنزاف ميزانيات الأسر

 

وبحسب الأرقام المعلنة، تتراوح مصروفات الطب البشري بين 165 ألفا و350 ألف جنيه، في حين تبدأ الهندسة من 75 ألفا وتبلغ 370 ألفا، بينما تتراوح علوم الحاسب بين 73 ألفا و330 ألفا سنويا.

 

وفي السياق نفسه، لا تمثل المصروفات الأساسية سوى بداية الاستنزاف، إذ تضاف إليها رسوم إدارية ومعامل وكتب ومراجع وسكن جامعي ومواصلات ومعيشة، فتتضاعف الكلفة الفعلية بعيدا عن الأرقام التي تستخدمها الجامعات في إعلاناتها.

 

ومن جانبها، قالت الخبيرة التربوية داليا الحزاوي، مؤسسة ائتلاف أولياء أمور مصر، إن الجامعات الخاصة تستوعب أعدادا كبيرة من الطلاب، لكن زياداتها المتكررة أصبحت عبئا متصاعدا على الأسر وسط الغلاء وتراجع القدرة الشرائية.

 

وأضافت الحزاوي أن بعض الأسر تلجأ إلى الاقتراض أو تعيد ترتيب أولوياتها المالية لتتمكن من إلحاق أبنائها بهذه الجامعات، وهو ما يحول سنوات الدراسة إلى التزام ثقيل يطارد الأسرة بدلا من أن يفتح باب المستقبل.

 

وحذرت من بناء قرار الالتحاق على القدرة على سداد مصروفات العام الأول وحده، لأن التعليم الجامعي يمتد أربع أو خمس سنوات وربما أكثر، وقد تضع الزيادات اللاحقة الأسرة والطالب أمام مأزق مالي يصعب الخروج منه.

 

كذلك أشارت الحزاوي إلى تكرار شكاوى أولياء الأمور من ارتفاع المصروفات وتكاليف السكن الجامعي، ولا سيما للطلاب القادمين من المحافظات، حيث تدفع الأسرة كلفة إضافية للإقامة والتنقل فوق فاتورة الدراسة الباهظة.

 

ولهذا طالبت بإعلان المصروفات والزيادات المتوقعة قبل بدء العام الدراسي بوقت كاف، والتوسع في المنح المخصصة للمتفوقين، مع توفير نظم تقسيط ميسرة تمنع تعثر الطلاب وتخفف الضغط المتراكم على ميزانيات الأسر.

 

التعليم في قبضة الاستثمار

 

أما الخبير التربوي مصطفى كامل، فرأى أن عبارة بزنس الجامعات الخاصة وأحلام الشباب تلخص واقعا يتكرر مع كل موسم قبول، بعدما تحولت الرغبة في تعليم جيد ومستقبل مهني إلى سباق مالي تحكمه قدرة الأسرة.

 

وأوضح كامل أن المشهد يكشف تداخلا واضحا بين الدور التعليمي والاستيعابي للجامعات الخاصة وبعدها الاستثماري، مؤكدا أن السعي إلى الربح صار أكثر حضورا في مؤسسات عديدة، وانعكس مباشرة على قيمة المصروفات المطلوبة من الطلاب.

 

وبذلك أصبح الالتحاق ببعض البرامج حكرا فعليا على شرائح اجتماعية محددة، بصرف النظر عن كفاءة الطالب أو تفوقه، بينما يدفع أبناء الأسر محدودة ومتوسطة الدخل ثمن نظام يعيد توزيع الفرص وفق الثروة لا الاستحقاق.

 

في المقابل، أشار كامل إلى أن بعض المؤسسات قد تقلص الإنفاق على البحث العلمي، أو تعتمد بصورة أكبر على أعضاء هيئة تدريس غير دائمين، بهدف خفض النفقات وتعظيم العائد المالي ولو تراجعت جودة العملية التعليمية.

 

وفوق ذلك، قد توجه الجامعات جزءا كبيرا من إنفاقها إلى الحملات التسويقية والمباني الفاخرة، بدلا من تطوير المعامل والمناهج والبحث العلمي، فتشتري الأسرة صورة براقة لا تضمن بالضرورة تعليما يساوي المبالغ المدفوعة.

 

وعليه شدد كامل على أن حق الجامعة في عائد يضمن استمرارها لا يلغي حق الطالب في خدمة تعليمية توازي المصروفات، وهو توازن يحتاج إلى حوكمة ورقابة وشفافية لا إلى ترك السوق يحدد المصير منفردا.

 

كما طالب بربط أي زيادة في المصروفات بمستوى الجودة والاعتماد الأكاديمي، وإلزام الجامعات بإعادة استثمار جزء من أرباحها في المعامل والبنية الأساسية والبحث العلمي وتأهيل أعضاء هيئة التدريس بدلا من تضخيم العوائد.

 

إلى جانب ذلك، دعا كامل إلى جعل المسؤولية المجتمعية جزءا أصيلا من عمل الجامعات الخاصة، عبر منح حقيقية للمتفوقين وغير القادرين، ونظم سداد مرنة تمنع تحول العجز المالي إلى حكم نهائي بإقصاء الطالب.

 

رقابة عاجزة عن الردع

 

بدوره قال عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي المساعد بكلية الدراسات العليا للتربية في جامعة القاهرة، إن ضبط العلاقة بين الاستثمار والتعليم يتطلب منظومة رقابية متكاملة تشارك فيها وزارة التعليم العالي وهيئة ضمان الجودة.

 

وأكد حجازي أن الرقابة على المصروفات والزيادات السنوية ضرورة مستمرة، لأن الهدف الأساسي من إنشاء الجامعات هو تقديم تعليم متميز، لا تحقيق الأرباح فقط أو استغلال قلق الأسر على مستقبل أبنائها لتعظيم الإيرادات.

 

وبناء على ذلك، رأى أن تحديد قيمة المصروفات يجب أن يستند إلى معايير موضوعية، تشمل السمعة الأكاديمية وموقع الجامعة في التصنيفات الدولية وحصول كلياتها وبرامجها على الاعتماد الرسمي من الجهات المختصة.

 

وفي ضوء ذلك، يفترض أن توجد علاقة قابلة للقياس بين ما يدفعه الطالب ومستوى الخدمة التي يتلقاها، من كفاءة التدريس إلى جودة المعامل وفرص التدريب، لا أن تبقى المصروفات رقما تفرضه الإدارة بلا تفسير.

 

غير أن غياب سقف واضح للزيادات يترك الأسر أمام التزامات مفتوحة، ويمنح الجامعات قدرة واسعة على تعديل الفاتورة سنويا، بينما لا يملك الطالب بعد بدء الدراسة خيارا سهلا للانتقال أو التراجع دون خسائر.

 

علاوة على ذلك، تتحمل الأسر القادمة من المحافظات العبء الأشد، لأن السكن والمواصلات والمعيشة قد تبتلع عشرات الآلاف سنويا، فتتجاوز الكلفة النهائية المعلن عنها بفارق كبير لا يظهر عند تقديم أوراق الالتحاق.

 

ومن ثم، لا تكفي نظم التقسيط إذا ظلت القيمة الأصلية تتصاعد بلا ضوابط، فالأقساط تؤجل الاستنزاف ولا تنهيه، وقد تحول الأسرة إلى رهينة لديون طويلة مقابل حق أساسي كان يفترض أن تضمنه الدولة.

 

في النهاية، يضع هذا النموذج مستقبل الطالب بين جامعات حكومية محدودة القدرة على الاستيعاب، وجامعات خاصة ترفع بواباتها المالية عاما بعد عام، بينما تتسع الفجوة بين الحق في التعليم والقدرة على شرائه.

 

لذلك تبدو الحاجة ملحة إلى إعلان تفصيلي وملزم لكل الرسوم قبل القبول، وتحديد قواعد معلنة للزيادة السنوية، ونشر بيانات الإنفاق والجودة والمنح، حتى تستطيع الأسر مقارنة الكلفة الحقيقية بما يحصل عليه أبناؤها.

 

وأخيرا، تظل أزمة المصروفات شاهدا على فشل سلطة تركت التعليم لمنطق السوق، ثم طالبت الأسر بتحمل النتائج وحدها، فيما تتحول أحلام الشباب إلى فواتير مرهقة وتصبح الجامعة مساحة جديدة لإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي.