تراجعت واردات مصر من القمح بصورة حادة خلال سبتمبر 2026، بعدما سجلت نحو 362.5 ألف طن فقط، مقابل نحو 1.548 مليون طن في الشهر نفسه من العام الماضي، بانخفاض بلغ 76.6% خلال عام واحد.
وتزداد دلالة التراجع مع عدم تسلم الهيئة العامة للسلع التموينية أي شحنات خلال الشهر، بينما تظل مصر معتمدة بصورة واسعة على القمح المستورد لتغطية الاستهلاك المحلي وبرنامج الخبز المدعم لملايين المواطنين.
الأسعار والحرب تضغطان على الاستيراد
فقد تصدرت الأسعار العالمية أسباب الانخفاض الكبير في الواردات، بعدما ارتفع سعر طن القمح بنحو 75 دولارًا منذ بداية يوليو، متأثرًا باستمرار الحرب الروسية الأوكرانية والاضطرابات التي تضرب تجارة الحبوب في البحر الأسود.
وفي هذا السياق، قال هشام سليمان، مدير شركة ميدترنين ستار للتجارة واستيراد الحبوب، إن الأسعار ارتفعت من نحو 245 دولارًا للطن في بداية يوليو إلى 275 دولارًا، قبل بلوغها حاليًا قرابة 320 دولارًا.
كما أدى ارتفاع تكاليف القمح المستورد إلى زيادة أسعار الدقيق داخل السوق المصرية بنحو 3 آلاف جنيه للطن منذ بداية أغسطس، ليجد المستورد والمطحن والمخبز والمستهلك أنفسهم في مواجهة موجة واحدة من ارتفاع التكلفة.
ولذلك، لم تعد أزمة القمح مرتبطة فقط بوجود السلعة عالميًا، وإنما بقدرة الاقتصاد المصري على توفير الدولار وتحمل الأسعار الجديدة، خاصة مع استمرار الضغط على العملة المحلية وارتفاع تكلفة الاستيراد والتمويل.
وبالتوازي، دفعت التقلبات الحادة بعض المستوردين إلى الحذر من شراء كميات كبيرة بالأسعار الحالية، خوفًا من حدوث تسوية بين روسيا وأوكرانيا تؤدي إلى هبوط الأسعار وتحول المخزون المرتفع التكلفة إلى خسائر مباشرة.
ويرى سليمان أن التوصل إلى تسوية سياسية قد يخفض سعر القمح بنحو 50 دولارًا للطن، وهو احتمال يفسر جانبًا من تباطؤ عمليات الشراء وانتظار التجار اتضاح اتجاه السوق العالمية قبل إبرام تعاقدات جديدة.
اعتماد خارجي يضاعف مخاطر السوق
وفي سبتمبر، حافظت روسيا على موقعها كأكبر مورد للقمح إلى مصر، بعدما صدرت نحو 142.656 ألف طن، بما يمثل 39.4% من إجمالي الواردات المصرية خلال الشهر.
وجاءت أوكرانيا في المرتبة الثانية بنحو 132.784 ألف طن، بنسبة بلغت 36.6%، بينما صدرت رومانيا نحو 55.669 ألف طن بنسبة 15.3%، ثم كندا بنحو 31.403 ألف طن.
وهكذا، استحوذت روسيا وأوكرانيا وحدهما على نحو ثلاثة أرباع واردات سبتمبر، لتستمر مشكلة التركيز الجغرافي لمصادر القمح، رغم السنوات الطويلة من الحديث الحكومي عن تنويع المناشئ وتأمين الاحتياجات الاستراتيجية.
كما اعتمدت مصر على روسيا وأوكرانيا في توفير قرابة 80% من القمح المستورد خلال النصف الأول من العام الجاري، بينما وصلت الكميات المستوردة من روسيا وحدها إلى نحو 4.5 مليون طن.
ومن ثم، يظل الأمن الغذائي المصري شديد الارتباط بتطورات حرب تدور خارج الحدود، وبحركة الموانئ في البحر الأسود، وأسعار النقل والتأمين، وتقلبات الدولار، وهي عناصر لا تملك الحكومة المصرية السيطرة المباشرة عليها.
لكن تراجع واردات سبتمبر لا يعني أن مصر خفضت اعتمادها على الخارج بصورة هيكلية، إذ ارتفع إجمالي الواردات منذ بداية العام وحتى نهاية سبتمبر إلى نحو 9.026 مليون طن.
وكانت الواردات قد سجلت نحو 8.862 مليون طن خلال الفترة نفسها من العام الماضي، ما يعني زيادة سنوية تبلغ نحو 1.9% رغم الانخفاض الاستثنائي الذي شهده شهر سبتمبر منفردًا.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح، فالحكومة يمكنها الاستناد إلى تراجع شهر واحد باعتباره انخفاضًا في المشتريات، لكن أرقام الأشهر التسعة تكشف استمرار الاحتياج الكبير للاستيراد وعدم حدوث تحول جوهري في معادلة القمح.
فاتورة الغذاء تحت رحمة الدولار
وفي المقابل، أسهمت الكميات التي جمعتها الحكومة من محصول القمح المحلي في تقليل احتياجاتها المباشرة من الاستيراد خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يفسر جزئيًا عدم شراء الهيئة العامة للسلع التموينية شحنات منذ عدة أشهر.
غير أن زيادة التوريد المحلي لا تلغي الفجوة الواسعة بين الإنتاج والاستهلاك، خاصة أن استهلاك مصر السنوي من القمح يقدر بنحو 20.3 مليون طن، وهي كمية تتجاوز القدرات الإنتاجية المحلية بفارق كبير.
وخلال العام المالي 2025-2026، بلغت واردات مصر من القمح نحو 12.5 مليون طن، لتغطي قرابة 62% من إجمالي الاستهلاك المحلي، وهي نسبة تعكس حجم الارتهان المستمر للأسواق الخارجية.
كما يحتاج برنامج الخبز المدعم وحده إلى نحو 8.6 مليون طن من القمح سنويًا، ما يجعل أي اضطراب طويل في الإمدادات أو العملات الأجنبية أو الأسعار العالمية مسألة مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي لملايين المصريين.
ولذلك، لا يمكن النظر إلى انهيار واردات سبتمبر باعتباره إنجازًا اقتصاديًا في حد ذاته، فالانخفاض الناتج عن غلاء الأسعار أو نقص الدولار يختلف جذريًا عن خفض الواردات نتيجة زيادة مستدامة في الإنتاج المحلي.
وبالمثل، فإن تراجع الطلب بسبب ارتفاع سعر الدقيق يحمل دلالة أكثر خطورة من مجرد انخفاض فاتورة الاستيراد، لأنه يعني أن ارتفاع الأسعار بدأ يضغط على قدرة السوق والمستهلك على شراء المنتجات المرتبطة بالقمح.
ومن ناحية أخرى، تعيد الأزمة طرح ملف زراعة القمح محليًا، وأسعار التوريد المقدمة للفلاحين، وتكاليف الأسمدة والري والوقود، ومدى قدرة السياسات الزراعية على جعل المحصول أكثر جاذبية للمزارع مقارنة بمحاصيل أخرى.
كما تطرح ضرورة بناء احتياطي استراتيجي آمن وتنويع مصادر الاستيراد، بدل ترك سلعة أساسية مرتبطة بدرجة كبيرة بدولتين تخوضان حربًا ممتدة يمكن لأي تصعيد فيها أن يعيد قفزات الأسعار أو اضطراب الإمدادات.
وفي النهاية، فإن الرقم الأخطر ليس فقط هبوط واردات سبتمبر 76.6%، وإنما استمرار حاجة مصر إلى استيراد أكثر من نصف استهلاكها من القمح، بما يترك رغيف الخبز معرضًا لحركة الدولار والحروب والأسواق العالمية.
وتبقى المسؤولية الأساسية في تحويل الأمن الغذائي من إدارة يومية للأزمات إلى سياسة إنتاج حقيقية، تقلص الفجوة بين الزراعة والاستهلاك، وتدعم الفلاح المصري، حتى لا يظل قوت ملايين المواطنين رهينة سفن الحبوب القادمة من الخارج.

