أشعل توقيع وزارة الأوقاف بروتوكول تعاون مع مؤسسة «طابة» في أبوظبي اعتراضات على إسناد تأهيل الدعاة المصريين إلى مؤسسة خارجية، بينما يمتلك الأزهر مؤسسات متخصصة وخبرات ممتدة في تدريب الأئمة ونشر العلوم الإسلامية.
وأعاد الاتفاق، الذي حضره أسامة الأزهري والحبيب علي الجفري، طرح أسئلة النفوذ الإماراتي وحدود التدخل السياسي في المنابر، وسط مطالب بإعلان المناهج والتمويل وأسماء المدربين، وتفسير تجاوز الإمكانات العلمية والتدريبية المتاحة داخل مصر.
بروتوكول غامض ومصالح تحتاج مساءلة
ففي مطلع أكتوبر الجاري، وقعت الأوقاف الاتفاق مع «طابة» تحت عنوان تأهيل الدعاة وتطوير الخطاب الإسلامي، لكن التفاصيل الواردة لم تحدد المناهج أو تكلفة البرامج أو آليات اختيار المشاركين والجهة المشرفة عليهم.
كما تقدم المؤسسة مشروعها باعتباره إعادة تأهيل للخطاب الإسلامي المعاصر، وتطرح عبارات عن التجديد والمناهج المعرفية، بينما يطالب معارضو الاتفاق بتحويل هذه العناوين العامة إلى التزامات معلنة يمكن مناقشتها ومحاسبة المسؤولين عنها.
وفي هذا السياق، تساءل الكاتب الصحفي سليم عزوز عن بنود الاتفاقية ومعنى التأهيل والتطوير، وهل توجد رؤية مكتوبة، أم دورات يقدمها الجفري وفريقه، وأين ستنعقد بين مصر ومقر المؤسسة بالإمارات.
كذلك تثير عضوية أسامة الأزهري في الهيئات المشرفة على «طابة»، كما يورد النص، شبهة تضارب مصالح تستدعي التوضيح، إذ يجمع بين موقعه الوزاري وصلته بالمؤسسة المستفيدة من بروتوكول التعاون الجديد.
وإلى جانبه، يرد اسم مفتي الديار المصرية الأسبق علي جمعة ضمن الهيئة الاستشارية للمؤسسة، وعبد الله بن بيه، متولي قيادة مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، ضمن مجلسها الاستشاري الأعلى، بما يوسع أسئلة المرجعية والتأثير.
أما الحبيب علي الجفري، الداعية اليمني الذي أسس «طابة» عام 2005، فتستحضر الاعتراضات إبعاده عن مصر في عهد حبيب العادلي عام 2002، ثم عودته عام 2009 وحصوله على دعم علي جمعة.
وبالتوازي، يثير اعتماد المؤسسة على التبرعات والدعم العيني، مع غياب تفاصيل مصادرها في المادة المعروضة، سؤالًا مباشرًا حول استقلال المناهج والجهات الممولة، خصوصًا حين يتعلق التعاون بتكوين دعاة يخاطبون المجتمع المصري.
وفي خلفية الجدل، يحذر معارضون من توظيف التعاون لخدمة توجهات أبوظبي المرتبطة بالتطبيع مع إسرائيل وما يسمونه مشروع «الدين الإبراهيمي»، وهي مخاوف تستلزم مساءلة واضحة، ولا تثبت وحدها مضمون البرامج المنتظرة.
الأزهر محاصر بين العسكر والإمارات
وعلى الجانب الآخر، تمتلك مصر أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ وباحثي الفتوى، التي افتتحها أحمد الطيب عام 2019، بقاعات تدريب ومعامل لغات ومكتبات رقمية وتجهيزات لاستضافة المتدربين القادمين من الخارج.
وفي توقيت الاتفاق نفسه، كانت الأكاديمية تنظم دورة إعداد الداعية المعاصر لتسعة وفود من الجزائر والسنغال ونيجيريا وأنجولا والهند والصومال وبنغلاديش وميانمار والمالديف، خلال الفترة من 6 سبتمبر إلى 29 أكتوبر.
كما سبقتها دورة بين مايو ويوليو لأئمة من الجزائر وبنغلاديش وتوغو وغانا ونيجيريا والهند ومدغشقر، بما يجعل سؤال الاستعانة بمؤسسة خارجية أكثر إلحاحًا أمام استمرار الدور التدريبي الدولي للأزهر ومؤسساته المتخصصة.
ووفق الأرقام الواردة، تستقبل الأكاديمية متدربين من 100 دولة، ودربت أربعة آلاف إمام وواعظ خلال 2021، بينما أعلن مجمع البحوث الإسلامية عام 2022 وجود نحو 820 مبعوثًا أزهريًا في 60 دولة.
ومن هنا، يستند معارضو الاتفاق إلى المادة السابعة من الدستور، التي تحدد مرجعية الأزهر في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، معتبرين أن تجاوزه يهمش اختصاصه، بينما يظل الجزم بالمخالفة الدستورية بحاجة إلى فحص الاتفاق.
كذلك يرتبط الجدل بمسار بدأ مع دعوة عبد الفتاح السيسي لتجديد الخطاب الديني في 2 يناير 2015، ثم سجالاته العلنية مع أحمد الطيب خلال نوفمبر 2018 ويناير 2020 حول هذا الملف.
ولاحقًا، امتد التدخل إلى اشتراط تدريب الأئمة الجدد ستة أشهر بالأكاديمية العسكرية، ثم توجيه في نوفمبر 2025 بتدريب حاملي الماجستير والدكتوراه عامين، وفق التسلسل الذي تعرضه المادة المرفقة عن سياسات تأهيل الدعاة.
ثم جاء تشكيل مجلس علمي بقيادة أسامة الأزهري في ديسمبر 2025 دون مشاركة الأزهر، ليضيف حلقة جديدة إلى مخاوف إخضاع المجال الديني لقرارات السلطة، بدل تمكين مؤسساته العلمية من إدارة تطويره باستقلال.
وفي تفسيره للمسار، اعتبر السياسي والبرلماني السابق محيي عيسى أن بروتوكول «طابة» ليس مفاجأة، وإنما نتيجة سنوات من تقليص سلطات الأزهر، وربط ذلك بتعيين أسامة الأزهري وزيرًا للأوقاف في يوليو 2024.
كما انتقد محيي عيسى توجهات الأزهري وعلي جمعة والجفري، وقارن حضور الأخير بمحاولات تقمص صورة الشيخ محمد متولي الشعراوي، داعيًا إلى تحرك أزهري واستجواب برلماني يفرضان نشر الاتفاق وتوضيح أساس إسناد التدريب.
اعتراضات مسماة وأسئلة بلا إجابات
وفي موجة الاعتراضات، رفض عمار مطاوع إسناد التأهيل إلى «طابة»، وربطه بمؤتمر الشيشان المعنون «من هم أهل السنة والجماعة»، معتبرًا أن المسار يضيق التنوع الديني ويقدم نموذجًا متوافقًا مع رغبات الحكومات.
مؤسسة طابة الإماراتية اللي بيرأسها الحبيب على الجفري (شيخ يمني بيروّج للخرافة والحديث مع الأموات وقال إن النبي طلع سلم عليه من قبره ورجع تاني)، أوكل إليها الأزهر النهاردة (في اتفاقية رسمية) مهمة تأهيل وتدريب دعاة الأزهر الشريف.. ْ مؤسسة طابة هي نفسها اللي سبق ونظمت مؤتمر الشيشان المشبوه اللي عملته الإمارات للترويج لنسختها من الدين الإسلامي بعنوان "من هم أهل السنة والجماعة"، واللي -للصدفة البحتة- استبعد من تعريفه لـ"جماعة المسلمين" أي مسلم عند رأي سياسي معارض للدولة أو النظام.. وحصر الإسلام في نسخة المسلم المعرص للحكومات، ونموذجه المثالي هو العارف بالله سيدي أحمد موسى حفظه الله. ْ يعني والله كفاية تقزيم وتصغير في مصر كده.. الإمارات إيه اللي هتدرب علماء الأزهر؟ والمخبول اليمني اللي عايش في أجواء الزار والمقامات والأموات اللي بيكلموه هيعلم أئمة الأزهر إيه؟ ْ يا عم سيب حاجة واحدة في البلد محترمة بقى.. سيب حاجة واحدة ساندة نفسها وشادة حليها نشاور عليها بأي شوية كرامة.. ما إنت مجامل الإمارات بأغلب شواطيء مصر ونص مشاريع الحكومة ومحدش قال حاجة.. بتجامل الإمارات بالأزهر الشريف.. يا عم امسك العقل شوية بقى!
— Ammar Metawa | عمار مطاوع (@AmmarMetawa) October 4, 2026
كذلك أورد مطاوع اسم أحمد موسى في سياق ساخر من هذا النموذج، وانتقد آراء منسوبة للجفري عن التواصل مع الأموات والنبي محمد، وهي مسائل وردت باعتبارها اعتراضات صاحب المنشور وموقفه من الداعية.
ومن جهته، تساءل الدكتور يحيى غنيم، صاحب حساب «YahyaGhoniem»، عن مؤهلات المدربين وجنسياتهم والمقررات والتكاليف، مستنكرًا تتابع التأهيل الأزهري والعسكري ثم الإماراتي، واستحضر عبارة «ففهمناها سليمان» ضمن سخريته من خطاب السلطة.
لو أن أحدا من الإخوان اتهم خطباء وعلماء وزارة الأوقاف المصرية بأنهم غير مؤهلين لممارسة الدعوة إلى الله لأقام حرافيش النظام الدنيا وماأقعدوها، ولو أن أحدا اتهم الخطاب الدينى لهم بالتخلف والسطحية وعدم مواكبة العصر لانتفخت أوداجهم وعلا نقيقهم، فما بال الوزير(أسامة الأزهرى) ذات نفسه يوقع بروتوكول تعاون بين الوزارة ومؤسسة طابة(وليست طيبة) التى يترأسها الحبيب الجفرى ومقرها الإمارات بغرض تعزيز تأهيل خطباء الأوقاف وتطوير خطابهم الدينى؟! *فهلا لايكفى التأهيل الأزهرى لهم؟! *وهلا لايكفى تأهيل الأكاديمية العسكرية لهم؟! *وهلا لاتكفى محاضرات الزعيم الملهم(ففهمناها سليمان)لهم؟! *وماذا عند الحبيب الجفرى من العلوم اللدنية المفتقدة عند الوزير الأزهرى وسائر علماء الأزهر ووزارة الأوقاف؟! *وماهى المؤهلات العلمية لمن سيقومون بالتدريس ورفع الكفاءة والتطوير لعلماءنا؟! *ومن هؤلاء الذين سيؤدون هذا العمل لبرمجة العقول وتطوير الأفكار، وماهى جنسياتهم؟! *وبالتأكيد ماهى المناهج والمقررات والأفكار التى ستطرح وتناقش فى هذه الدورات؟! *وهل هذا التعاون مجانا أم مدفوع الأجر؟وإذا كان مدفوع الأجر فمن يتكفل بالدفع؟! الحقيقة التى يعلمها الجميع أن: الحبيب الجفرى وثيق الصلة بالكيان الصهيونى، ويعلن بغير خجل أنه محب لليهود، وقام أكثر من مرة بزيارة الكيان الصهيوني، وله من الأفكار المنحرفة ماتفوق أشد الصوفية المُحرِّفة والمُخرِّفة، ولاأظن أن هذا البروتوكول بريئ من هذا التوجه الذى يحمل كبره الزعيم شخصيا، وماأسامة الأزهرى إلا بيدق فى حقل الزعيم!!! لك الله يامصر.
— Dr.Yahya Ghoniem (@YahyaGhoniem) October 3, 2026
وبدوره، هاجم الدكتور محمد الصغير الاتفاق، وذكر الوزير باسم «أسامة سيد»، معتبرًا أنه يدفع الوزارة نحو توجه صوفي محدد، ومتسائلًا عن الإضافة العلمية التي سيقدمها الجفري للدعاة المصريين ومؤسسات تأهيلهم.
أسامة سيد يحول الوزارة إلى "طريقة" : وقع وزير الأوقاف بروتوكول تعاون مع الداعية علي الجفري لتطوير الخطاب الديني في مصر #الأزهر ! نحن في مرحلة تقزيم #مصر على كل الأصعدة، فما الذي سيقدمه الجفري القبوري للدعوة في مصر؟ وهو لا يستطيع اجتياز قبول الدراسات العليا في كلية أصول الدين، وقد وفد إلى مصر مغمورا مطمورا قبل سنوات، وخرج منها مذموما مطرودا بعد تحذير الجهات المسؤولة من غلوه الصوفي وتطرفه السياسي. في زمن الأقزام أصبح التطوير في طول المسبحة والعمامة. #مصر_التي...
— د. محمد الصغير (@drassagheer) October 2, 2026
كما طرح حساب «aserasorat2026»، بمعرّف «aserasorat»، أسئلة عن مقر المؤسسة وتمويلها وأهدافها، بينما تساءل حساب «Hnowier»، بمعرّف «Hnowier1»، عن حاجة المؤسسات الدينية المصرية لهذا التعاون وعن توجهات الجهة التي ستتولى التدريب.
وفي البعد السياسي، تستعيد المادة مواقف عبد الهادي القصبي والمجلس الأعلى للطرق الصوفية المؤيدة للسيسي، والحديث عن تأييد 15 مليون صوفي، بما يفتح نقاشًا حول استخدام الانتماءات الدينية لتعبئة الدعم للسلطة.
ومع ذلك، لا يصح اختزال التصوف كله في هذه المواقف؛ فالمادة تتحدث عن نحو ستة آلاف ضريح و77 طريقة، منها 67 مسجلة بالمجلس الأعلى، وعن ارتباط وجداني لدى مصريين بآل بيت النبي محمد.
ومن بين الطرق المذكورة الرفاعية والبدوية والدسوقية والشاذلية والقنائية والقادرية والخلوتية والعزمية، بينما يستحضر معارضون تقريري مؤسسة «راند» الأمريكية لعامي 2005 و2007 في تفسيرهم السياسي لدعم بعض الاتجاهات الدينية وتقديمها على غيرها.
وبالتزامن، أضافت تقارير عن وثائق منسوبة لخطة إماراتية تستهدف منظمات وشخصيات مسلمة بالولايات المتحدة، إلى جانب جماعة الإخوان المسلمين، مزيدًا من الريبة لدى المعترضين، دون أن تشكل بذاتها دليلًا على محتوى الاتفاق.
وفي النهاية، تضع هذه الاعتراضات أسامة الأزهري أمام مسؤولية إعلان البنود والتمويل والمناهج وأسماء المدربين، وتفسير اختيار «طابة»؛ فتطوير الدعوة لا يمنح السلطة تفويضًا لتهميش الأزهر أو تحويل المنابر إلى أدوات ولاء سياسي.

