تحل في 14 أغسطس 2026 الذكرى الثالثة عشرة لفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، اللذين أقامهما معارضو الانقلاب العسكري عام 2013، فيما لا تزال صور القتل والدماء والمصابين عالقة في ذاكرة الناجين وذوي الضحايا. ورغم مرور أكثر من عقد، لم تخفت أصداء ذلك اليوم الذي وصفته منظمة «هيومن رايتس ووتش» بأنه شهد واحدة من أكبر عمليات قتل المتظاهرين في يوم واحد في التاريخ الحديث، وسط استمرار المطالب بإجراء تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين عن المذبحة.
تحل في 14 أغسطس 2026 الذكرى الثالثة عشرة لفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، اللذين أقامهما معارضو الانقلاب العسكري عام 2013، فيما لا تزال صور القتل والدماء والمصابين عالقة في ذاكرة الناجين وذوي الضحايا. ورغم مرور أكثر من عقد، لم تخفت أصداء ذلك اليوم الذي وصفته منظمة «هيومن رايتس ووتش» بأنه شهد واحدة من أكبر عمليات قتل المتظاهرين في يوم واحد في التاريخ الحديث، وسط استمرار المطالب بإجراء تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين عن المذبحة.
وتأتي الذكرى هذا العام وسط استدعاء مكثف لشهادات الناجين والمقاطع المصورة والتقارير الحقوقية التي وثقت عملية الفض، بالتزامن مع عرض الفيلم الوثائقي «ذكريات مذبحة»، الذي أعاد القضية إلى صدارة النقاش العام. وبين إفلات المسؤولين من العقاب ومحاولات طمس الجريمة، يتمسك الضحايا وذووهم بحقهم في الذاكرة والحقيقة والإنصاف، مؤكدين أن مرور الزمن لا يسقط الجرائم ولا يمحو الحقوق.
يوم من القتل ظل حاضرًا في ذاكرة الناجين
بدأت قوات الأمن، صباح 14 أغسطس/آب 2013، عملية فض اعتصامي رابعة العدوية شرقي القاهرة والنهضة بالجيزة، بعد أسابيع من الاحتجاجات الرافضة للانقلاب العسكري الذي وقع في الثالث من يوليو/تموز من العام نفسه. وتحولت ساحة رابعة ومحيطها خلال ساعات إلى مسرح للرصاص والحرائق والدماء، في ظل سقوط أعداد كبيرة من القتلى والمصابين.
ووثقت منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام صورًا ومقاطع مصورة أظهرت لحظات إطلاق النار ومحاولات إسعاف المصابين، فضلًا عن اشتعال النيران في خيام ومرافق داخل ميدان رابعة. كما استندت المنظمات الحقوقية الدولية في تقاريرها إلى شهادات ناجين وأطباء ومسعفين وصحفيين كانوا موجودين أثناء الفض.
وبالنسبة إلى الناجين، لم يتحول يوم الفض إلى مجرد واقعة مضت، بل ظل حاضرًا بتفاصيله القاسية. فقد استعاد الصحفي المصري المعارض قطب العربي، عضو حركة «صحفيون ضد الانقلاب»، في مقال سابق، لحظة نجاته من رصاصة مرت فوق ظهره بسنتيمترات قليلة قبل أن تستقر في جسد طبيب كان إلى جواره يعالج المصابين.
وأكد العربي أن هذا المشهد ظل ملازمًا لذاكرته، إلى جانب مشاهد أخرى للقتل والإصابات والفوضى التي عمت المكان. ووصف مستوى العنف الذي استخدمته قوات الأمن ضد المعتصمين بأنه تجاوز كل التوقعات، معتبرًا أن الاستهداف لم يستثنِ الأطباء أو النساء أو الأطفال أو الأشخاص الذين حاولوا إنقاذ المصابين.
ولا تقتصر آثار المذبحة على من كانوا داخل الميدان، فقد امتدت إلى أسر القتلى والمصابين والمعتقلين، الذين عاشوا سنوات من الألم والملاحقة والحرمان من العدالة. ولا تزال عائلات كثيرة تحمل صور أبنائها وتستعيد تفاصيل الساعات الأخيرة من حياتهم، بينما ينتظر آخرون كشف الحقيقة كاملة وتحديد المسؤوليات عن القرارات التي اتُخذت قبل الفض وأثناءه.
إفلات من العقاب ومحاولات لمحو آثار الجريمة
مثّل الإفلات من العقاب السمة الأبرز خلال السنوات الثلاث عشرة الماضية، إذ لم يخضع المسؤولون عن قرار الفض والتخطيط له وتنفيذه لمحاسبة مستقلة تتناسب مع حجم ما وقع. وفي المقابل، واجه عدد من المشاركين في الاعتصامين وذوي الضحايا المحاكمات والسجن والملاحقات الأمنية.
وترافق غياب المحاسبة مع محاولات متعددة لتغيير الرواية العامة بشأن المذبحة، عبر تحميل المعتصمين المسؤولية وتقديم تفسيرات متناقضة لاستخدام القوة المفرطة. كما تغير اسم ميدان رابعة العدوية، فيما تعرضت الرموز المرتبطة بالاعتصام للحظر والملاحقة، في محاولة لإبعاد الواقعة عن المجال العام وإضعاف حضورها في الذاكرة الجماعية.
ودُفع كثير من الناجين والحقوقيين والصحفيين إلى مغادرة مصر، بينما التزم آخرون الصمت خوفًا من الاعتقال أو الملاحقة. كما تعرضت المنظمات الحقوقية المستقلة لضغوط واسعة، ما حدّ من قدرتها على مواصلة التوثيق والعمل داخل البلاد.
ومع ذلك، لم تنجح إجراءات الحجب والتعتيم في إنهاء حضور القضية. فقد ظلت الصور والتسجيلات وشهادات الناجين محفوظة ومتداولة، وتحولت ذكرى رابعة إلى مناسبة سنوية لاستعادة أسماء الضحايا وتجديد المطالبة بالعدالة. وكلما مرت سنة جديدة، ظهرت شهادات وتفاصيل وأعمال توثيقية تعيد فتح الملف الذي أُريد له أن يُغلق.
ويرى حقوقيون أن التعامل مع المذبحة بوصفها واقعة يمكن محوها بتغيير أسماء الشوارع أو منع إحياء ذكراها يتجاهل أن الذاكرة لا تقوم على المكان وحده، وإنما على تجارب آلاف الأشخاص الذين شهدوا الأحداث أو فقدوا أقاربهم خلالها. ولذلك بقيت رابعة حاضرة باعتبارها جرحًا سياسيًا وإنسانيًا مفتوحًا، ورمزًا لغياب المحاسبة بعد أحداث الثالث من يوليو.
«ذكريات مذبحة» يعيد رابعة إلى واجهة النقاش
تكتسب الذكرى الثالثة عشرة زخمًا إعلاميًا وشعبيًا متجددًا مع عرض الفيلم الوثائقي «ذكريات مذبحة»، الذي أثار نقاشًا واسعًا بسبب تناوله شهادات وتجارب مرتبطة بفض الاعتصام. ويمثل الفيلم محطة جديدة في مسار الأعمال الوثائقية التي تسعى إلى حفظ ذاكرة المذبحة وتقديمها إلى الأجيال التي لم تعايش أحداثها.
وأعاد العمل الوثائقي الأضواء إلى جريمة الفض بعد سنوات من التعتيم، كما فتح المجال مجددًا أمام الناجين وذوي الضحايا للحديث عن تجاربهم، بعيدًا عن الرواية الرسمية التي هيمنت على وسائل الإعلام المحلية. وتبرز أهمية هذه الأعمال في قدرتها على جمع الشهادات والصور والوثائق داخل سردية متماسكة تحفظ الوقائع من الضياع أو التحريف.
ولا يطالب الناجون وذوو الضحايا بإبقاء المجتمع أسيرًا للماضي، لكنهم يرفضون في الوقت نفسه بناء المستقبل على إنكار الجرائم. فقد دعا قطب العربي إلى البحث عن مسارات تنقذ الوطن وتوقف نزيف الدم وتعيد اللحمة إلى المجتمع والمسار الديمقراطي، بما يمهد لتطبيق عدالة انتقالية تمنح الضحايا حقوقهم وتفتح صفحة جديدة قائمة على الحقيقة والمحاسبة.
وبعد 13 عامًا، تبدو محاولات طي صفحة رابعة بالقوة وقد حققت نتيجة عكسية؛ فالمذبحة ما زالت حاضرة في الصور والشهادات والذاكرة العائلية والأعمال الحقوقية والوثائقية. ورغم تبدل السنوات، لا تزال الأسئلة الأساسية بلا إجابة: من أصدر قرار الفض؟ ومن خطط لاستخدام هذه القوة؟ ومتى يحصل الضحايا على العدالة؟
وتبقى ذكرى رابعة والنهضة شهادة على أن الجرائم الكبرى لا يمحوها تغيير أسماء الميادين، ولا تسقطها سنوات الصمت. فالعدالة الغائبة تجعل الماضي حاضرًا، وذاكرة الضحايا تواصل مقاومة النسيان حتى كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وإنصاف من فقدوا حياتهم أو حريتهم في ذلك اليوم.
وتأتي الذكرى هذا العام وسط استدعاء مكثف لشهادات الناجين والمقاطع المصورة والتقارير الحقوقية التي وثقت عملية الفض، بالتزامن مع عرض الفيلم الوثائقي «ذكريات مذبحة»، الذي أعاد القضية إلى صدارة النقاش العام. وبين إفلات المسؤولين من العقاب ومحاولات طمس الجريمة، يتمسك الضحايا وذووهم بحقهم في الذاكرة والحقيقة والإنصاف، مؤكدين أن مرور الزمن لا يسقط الجرائم ولا يمحو الحقوق.
https://www.youtube.com/watch?v=EJ2y1meVy6U&t=1s
يوم من القتل ظل حاضرًا في ذاكرة الناجين
بدأت قوات الأمن، صباح 14 أغسطس/آب 2013، عملية فض اعتصامي رابعة العدوية شرقي القاهرة والنهضة بالجيزة، بعد أسابيع من الاحتجاجات الرافضة للانقلاب العسكري الذي وقع في الثالث من يوليو/تموز من العام نفسه. وتحولت ساحة رابعة ومحيطها خلال ساعات إلى مسرح للرصاص والحرائق والدماء، في ظل سقوط أعداد كبيرة من القتلى والمصابين.
ووثقت منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام صورًا ومقاطع مصورة أظهرت لحظات إطلاق النار ومحاولات إسعاف المصابين، فضلًا عن اشتعال النيران في خيام ومرافق داخل ميدان رابعة. كما استندت المنظمات الحقوقية الدولية في تقاريرها إلى شهادات ناجين وأطباء ومسعفين وصحفيين كانوا موجودين أثناء الفض.
https://www.facebook.com/watch/?v=617483843702479
وبالنسبة إلى الناجين، لم يتحول يوم الفض إلى مجرد واقعة مضت، بل ظل حاضرًا بتفاصيله القاسية. فقد استعاد الصحفي المصري المعارض قطب العربي، عضو حركة «صحفيون ضد الانقلاب»، في مقال سابق، لحظة نجاته من رصاصة مرت فوق ظهره بسنتيمترات قليلة قبل أن تستقر في جسد طبيب كان إلى جواره يعالج المصابين.
وأكد العربي أن هذا المشهد ظل ملازمًا لذاكرته، إلى جانب مشاهد أخرى للقتل والإصابات والفوضى التي عمت المكان. ووصف مستوى العنف الذي استخدمته قوات الأمن ضد المعتصمين بأنه تجاوز كل التوقعات، معتبرًا أن الاستهداف لم يستثنِ الأطباء أو النساء أو الأطفال أو الأشخاص الذين حاولوا إنقاذ المصابين.
ولا تقتصر آثار المذبحة على من كانوا داخل الميدان، فقد امتدت إلى أسر القتلى والمصابين والمعتقلين، الذين عاشوا سنوات من الألم والملاحقة والحرمان من العدالة. ولا تزال عائلات كثيرة تحمل صور أبنائها وتستعيد تفاصيل الساعات الأخيرة من حياتهم، بينما ينتظر آخرون كشف الحقيقة كاملة وتحديد المسؤوليات عن القرارات التي اتُخذت قبل الفض وأثناءه.
إفلات من العقاب ومحاولات لمحو آثار الجريمة
مثّل الإفلات من العقاب السمة الأبرز خلال السنوات الثلاث عشرة الماضية، إذ لم يخضع المسؤولون عن قرار الفض والتخطيط له وتنفيذه لمحاسبة مستقلة تتناسب مع حجم ما وقع. وفي المقابل، واجه عدد من المشاركين في الاعتصامين وذوي الضحايا المحاكمات والسجن والملاحقات الأمنية.
وترافق غياب المحاسبة مع محاولات متعددة لتغيير الرواية العامة بشأن المذبحة، عبر تحميل المعتصمين المسؤولية وتقديم تفسيرات متناقضة لاستخدام القوة المفرطة. كما تغير اسم ميدان رابعة العدوية، فيما تعرضت الرموز المرتبطة بالاعتصام للحظر والملاحقة، في محاولة لإبعاد الواقعة عن المجال العام وإضعاف حضورها في الذاكرة الجماعية.
ودُفع كثير من الناجين والحقوقيين والصحفيين إلى مغادرة مصر، بينما التزم آخرون الصمت خوفًا من الاعتقال أو الملاحقة. كما تعرضت المنظمات الحقوقية المستقلة لضغوط واسعة، ما حدّ من قدرتها على مواصلة التوثيق والعمل داخل البلاد.
ومع ذلك، لم تنجح إجراءات الحجب والتعتيم في إنهاء حضور القضية. فقد ظلت الصور والتسجيلات وشهادات الناجين محفوظة ومتداولة، وتحولت ذكرى رابعة إلى مناسبة سنوية لاستعادة أسماء الضحايا وتجديد المطالبة بالعدالة. وكلما مرت سنة جديدة، ظهرت شهادات وتفاصيل وأعمال توثيقية تعيد فتح الملف الذي أُريد له أن يُغلق.
ويرى حقوقيون أن التعامل مع المذبحة بوصفها واقعة يمكن محوها بتغيير أسماء الشوارع أو منع إحياء ذكراها يتجاهل أن الذاكرة لا تقوم على المكان وحده، وإنما على تجارب آلاف الأشخاص الذين شهدوا الأحداث أو فقدوا أقاربهم خلالها. ولذلك بقيت رابعة حاضرة باعتبارها جرحًا سياسيًا وإنسانيًا مفتوحًا، ورمزًا لغياب المحاسبة بعد أحداث الثالث من يوليو.
«ذكريات مذبحة» يعيد رابعة إلى واجهة النقاش
تكتسب الذكرى الثالثة عشرة زخمًا إعلاميًا وشعبيًا متجددًا مع عرض الفيلم الوثائقي «ذكريات مذبحة»، الذي أثار نقاشًا واسعًا بسبب تناوله شهادات وتجارب مرتبطة بفض الاعتصام. ويمثل الفيلم محطة جديدة في مسار الأعمال الوثائقية التي تسعى إلى حفظ ذاكرة المذبحة وتقديمها إلى الأجيال التي لم تعايش أحداثها.
وأعاد العمل الوثائقي الأضواء إلى جريمة الفض بعد سنوات من التعتيم، كما فتح المجال مجددًا أمام الناجين وذوي الضحايا للحديث عن تجاربهم، بعيدًا عن الرواية الرسمية التي هيمنت على وسائل الإعلام المحلية. وتبرز أهمية هذه الأعمال في قدرتها على جمع الشهادات والصور والوثائق داخل سردية متماسكة تحفظ الوقائع من الضياع أو التحريف.
ولا يطالب الناجون وذوو الضحايا بإبقاء المجتمع أسيرًا للماضي، لكنهم يرفضون في الوقت نفسه بناء المستقبل على إنكار الجرائم. فقد دعا قطب العربي إلى البحث عن مسارات تنقذ الوطن وتوقف نزيف الدم وتعيد اللحمة إلى المجتمع والمسار الديمقراطي، بما يمهد لتطبيق عدالة انتقالية تمنح الضحايا حقوقهم وتفتح صفحة جديدة قائمة على الحقيقة والمحاسبة.
وبعد 13 عامًا، تبدو محاولات طي صفحة رابعة بالقوة وقد حققت نتيجة عكسية؛ فالمذبحة ما زالت حاضرة في الصور والشهادات والذاكرة العائلية والأعمال الحقوقية والوثائقية. ورغم تبدل السنوات، لا تزال الأسئلة الأساسية بلا إجابة: من أصدر قرار الفض؟ ومن خطط لاستخدام هذه القوة؟ ومتى يحصل الضحايا على العدالة؟.
وتبقى ذكرى رابعة والنهضة شهادة على أن الجرائم الكبرى لا يمحوها تغيير أسماء الميادين، ولا تسقطها سنوات الصمت. فالعدالة الغائبة تجعل الماضي حاضرًا، وذاكرة الضحايا تواصل مقاومة النسيان حتى كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وإنصاف من فقدوا حياتهم أو حريتهم في ذلك اليوم.

