حذرت نقابة الأطباء من قبول طلاب بمجموع يبدأ من 50 في المئة في كليتي طب تابعتين لجامعة دولية داخل مصر، وطالبت الحكومة بوقف القبول، مؤكدة أن استمرار الإجراء يهدد جودة التعليم وسلامة المرضى.

 

ويكشف السماح بهذا المسار كيف تُفتح أبواب المهن المرتبطة بحياة الناس أمام القادرين على الدفع، بينما يُقصى آلاف المتفوقين، في مشهد يختصر سلطة تجعل المال بديلا للكفاءة وتحول العدالة التعليمية إلى امتياز طبقي.

 

وبحسب النقابة، تحققت من قواعد القبول خلال الأيام الماضية، فوجدت أن الحد الأدنى يبدأ من 50 في المئة، بفارق هائل عن الحدود المطبقة في الكليات الحكومية والخاصة والأهلية العاملة تحت القواعد المصرية.

 

في المقابل، يضع هذا التفاوت أسرتين أمام معيارين متناقضين داخل البلد نفسه، الأولى مطالبة بتفوق يتجاوز 90 في المئة، والثانية تستطيع شراء طريق أقصر إلى المهنة، بما يهدم تكافؤ الفرص من أساسه.

 

وفوق ذلك، لا تتعلق الأزمة بدرجة مدرسية مجردة، بل بمسار طويل ينتهي بطبيب يفحص المرضى ويصف العلاج ويتخذ قرارات مصيرية، ولذلك يصبح التساهل في بوابة القبول مخاطرة عامة لا شأنا جامعيا محدودا.

 

ومن جهة أخرى، خاطبت النقابة رئيس مجلس الوزراء ووزير التعليم العالي، مطالبة بإلزام الكليتين بالحد الأدنى المقرر للكليات الخاصة، والتحقق من وجود مستشفى جامعي تعليمي يتيح تدريبا إكلينيكيا حقيقيا قبل استقبال دفعات جديدة.

 

 

معيار واحد للجميع

 

وأكد أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء، في مواقف معلنة، أن التوسع في أعداد طلاب الطب يجب أن يرتبط بقدرة المستشفيات على التدريب، محذرا من تخريج أعداد تفوق الأماكن والمدربين المتاحين داخل المنظومة الصحية.

 

وانطلاقا من ذلك، تبدو قاعدة 50 في المئة جزءا من خلل أوسع، إذ تتزايد المقاعد والبرامج بمعدلات أسرع من البنية التدريبية، بينما تُترك جودة الخريج رهينة حسابات المصروفات والانتشار المؤسسي والعائد المالي.

 

وبالتالي، فإن صفة الجامعة الدولية لا تمنحها حصانة من القوانين المصرية، لأن موقع الدراسة ومجال الممارسة والمرضى المحتملين جميعهم داخل مصر، ومن غير المقبول استيراد شروط أخف مع تجاهل الالتزامات المحلية الأشد.

 

كما أن الاستناد إلى قواعد دولة أجنبية لا يجيب عن السؤال الجوهري حول مسؤولية الحكومة المصرية، فهي الجهة التي تسمح بالتشغيل وتعترف بالشهادات وتنظم المهنة، وعليها حماية المجتمع لا تبرير الاستثناءات التجارية.

 

لذلك، أعلنت النقابة أنها لن تقيد خريجي هذه الكليات في جداولها ولن تمنحهم تراخيص مزاولة المهنة، مستندة إلى قرارات جمعيتها العمومية التي تقيد الفارق المقبول عن الحد الحكومي بنسبة محدودة لا تقارب الهوة الحالية.

 

ومن ثم، ينذر استمرار القبول بصدام قانوني وإنساني يدفع ثمنه الطلاب وأسرهم بعد سنوات من الدراسة والإنفاق، إذ قد يكتشفون أن الشهادة التي دفعوا مقابلها لا تفتح باب العمل داخل مصر.

 

غير أن حماية الطلاب تبدأ قبل تحصيل المصروفات، عبر إعلان واضح وملزم عن وضع الكليتين وشروط القيد المهني، لا بترك الأسر أمام دعاية قبول جذابة ثم تحميلها لاحقا نتائج تقاعس الجهات الرقابية.

 

 

المستشفى أساس التعليم

 

وأوضح حسين خيري، نقيب الأطباء السابق وعميد طب قصر العيني الأسبق، أن الأقسام الإكلينيكية تعمل داخل المستشفيات الجامعية، وأن فصل الكلية عن مستشفاها يضرب التعليم والتدريب والبحث والعلاج في آن واحد.

 

وعلاوة على ذلك، لا يستطيع الطالب اكتساب مهارات الفحص والتشخيص والتواصل من المحاضرات وحدها، فالتعليم الطبي يعتمد على احتكاك منظم بالمرضى تحت إشراف أساتذة مؤهلين، وفي بيئة تلتزم السلامة والأخلاق المهنية.

 

وبناء على ذلك، طالبت النقابة بعدم قبول طلاب في أي كلية جديدة لا تمتلك مستشفى جامعيا مستوفيا، لأن استخدام منشآت بديلة بصورة متقطعة لا يضمن تنوع الحالات ولا استمرارية الإشراف ولا عدالة فرص التدريب.

 

في الوقت نفسه، يفاقم نقص أعضاء هيئة التدريس وأماكن الامتياز آثار الزيادة غير المدروسة، إذ يتنافس عدد أكبر من الطلاب على الحالة السريرية نفسها، فتتحول سنوات الدراسة إلى مشاهدة محدودة بدلا من ممارسة تعليمية آمنة.

 

وعندئذ، لا يكون المتضرر طالبا حصل على تدريب أضعف فحسب، بل مريضا قد يواجه لاحقا طبيبا لم تتح له فرص كافية لتثبيت المهارات، فيما تتحمل المستشفيات العامة نتائج قرارات اتخذتها جهات تعليمية وربحية.

 

لهذا، يصبح تقييم المستشفى وعدد الأسرة وتنوع التخصصات ونسبة المدرسين إلى الطلاب شرطا سابقا للقبول، لا ورقة تستكمل بعد بدء الدراسة، لأن التدريب الإكلينيكي لا يمكن تعويضه بإعلانات حديثة أو مبان لامعة.

 

أما الحكومة، فلم يعد مقبولا أن تراقب التوسع من بعيد ثم تتحرك بعد احتجاج النقابة، فوزارة التعليم العالي تملك أدوات الترخيص والمتابعة، ومسؤوليتها المباشرة تفرض نشر نتائج التفتيش قبل منح أي كلية حق استقبال الطلاب.

 

 

سوق يشتري الاستثناء

 

وكان أحمد زهران، عضو مجلس نقابة الأطباء، قد طالب بخفض أعداد المقبولين في كليات الطب وربطها بالطاقة التدريبية، وهو موقف يعكس قلقا مهنيا متراكما من تضخم الدفعات على حساب التأهيل الفعلي.

 

وبالمثل، فإن فتح مسار يبدأ من 50 في المئة لا يعالج نقص الأطباء، لأن الأزمة المصرية ترتبط بهجرة الكفاءات وضعف الأجور وبيئات العمل القاسية، لا بغياب راغبين جدد يمكن جذبهم بمقاعد مرتفعة المصروفات.

 

إضافة إلى ذلك، تستخدم السلطة خطاب سد العجز لتبرير زيادة القبول، بينما تتجاهل أسباب خروج الأطباء من القطاع العام والبلاد، فتنتج مزيدا من الخريجين من دون إصلاح المستشفيات أو الأجور أو الحماية المهنية.

 

ورغم ذلك، يمكن للحكومة إنهاء الأزمة فورا بوقف القبول مؤقتا، ونشر الأساس القانوني للبرنامجين، وإعلان تقارير اعتماد المستشفيات والتدريب، ثم إخضاع جميع الكليات للحد الأدنى نفسه من دون أبواب خلفية.

 

وعلى صعيد العدالة، ينبغي رد المصروفات كاملة لأي طالب جرى تضليله بشأن الاعتراف المهني، مع محاسبة الجهة التي سوقت برنامجا غير مستوف، لأن الأسرة لا يجوز أن تدفع ثمن تضارب المؤسسات الرسمية.

 

إلى جانب ذلك، يتعين نشر أسماء الكليات والجامعة المعنية بدلا من الاكتفاء بالإشارات المبهمة، فحجب الهوية يحمي المؤسسة لا الطلاب، ويمنع الأسر من اتخاذ قرار واع قبل دفع أموال أو بدء دراسة مجهولة المصير.

 

وفي المحصلة، لا يمكن حماية سمعة الطب المصري بالشعارات، بل بتطبيق معيار موحد وشفاف على الجميع، وضمان تدريب إكلينيكي حقيقي، ومنع تحويل لقب الطبيب إلى سلعة يحصل عليها من يملك المال ولو غابت شروط الكفاءة.

 

وأخيرا، تضع الأزمة الحكومة أمام اختبار لا يحتمل المساومة بين نفوذ الاستثمار وحق المرضى في طبيب مؤهل، وأي صمت بعد تحذير النقابة سيعني قبول منظومة تبيع الاستثناء اليوم وتحمّل المجتمع مخاطره غدا.