تتصاعد المخاوف في السودان من انتشار أمراض خطيرة ومميتة، من بينها السرطان وأمراض القلب والكبد والكلى، وسط تقارير تربط تزايد الإصابات باحتمال استخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب المستمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023. وفي ظل غياب تحقيق مستقل يحسم هذه المزاعم، يواجه ملايين السودانيين انهيارًا حادًا في الخدمات الصحية ونقصًا في الأدوية والعلاجات المنقذة للحياة، بالتزامن مع اتساع دائرة النزوح والجوع واستمرار الهجمات على المدن والمناطق المأهولة.
وترافقت التحذيرات الصحية مع دعوة البابا ليو الرابع عشر إلى ضمان ممرات إنسانية للمدنيين العالقين، خصوصًا في مدينة الأُبيّض بولاية شمال كردفان، بينما طالب خبراء أفارقة بتحرك إقليمي ودولي أكثر فاعلية لوقف الحرب وحماية المدنيين، محذرين من أن استمرار القتال والجمود السياسي ينذران بكارثة إنسانية أوسع.
أمراض قاتلة ونظام صحي ينهار تحت نيران الحرب
وقالت صحيفة «السودانية نيوز» إن السودان يشهد تزايدًا في حالات الإصابة بأمراض خطيرة، من بينها السرطان وأمراض القلب والكبد والكلى، وربطت ذلك بتقارير تتحدث عن استخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب. غير أن هذه المزاعم ما تزال بحاجة إلى تحقيقات علمية وقانونية مستقلة لتحديد حقيقة ما جرى، والكشف عن طبيعة المواد المستخدمة ومناطق انتشارها وتأثيراتها المحتملة في السكان.
ونقلت الصحيفة عن مختصين تأكيدهم أن أي ادعاءات تتعلق باستخدام أسلحة محرمة دوليًا تستوجب فتح تحقيق محلي ودولي شفاف، خاصة أن المدنيين يتحملون العبء الأكبر من تداعيات النزاع. كما شددوا على ضرورة إجراء فحوص بيئية وطبية دقيقة، بدلًا من الاكتفاء بالاستنتاجات غير المدعومة بأدلة منشورة أو نتائج مخبرية موثقة.
وتأتي هذه المخاوف في وقت يعاني فيه القطاع الصحي السوداني تدهورًا غير مسبوق، بعدما خرجت عشرات المستشفيات والمراكز العلاجية عن الخدمة بسبب القصف والاشتباكات وانقطاع الكهرباء والمياه ونقص الوقود. كما أدت هجرة الكوادر الطبية وتعطل سلاسل الإمداد إلى حرمان آلاف المرضى من الرعاية الأساسية.
وكشفت شبكة أطباء السودان عن نقص حاد في جرعات العلاج الكيميائي المخصصة لمرضى السرطان، محذرة من تدهور أوضاعهم بسبب عدم انتظام الجرعات وصعوبة الوصول إلى المراكز المتخصصة. وأعربت الشبكة كذلك عن قلقها إزاء معاناة مرضى الفشل الكلوي، الذين يعتمدون على جلسات منتظمة لا يمكن تأجيلها من دون تعريض حياتهم للخطر.
وطالبت الشبكة بتدخل عاجل لتوفير الأدوية المنقذة للحياة ومستلزمات الغسيل الكلوي وأدوية العلاج الكيميائي، إلى جانب تأمين المنشآت الطبية والعاملين فيها. ويهدد استمرار النقص بتحويل الأمراض التي يمكن السيطرة عليها طبيًا إلى أحكام بالموت، لا بسبب طبيعة المرض وحدها، وإنما بسبب انهيار النظام الصحي وعجز المرضى عن الوصول إلى العلاج.
اتهامات أمريكية وعقوبات تنفيها الخرطوم
عادت قضية الأسلحة الكيميائية إلى الواجهة بعدما اتهمت الولايات المتحدة القوات المسلحة السودانية باستخدام هذا النوع من الأسلحة خلال حربها مع قوات الدعم السريع، وهي اتهامات رفضتها الخرطوم بشكل قاطع.
وبدأت القضية في مايو 2025، حين أعلنت واشنطن فرض عقوبات على السودان، قائلة إن الجيش استخدم أسلحة كيميائية خلال عام 2024. ومنحت الولايات المتحدة السلطات السودانية مهلة مدتها ثلاثة أشهر لاستيفاء شروط مرتبطة بقانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية.
وفي 20 يوليو 2026، بدأ سريان عقوبات أمريكية إضافية، بعدما قالت واشنطن إن الحكومة السودانية لم تستوفِ الشروط المطلوبة خلال المهلة المحددة. وتضمنت القضية أبعادًا سياسية وقانونية واقتصادية، في وقت يعاني فيه السودان أصلًا عزلة متزايدة وانهيارًا في مؤسساته وخدماته الأساسية.
ورفضت سلطة بورتسودان الاتهامات الأمريكية، مؤكدة أن السودان لا ينتج أو يمتلك أو يستخدم أسلحة كيميائية، وأنه ملتزم باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. وفي ظل تضارب الروايات، تتزايد المطالب بإجراء تحقيق دولي مستقل يضمن جمع الأدلة من المواقع المشتبه بها، والاستماع إلى الشهود، وتحليل العينات البيئية والطبية وفق قواعد علمية معتمدة.
ولا يمكن، من الناحية العلمية، إثبات ارتباط ارتفاع أمراض السرطان أو القلب والكبد والكلى باستخدام مواد كيميائية من دون بيانات وبائية وفحوص مخبرية ومقارنات زمنية ومكانية دقيقة. لكن خطورة الاتهامات وحجم الأضرار التي قد تترتب عليها يجعلان التحقيق المستقل ضرورة لحماية المدنيين ومحاسبة أي طرف يثبت تورطه.
البابا يطالب بممرات إنسانية وخبراء يحذرون من المجاعة
ومن جانبه دعا البابا ليو الرابع عشر إلى فتح ممرات إنسانية آمنة للمدنيين العالقين جراء النزاع، معربًا عن قلقه العميق إزاء الوضع «المأسوي» في السودان، ولا سيما في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، التي تعرضت لهجمات مكثفة بالطائرات المسيّرة خلال الأسابيع الأخيرة.
وقال البابا، في ختام صلاة التبشير الملائكي بالفاتيكان، إنه يجدد نداءه إلى المسؤولين لضمان ممرات إنسانية للسكان، داعيًا المجتمع الدولي إلى دعم الجهود الرامية لتحقيق وقف فوري لإطلاق النار.
ويعيش في الأُبيّض نحو نصف مليون شخص، فيما تشير الأمم المتحدة إلى أن عدد سكان المدينة تضاعف بفعل موجات النزوح. ولا يتمتع سوى جزء محدود من السكان بإمكانية الحصول المنتظم على الغذاء، ما يفاقم خطر الجوع وسوء التغذية وانتشار الأمراض.
وجاءت دعوة البابا بعد أيام من مطالبة خبراء أفارقة بتحرك إقليمي ودولي أكثر فاعلية، يشمل وقفًا فوريًا للأعمال العدائية وفتح ممرات إنسانية ودراسة نشر قوة دولية لحماية المدنيين. وصدرت المطالب في ختام ورشة للخبراء عُقدت في نيروبي بين 3 و5 أغسطس 2026.
وأعرب المشاركون عن خيبة أملهم لفشل قرارات الاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن والمبادرات الدولية في إنهاء الحرب. وحمّل الإعلان الجيش مسؤولية رفض ترتيبات إنسانية قصيرة الأجل، كما حمّل قوات الدعم السريع مسؤولية انتهاكات عديدة.
وأودت الحرب بحياة ما لا يقل عن 59 ألف شخص، وتسببت في نزوح نحو 13 مليونًا، بينما يحتاج أكثر من 30 مليون سوداني إلى مساعدات إنسانية. ومع استمرار القتال وتدهور الصحة وانتشار الجوع، يبقى المدنيون وحدهم من يدفعون الثمن الأكبر لحرب تبدو بلا نهاية قريبة.

