طرحت محال وشركات الحلويات في الأسواق المصرية علب حلاوة المولد بأسعار تبدأ من 250 جنيها وتصل إلى 10000 جنيه، استعدادا للمولد النبوي، ما دفع أسر كثيرة إلى تقليص مشترياتها أو الاكتفاء بالأصناف الأرخص.

 

ويكشف اتساع الفجوة بين العلب الاقتصادية والفاخرة كيف ابتلع الغلاء مناسبة ارتبطت بفرحة البسطاء، بينما تُترك الأسر أمام أسعار منفلتة ودخول متآكلة، في بلد باتت فيه حتى الطقوس الشعبية القديمة امتحانا قاسيا للقدرة على الإنفاق.

 

موسم بمليارات الجنيهات

 

تاريخيا، يرجع الباحثون الاحتفال الرسمي بالمولد في مصر إلى العصر الفاطمي خلال القرن الرابع الهجري، حين نظمت الدولة مواكب دينية ووزعت الحلوى، قبل أن تتحول الصناعة الموسمية إلى جزء ثابت من الذاكرة الشعبية.

 

ومع مرور القرون، تطورت صناعة الحلوى من السكر والعسل والمكسرات إلى سوق واسعة تضم مصانع وورش ومحالا بالمحافظات، لكنها حافظت على السمسمية والفولية والحمصية والملبن بوصفها الأصناف الأقرب إلى موائد المصريين.

 

وبحسب تقديرات متداولة لشعبة الحلويات بالغرف التجارية، تقترب قيمة تجارة الموسم من 3 مليارات جنيه سنويا، مع تغير الحصيلة تبعا لأسعار السكر والمكسرات والتغليف وحجم الطلب وقدرة الأسر على تخصيص جزء من دخولها للمناسبة.

 

وفي المقابل، تستحوذ الشركات الكبرى على جانب مؤثر من المبيعات بفضل الانتشار والإعلانات والتغليف، بينما تواجه الورش الصغيرة ضغوط الخامات والكهرباء والنقل والإيجارات، ما يهدد قدرتها على منافسة العلامات صاحبة الفروع الواسعة.

 

ومن جانبه، يقول عضو شعبة المواد الغذائية حازم المنوفي إن استقرار السكر قرب 21 ألف جنيه للطن خفف ضغوط الإنتاج، موضحا أن بعض العلب الشعبية تبدأ من 100 إلى 120 جنيها حسب الوزن والمكونات.

 

غير أن هذه الأسعار المحدودة لا تمثل المشهد كله، إذ تقفز العلب المتوسطة إلى ما بين 700 و1500 جنيه، بينما تتراوح التشكيلات الفاخرة عادة بين 1500 و3500 جنيه، وفق نوع المكسرات وحجم العبوة.

 

علاوة على ذلك، تصل علب الهدايا الراقية إلى نطاق يتراوح بين 4000 و8000 جنيه، وقد تتجاوز 10000 جنيه لدى بعض العلامات، لتصبح الحلوى الموسمية أداة استعراض طبقي بعيدة عن معناها الشعبي البسيط.

 

وبذلك، لم يعد السؤال لدى أسر كثيرة عن اختيار الصنف المفضل، بل عن إمكانية الشراء أصلا، بعدما أصبحت العلبة الاقتصادية تنافس احتياجات الطعام والدواء والمواصلات داخل ميزانية أنهكتها موجات التضخم وخفض قيمة الجنيه.

 

لذلك، تلجأ بعض الأسر إلى شراء قطع منفردة أو أوزان صغيرة، فيما تتجه أخرى إلى الأسواق الشعبية بحثا عن بدائل أرخص، مع مخاطر تتعلق بجودة التصنيع والتخزين وصلاحية المنتجات المعروضة بعيدا عن الرقابة.

 

التجديد يطارد المستهلك

 

على صعيد التسويق، ابتكرت المحال أشكالا جديدة مثل شاورما المولد والعلب المزخرفة والتشكيلات الصغيرة، محاولة جذب الشباب وتحويل المنتج التقليدي إلى مادة قابلة للتصوير والتداول عبر منصات التواصل وزيادة الإقبال على الشراء.

 

كذلك دخلت الشوكولاتة والكراميل والفستق والكاجو ضمن تركيبات حديثة، فارتفعت كلفة بعض الأصناف كثيرا، بينما تحولت العبوة نفسها إلى جزء أساسي من السعر بسبب الصناديق الخشبية والزينة والطباعة وخدمات التوصيل.

 

وبموازاة ذلك، يرى رئيس شعبة الحلويات بغرفة الدقهلية مدحت الفيومي أن الأسعار قد ترتفع بين 10% و20%، رغم تراجع السكر، مرجعا ذلك إلى تضاعف الرسوم الحكومية وزيادة تكاليف التشغيل والنقل ومدخلات الإنتاج الأخرى.

 

ومن ثم، يضع رأي الفيومي الرواية المطمئنة عن استقرار السكر أمام اختبار واضح، لأن انخفاض خامة واحدة لا يصل كاملا إلى المستهلك عندما تبتلع الرسوم والطاقة والإيجارات والأجور والنقل أثر هذا التراجع.

 

فضلا عن ذلك، تستغل بعض العلامات قوة اسمها التجاري لبيع تغليف فاخر ومكونات محدودة بأسعار مرتفعة، بينما يغيب الإفصاح الواضح عن وزن الحلوى الفعلي مقارنة بوزن العبوة والإضافات غير الغذائية المصاحبة.

 

ومن ناحية أخرى، ساعدت العبوات الصغيرة الأسر محدودة العدد على تقليل الهدر والكلفة، لكن هذا الخيار لا يلغي ارتفاع سعر الكيلو، ولا يعالج اتساع الفارق بين تكلفة الإنتاج والسعر النهائي لدى بعض المتاجر الكبرى.

 

وعليه، تحتاج الأسواق إلى رقابة أكثر صرامة على الأوزان والأسعار وتواريخ الإنتاج ومكونات العلب، مع إلزام البائع بإظهار البيانات بوضوح، حتى لا تتحول المناسبة إلى فرصة موسمية للمبالغة أو تمرير منتجات رديئة.

 

إلى جانب ذلك، يظل التجديد مقبولا ما دام يوسع الاختيارات، لكنه يصبح عبئا حين يستخدم لإخفاء زيادة السعر خلف أسماء جذابة وتصميمات مبالغ فيها، بينما يبحث المستهلك أساسا عن حلوى آمنة بسعر يناسب دخله.

 

السكر يهدد الصحة

 

صحيا، يؤكد أستاذ التغذية بالمركز القومي للبحوث حسن حسونة ضرورة الاختيار السليم لحلوى المولد، مشيرا إلى أهمية الاعتدال والانتباه إلى نوع المكونات، خاصة مع احتواء أصناف كثيرة على نسب مرتفعة من السكر والدهون.

 

وبناء على ذلك، لا تتوقف المخاطر عند الأسعار، فالإفراط في الملبن وأقراص السكر والنوجا قد يرفع سكر الدم والسعرات بسرعة، بما يشكل خطرا أكبر على مرضى السكري والسمنة وأمراض القلب.

 

كما أن المكسرات تمنح بعض الأصناف قيمة غذائية أفضل نسبيا، لكنها ترفع السعر والسعرات معا، وقد تسبب حساسية لدى البعض، ما يستدعي قراءة المكونات وعدم التعامل مع الحلوى بوصفها غذاء يوميا خلال الموسم.

 

أما المنتجات مجهولة المصدر، فقد تحمل مخاطر إضافية مرتبطة بالألوان الصناعية أو التخزين السيئ أو إعادة طرح مخزون قديم، خصوصا عندما تُعرض الحلوى مكشوفة أمام الغبار والحرارة وفي أماكن تفتقر إلى الاشتراطات الصحية.

 

وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا تتحول النصائح الصحية إلى لوم للفقراء على اختيارات فرضها الغلاء، فالمشكلة تبدأ من سوق لا يوفر دائما منتجا آمنا بسعر عادل، ومن رقابة تتراجع أمام المواسم ذات الطلب الكثيف.

 

نتيجة لذلك، يصبح شراء كمية صغيرة من مصدر موثوق أكثر أمانا من مطاردة التخفيضات المجهولة، مع ضرورة فحص تاريخ الإنتاج وسلامة العبوة والرائحة واللون، وتجنب الأصناف التي تظهر عليها علامات الرطوبة أو التلف.

 

وبالرغم من تغير الأشكال، تظل عروسة المولد وحصانه رمزين حاضرَين في الوجدان المصري، لكن بقاء التراث لا يقاس بواجهات المحال وحدها، بل بقدرة عامة الناس على المشاركة في المناسبة دون استدانة أو حرمان.

 

وأخيرا، تكشف أسعار الموسم أن حلاوة المولد ما زالت تجارة ضخمة وذاكرة حية، لكنها تعكس أيضا مجتمعا تتسع داخله الفوارق، حيث يشتري البعض علبا بآلاف الجنيهات ويحسب آخرون ثمن القطعة الواحدة.