تتحول مدينة العبور تدريجيًا من مدينة خُطط لها باعتبارها مساحة عمرانية تحيط بها الحدائق والأحزمة الخضراء، إلى كتلة أكثر ازدحامًا بالخرسانة والمشروعات التجارية، بعدما امتدت أعمال التجريف إلى مساحات اختار السكان منازلهم بسبب وجودها أصلًا.

 

وتتصاعد مخاوف الأهالي مع استمرار إزالة الأشجار والعشب وتحويل أجزاء من الحدائق والحزام الأخضر إلى عمارات ومولات ومحطات وقود، بينما يتحدث السكان عن ضياع أحد أهم عناصر المدينة البيئية لحساب استثمارات يمكن تنفيذها بعيدًا عن المتنفسات العامة.

 

 

المولات تزحف فوق الحدائق

 

ففي الحي التاسع، يقول نشأت الشيخ إن مساحة خضراء كبيرة كانت مخصصة، وفق مخطط تقسيم الحي، للخدمات والحدائق، قبل أن تتحول إلى قطع أراضٍ أقيمت عليها عمارات سكنية، لتتراجع المساحات المفتوحة بصورة واضحة.

 

كما يؤكد الشيخ أن المشكلة لا تقف عند فقدان منظر جمالي، لأن الأشجار كانت تمثل حاجزًا طبيعيًا في مواجهة عوادم السيارات والشاحنات على محور العبور، بينما جلبت الأنشطة التجارية مزيدًا من الحركة المرورية والانبعاثات.

 

وفي الحي السابع، يروي هيثم صبرة المشهد نفسه، بعدما شاهد خلال السنوات الأخيرة تجريف أجزاء من الحزام الأخضر على الطريق الرئيسي، رغم أن وجود هذه المساحات كان أحد الأسباب الأساسية التي دفعته إلى اختيار العبور للسكن.

 

ولذلك، يحذر صبرة من أن تقليص الحزام الأخضر يضاعف آثار التلوث القادم من المنطقة الصناعية المجاورة، في وقت يفترض فيه أن تحتاج مدينة بهذه الطبيعة إلى زراعة المزيد من الأشجار، لا اقتلاع الموجود منها.

 

وبالتوازي، انتقلت الاعتراضات من أحاديث السكان إلى حملات واستغاثات على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما اشتكى الأهالي من تبوير أجزاء من الحزام الأخضر وتحويلها إلى مشروعات إنشائية وتجارية بدل بقائها متنفسًا عامًا للمدينة.

 

كما حمل بيان متداول باسم سكان المدينة اتهامات مباشرة لجهاز مدينة العبور وهيئة المجتمعات العمرانية، وطالب بوقف ما وصفه بالتعديات على المسطحات الخضراء ومراجعة القرارات والعقود المتعلقة بهذه الأراضي خلال السنوات الأخيرة.

 

 

ثلاثون بالمئة اختفت

 

وفي مؤشر أكثر خطورة، قدّر أحد مؤسسي اتحاد الأحياء السكنية بمدينة العبور أن الحزام الأخضر فقد نحو 30% من مساحاته خلال أربع سنوات، مؤكدًا أن أجزاء من الحدائق أزيلت تباعًا لإقامة مشروعات تجارية.

 

كما تشير شهادته إلى أن عمليات التجريف لم تعد وقائع متفرقة يمكن التعامل معها باعتبارها استثناءات، إذ لا يكاد يمر شهر، وفق تقديره، دون أن تتعرض قطعة خضراء جديدة لأعمال إزالة أو تجهيز لتغيير استخدامها.

 

وفي الحي التاسع تحديدًا، ظهرت مخاوف جديدة بشأن حديقة قرب النفق وأخرى تقدر مساحتها بنحو 6 آلاف متر مربع، بعدما رصد السكان علامات داخل أجزاء من الحزام الأخضر ومعلومات عن إجراءات تمهيدية لنقل ملكيتها.

 

ولذلك، تبدو القضية أكبر من إنشاء مول هنا أو مبنى هناك، لأن استمرار اقتطاع المساحات قطعة بعد أخرى يعني عمليًا تفكيك الحزام الأخضر الذي صُمم منذ البداية ليحمي المدينة من التلوث ويحافظ على توازنها العمراني.

 

ومن ناحية أخرى، يثير الغضب سؤالًا أكثر إلحاحًا: لماذا تُختار الحدائق لإقامة استثمارات جديدة بينما توجد مساحات صحراوية وأراضٍ أخرى يمكن استغلالها دون التضحية بأشجار ومساحات دفع السكان ثمن السكن بجوارها؟

 

كما يوجّه بعض السكان واتحاد الأحياء اتهامات إلى شركات تطوير عقاري على خلفية مشروعات مقامة أو مخطط لها بمحور العبور، لكن الشركات التي وردت أسماؤها في هذه الاتهامات لم تعلن ردًا على ما يطرحه الأهالي.

 

ومن بينها شركة ريفلكت للتطوير العقاري، صاحبة مشروع مول سيليكت العبور الممتد على مساحة 5 آلاف متر مربع، إلى جانب شركة Kuwait Development Group ومشروع «زون 8 العبور» الممتد على نحو 25 ألف متر مربع.

 

 

الاستثمار يطارد آخر الأشجار

 

وفي الجانب البيئي، يرى المحامي أحمد الصعيدي، رئيس المؤسسة المصرية للحقوق البيئية، أن تحويل أجزاء من الحزام الأخضر والحدائق إلى مشروعات استثمارية يعكس مشكلة أوسع في الالتزام بالقواعد والتشريعات البيئية.

 

كما يشدد الصعيدي على أن الأحزمة الخضراء أُنشئت أساسًا في المدن الصناعية لتقليل آثار الانبعاثات وامتصاص الكربون، وبالتالي فإن تحويلها إلى أنشطة تجارية يقلب وظيفة التخطيط العمراني رأسًا على عقب.

 

وبحسب رؤيته، تتعارض هذه الممارسات مع مبادئ حماية البيئة واشتراطات تقييم الأثر البيئي، بينما يؤدي غياب المشاركة المجتمعية إلى نموذج تنمية يلاحق العائد المالي ويتجاهل الثمن البيئي والاجتماعي الذي يدفعه السكان.

 

كما تؤكد أسماء الحلوجي، رئيسة جمعية محبي الأشجار، أن الأشجار لم تعد رفاهية يمكن التضحية بها من أجل استثمار جديد، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة التلوث وحاجة المدن الصناعية إلى غطاء نباتي أكبر.

 

ولذلك، يصبح السؤال الذي يفرضه سكان العبور بسيطًا ومباشرًا: ما جدوى بناء مولات جديدة إذا كان ثمنها اقتلاع الحدائق التي جعلت المدينة أصلًا مكانًا صالحًا للسكن وأقل تعرضًا للتلوث والاختناق؟

 

وفي المقابل، لم تبق الأزمة داخل حدود احتجاجات السكان، إذ تقدمت النائبة أميرة العادلي بطلب إحاطة بشأن تغيير استخدام بعض المساحات الخضراء والأسس القانونية والفنية لذلك، بينما أعلنت النائبة بثينة أبو زيد نيتها التحرك للمساءلة.

 

كما حاولت الجهة التي أعدت المادة الأصلية الحصول على توضيحات من جهاز مدينة العبور وهيئة المجتمعات العمرانية ووزارة البيئة والشركات التي وردت أسماؤها، لكن الملف ظل دون إجابات كافية عن أسباب تغيير الاستخدامات.

 

وفي النهاية، لا تبدو أزمة العبور مجرد خلاف على أشجار أو حديقة، بل نموذجًا صارخًا لطريقة تنمية ترى الأرض الخضراء فرصة استثمارية قبل أن تراها حقًا عامًا وحائط صد صحيًا في مواجهة التلوث.

 

وتبقى الحكومة أمام سؤال لا يمكن إخفاؤه خلف لافتات «التطوير»: من سمح بابتلاع أجزاء من الحزام الأخضر، وعلى أي أساس تغيرت استخدامات الأراضي، ومن المستفيد من تحويل رئة العبور إلى خرسانة ومولات؟