أصدرت النيابة العامة المصرية، قرارا بحجب 12 حسابا على منصات فيسبوك وإكس وإنستجرام وتيك توك وتليغرام ويوتيوب داخل مصر، وشمل القرار إعلاميين وسياسيين ونشطاء مقيمين في الخارج، مع إخطار الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لتنفيذ الحجب بالتنسيق مع الشركات المختصة.
ويأتي القرار في سياق توسع حكومي واضح في نقل الرقابة من حجب المواقع الإخبارية والحقوقية إلى استهداف الحسابات الشخصية ذات التأثير السياسي، بما يجعل المجال الرقمي المصري محكوما بمنطق أمني يسبق النقاش العام ويحول الخلاف مع السلطة إلى ملف حجب وملاحقة.
قائمة تجمع المعارضين وشخصية صهيونية مثيرة للجدل
بحسب القائمة المتداولة، شمل القرار أسماء عمرو واكد وعبدالله الشريف ومحمد ناصر وأسامة جاويش وهيثم أبو خليل ويحيى موسى وسامي كمال الدين وخالد السيرتي وشريف عثمان وهشام صبري وإيدي كوهين، وهو جمع يكشف اتساع المعيار السياسي أكثر مما يوضح معيارا قانونيا محددا.
كما تضم القائمة شخصيات مصرية معارضة تقيم خارج البلاد وتبث محتوى سياسيا ينتقد الحكومة، إلى جانب الإعلامي الإسرائيلي إيدي كوهين المعروف بتعليقاته المثيرة للجدل، وهو إدراج فتح باب التساؤل حول حدود القرار وطبيعة الاتهام الفردي الموجه لكل حساب.
غير أن السلطات لم تقدم حتى الآن شرحا تفصيليا منشورا يوضح الوقائع المحددة المنسوبة إلى كل حساب، ولم تعرض للرأي العام أسبابا منفصلة تبرر حجب حساب سياسي مصري بالطريقة نفسها التي تبرر بها حجب حساب شخصية أجنبية مثيرة للجدل.
وبينما يذكر القرار منصات متعددة، فإن جوهره يتجاوز أسماء التطبيقات إلى منع الوصول داخل مصر إلى أصوات ذات تأثير في نقاشات السياسة والاقتصاد وحقوق الإنسان، وهو ما يجعل الحجب إجراء يمس حق الجمهور في الاطلاع قبل أن يمس أصحاب الحسابات وحدهم.
في هذا المحور، قال رئيس المؤسسة المصرية لحقوق الإنسان عصام شيحة إن الدولة تملك حق التدخل إذا رأت أن الحسابات تؤثر في السلم والأمن الداخلي، لكنه أعرب عن أمله في ألا يؤدي القرار إلى الجور على حرية الرأي والتعبير.
قانون جرائم تقنية المعلومات يتحول إلى باب واسع للحجب
قانونيا، يستند القرار إلى المادة 7 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر عام 2018، وهي مادة تسمح لجهات التحقيق بطلب حجب مواقع أو روابط أو محتوى إذا رأت أدلة على تهديد الأمن القومي أو تعريض أمن البلاد أو اقتصادها للخطر.
لكن الصياغة الواسعة لعبارات الأمن القومي وأمن البلاد والاقتصاد القومي تمنح السلطات مساحة كبيرة لتفسير الخطاب السياسي باعتباره خطرا، خصوصا عندما يغيب إعلان تفصيلي للوقائع التي استند إليها الحجب في كل حالة من الحالات المشمولة بالقرار.
لذلك لا تبدو المشكلة في وجود قانون ينظم الجرائم الرقمية، بل في استخدام نص فضفاض لتقييد حسابات معارضة ومؤثرة من دون إتاحة شفافية كافية حول الاتهامات والأدلة وطرق الطعن، وهو ما يوسع السلطة التنفيذية داخل مساحة الرأي العام الرقمي.
ومن الناحية التاريخية، يأتي القرار بعد سنوات من حجب مئات المواقع الإخبارية والحقوقية منذ 2017، وهي سياسة قالت منظمات حقوقية إنها ضربت حق المستخدمين في المعرفة وحرية التعبير، بينما لم تقدم الجهات الرسمية في حالات كثيرة تفسيرا كافيا للرأي العام.
في هذا السياق، يرى محمد الطاهر، خبير الحقوق الرقمية ومدير البرامج في مؤسسة حرية الفكر والتعبير، أن التشريعات الرقمية المصرية اتجهت إلى توسيع التجريم حول وسيط الإنترنت نفسه، وتخدم هذه الرؤية محور القانون لأنها تكشف كيف يتحول التنظيم إلى رقابة.
الحجب الجغرافي لا يلغي الخطاب لكنه يضيّق الجمهور
تقنيا، لا يعني الحجب حذف الحسابات من المنصات العالمية، بل يعني غالبا منع الوصول إليها أو تقييده داخل النطاق الجغرافي المصري، ولذلك تبقى الحسابات نشطة خارج البلاد بينما يخسر المستخدم داخل مصر حق الوصول السهل إلى محتوى سياسي موجود بالفعل.
كما طلبت النيابة من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات مخاطبة الشركات المسؤولة عن إدارة المنصات لتنفيذ القرار، وهو مسار يكشف اعتماد الدولة على مزيج من الضغط القانوني المحلي والتواصل مع الشركات الأجنبية أو استخدام أدوات تقييد الوصول داخل الشبكات المصرية.
ويشرح خبير تقنية المعلومات محمد فتحي أن الحجب أو التقييد قد يأخذ أكثر من شكل، فالشركات قد تعاقب الحسابات المخالفة لمعاييرها، والدول قد تطلب تقييد الوصول داخل نطاق جغرافي محدد إذا استندت إلى حكم أو قرار قضائي.
على هذا الأساس، يصبح الحجب أداة لإضعاف الوصول لا لإنهاء التأثير، لأن المستخدمين يستطيعون أحيانا الوصول عبر وسائل تقنية بديلة، بينما تستمر الحسابات في مخاطبة الجمهور خارج مصر، وهو ما يجعل القرار سياسيا ورمزيا بقدر ما هو تقني.
ومع ذلك، يظل أثر التقييد واسعا داخل المجتمع المصري لأن الجمهور العادي لا يستخدم غالبا أدوات تجاوز الحجب، ولا يملك وقتا أو معرفة تقنية للبحث عن طرق بديلة، وبذلك تتحول الرقابة إلى تقليل فعلي لمدى وصول الأصوات المعارضة.
ردود الفعل تكشف تقييدًا على الكلمة لا على الجريمة
في ردود الفعل، انتقد عدد من المشمولين القرار واعتبروه تقييدا لحرية الرأي، وكتب عمرو واكد على منصة إكس أن الأنظمة العربية لم تعد تتحمل مواجهة الكلمة، بينما سخر هيثم أبو خليل من حجب حسابه وربطه بأولويات السلطة الرقابية.
كذلك قال أسامة جاويش في مقطع مصور إن السلطات المصرية تسير على خطى الإمارات في التعامل مع حسابات الأصوات المعارضة، واعتبر أن الحجب قد يزيد عدد متابعيه بدلا من تقليصهم، وطالب بإثبات الاتهامات الموجهة إلى المشمولين بالقرار.
في المقابل، أيد إعلاميون وبرلمانيون موالون للسلطة القرار، إذ وصف أحمد موسى الحسابات بأنها أبواق إرهاب اتهمها بنشر شائعات ومعلومات كاذبة، كما استخدم مصطفى بكري لغة اتهامية حادة ضد المشمولين بالحجب وربطهم بأجهزة مخابرات خارجية.
غير أن هذه الردود المؤيدة تؤكد طبيعة الاستقطاب أكثر مما تقدم دليلا قانونيا على كل حالة، لأن الخطاب الإعلامي الموالي للسلطة يخلط بين الاتهام السياسي والإدانة القضائية، ويستخدم أوصافا جاهزة لتبرير حجب أصوات لا تستطيع الدفاع عن نفسها داخل المجال العام المصري.
وبذلك لا يظهر القرار كإجراء منفصل عن المناخ الإعلامي، بل يظهر كحلقة في إدارة رسمية للخطاب العام، حيث تتقدم لغة التخوين والتحريض على نشر حيثيات واضحة، ويتحول الجهاز الرقمي للدولة إلى حارس حدود سياسية لا مجرد منفذ لقانون محدد.
وفي الخلاصة، يفضح حجب 12 حسابا أن الحكومة المصرية لا تكتفي بملاحقة المواقع، بل تتجه إلى حصار الحسابات المؤثرة نفسها، وإذا بقيت المعايير مبهمة والاتهامات جماعية والطعن غير مرئي للرأي العام، فسوف يصبح الإنترنت المصري مساحة مراقبة لا مساحة نقاش.

