اتهم ثمانية ناشطين فرنسيين من أسطول الصمود، في مطار شارل ديغول قرب باريس، القوات الإسرائيلية بتعريضهم للعنف والإذلال أثناء توقيفهم في البحر الأبيض المتوسط وترحيلهم إلى تركيا، فيما بقي 2 من أصل 36 فرنسيا في مستشفى تركي بعد اعتراض الأسطول المتجه إلى غزة.
وتضع هذه الشهادات إسرائيل أمام واقعة سياسية وإنسانية لا تخص الناشطين الفرنسيين وحدهم، لأن الاعتراض استهدف أسطولا مدنيا حاول كسر حصار غزة وإدخال مساعدات، ثم تحول التوقيف إلى رسالة ردع علنية ضد كل من يحاول اختبار الحصار بحركة تضامن دولية منظمة.
شهادات العائدين من تركيا تفتح ملف الاحتجاز
عقب وصولهم من تركيا إلى باريس، روى الناشطون للصحافيين تفاصيل احتجازهم بعد اعتراض السفن، وتحدثوا عن عنف جسدي وإهانات ومعاملة قاسية، بينما استقبلهم مؤيدون في المطار بهتافات داعمة للشعب الفلسطيني، في مشهد نقل القضية من البحر إلى قلب العاصمة الفرنسية.
وفي السياق نفسه، قالت الناشطة مريم حاجال، التي أوقفت في 18 مايو، إن القوات وضعت المحتجزين واحدا تلو الآخر في حاوية سوداء، وإنها تعرضت للمس غير مرغوب فيه، ووصفت شرطة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بأنها كانت عنيفة ومهينة.
ثم قدم أدريان بيرتيل، البالغ 33 عاما، شهادة أخرى عن ضرب في الظلام وإهانات مرتبطة بمظهره الشخصي، وقال إن عناصر الاحتجاز استخدموا سخرية تنطوي على رهاب ضد المثليين، وهو ما يضيف إلى العنف الجسدي بعدا نفسيا يستهدف كرامة المحتجز لا جسده فقط.
كذلك قالت ياسمين سكولا إن المحتجزين ناموا وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم لمدة 36 ساعة، وإنهم اضطروا للذهاب إلى الحمام وهم مقيدون، كما تحدثت عن مصابين تركوا بلا علاج، بما يجعل الاتهامات مرتبطة بظروف احتجاز كاملة لا بحوادث فردية معزولة.
وعلى مستوى التقييم الحقوقي، قالت إريكا غيفارا روساس، مديرة البحث والمناصرة والسياسات والحملات في منظمة العفو الدولية، إن مهمة أسطول الصمود تمثل رمزا للتضامن الدولي، وإن استمرار هذه القوافل يكشف تقاعس المجتمع الدولي عن الضغط لإنهاء حصار غزة.
فيديو بن غفير يحول التوقيف إلى أزمة دبلوماسية
بعد الاعتراض الإسرائيلي للسفن، نشر إيتمار بن غفير مقطعا مصورا يظهر ناشطين مقيّدي الأيدي وجاثين أثناء الاحتجاز، وأثار المقطع غضبا واسعا لأنه حول التوقيف إلى عرض علني للإذلال، بدل أن يبقى إجراء احتجاز يخضع لمعايير القانون وحقوق المحتجزين.
وبالتزامن مع نشر المقطع، صدرت إدانات من حكومات غربية عدة، واستدعت فرنسا السفير الإسرائيلي، بينما وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو تصرف بن غفير بأنه غير مقبول، وطالب بمعاملة المواطنين الفرنسيين باحترام وإطلاق سراحهم في أسرع وقت.
كما قالت إيطاليا وإسبانيا ودول أوروبية أخرى إن الصور غير مقبولة ومهينة، وطرحت دعوات لفرض عقوبات على بن غفير، لأن الفيديو لم يكشف فقط طريقة التعامل مع نشطاء دوليين، بل أظهر وزيرا إسرائيليا يستخدم سلطته لتسويق الإهانة كسياسة رسمية.
ومن جهة الرقابة الدولية، قال ثمين الخيطان، المتحدث باسم مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إن كل حالات التعذيب وسوء المعاملة ضد الفلسطينيين والأجانب يجب أن تخضع لتحقيق، وإن المسؤولين عنها يجب أن يحاسبوا، بما يمنح القضية مسارا حقوقيا واضحا.
في المقابل، نفت دائرة السجون الإسرائيلية الاتهامات ووصفتها بأنها كاذبة وبلا أساس واقعي، وقالت إن المحتجزين يعاملون وفق القانون وتحت إشراف مهني، غير أن هذا النفي لم ينه الأزمة بسبب تعدد الشهادات وتزامنها مع فيديو بن غفير نفسه.
الحصار على غزة في خلفية المواجهة البحرية
منذ البداية، لم يكن أسطول الصمود رحلة رمزية منعزلة، بل كان محاولة مدنية لكسر الحصار الإسرائيلي على غزة وإيصال مساعدات إلى قطاع يعاني نقص الغذاء والدواء والمستلزمات الأساسية، ولذلك تعاملت إسرائيل مع السفن كاختبار سياسي لسيطرتها البحرية على القطاع.
وبحسب تقارير دولية، ضم الأسطول عشرات القوارب ومئات الناشطين والصحافيين من دول متعددة، واعترضت القوات الإسرائيلية السفن في مياه دولية قبل نقل المحتجزين إلى أسدود، وهو مسار أثار أسئلة قانونية حول مشروعية الاعتراض خارج المياه الإقليمية الإسرائيلية.
ثم وسعت شهادات العائدين من تركيا وإسطنبول وأثينا دائرة الاتهامات، إذ تحدث ناشطون من جنسيات مختلفة عن ضرب وصعق وإهانات وحرمان من التواصل القانوني والقنصلي، بينما قالت جهات أوروبية إن بعض مواطنيها عادوا بإصابات تحتاج إلى فحوص طبية.
وفي هذا الإطار، قالت ساري باشي، مديرة اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل، إن فيديو بن غفير يعكس ثقافة أوسع من الإفلات من العقاب، وإن الحراس الذين يرون مسؤولا كبيرا يفاخر بسوء معاملة محتجزين أجانب لن يخافوا من إساءة معاملة فلسطينيين.
لهذا تبدو شهادات الفرنسيين في باريس امتدادا لصورة أكبر، لأن إسرائيل لا تواجه انتقادا بسبب اعتراض قارب واحد، بل بسبب إدارة كاملة للاحتجاز والحصار والإذلال السياسي، وهي إدارة تجعل التضامن الإنساني مع غزة هدفا للعقاب قبل وصوله إلى الشاطئ.
وفي الخلاصة، أعادت عودة الناشطين الفرنسيين إلى باريس فتح ملف أسطول الصمود من زاوية الضحايا لا من زاوية الرواية الإسرائيلية، وإذا لم تتحول الشهادات والفيديوهات إلى تحقيق دولي مستقل، فسوف يبقى اعتراض القوافل المدنية أداة إسرائيلية لتثبيت الحصار وإخافة المتضامنين.

