وائل قنديل
كاتب صحافي مصري
في أحدث محطاته، وقف مبعوث دونالد ترامب إلى الدول العربية، توم برّاك، ليقول في بغداد إن المطلوب من العراقيين، إذ يعيّنون رئيسًا لحكومتهم، أن يحقّق اختيارهم مستقبلًا سياسيًا للعراق يتماشى مع خطط الرئيس ترامب. هكذا، ببساطة أو بوقاحة، تعلن إدارة الرئيس الأميركي الغارق في أوهامه البابويّة أنه غير مسموح في دولة عربية أن يتولى السلطة فيها من هم ليسوا مطابقين للمواصفات الأميركية.
في شرح هذه الفلسفة، كان أحد المعلّقين من الحزب الجمهوري (حزب ترامب) يتحدّث عبر قناة الجزيرة عن الوضع الحالي في العراق، ليذهب إلى أن نوري المالكي، المرشّح الأول لرئاسة الحكومة العراقية وفقًا لنتائج الانتخابات النيابية، حاول تقديم ضمانات مطمئنة للإدارة الأميركية على مستقبل الحكم في العراق، لكنّ المشكلة أن لديه علاقات قوية مع إيران قد تؤثّر في السيادة العراقية.
قبل ذلك بقليل، كان ترامب يثرثر على الهواء مباشرة، وسُئل عن حال سورية فأشاد بسياسة الشخص الذي وضعه لحكمها: "الرئيس الحالي لسورية، أنا من وضعته هناك، وهو يقوم بعمل رائع ومذهل. سورية الآن تتحرّك بخُطى ثابتة نحو إعادة التوحيد".
ليس الأمر مقتصرًا على العراق وسورية، بل تجده بصورة أكثر وضوحًا وإيلامًا وأنت تتابع ما يدور بشأن غزّة، إذ ينفرد دونالد ترامب بتعيين من يشاء لمساعدته في حكم القطاع، على نحو يجعله بالنسبة إلى الرئيس الأميركي مساحة نفوذ وتسلّط تفوق سلطته على ولاية مثل نيويورك التي تتمتّع بنوع من الاستقلال في تسيير شؤونها المحلّية عن السلطة المركزية في البيت الأبيض. غير أن أطماع الرئيس الأميركي في غزّة تتجاوز إخضاعها سياسيًا وإداريًا لسلطانه إلى استخدامها منطقةً عسكريةً أميركية، فتتوالى التقارير عن اعتزامه إنشاء قاعدة عسكرية ضخمة في القطاع.
في إيران تتخذ المسألةُ شكلًا أكثر صفاقة واستهتارًا بالقانون الدولي الذي ينصّ على احترام سيادة الدول على أراضيها، إذ يقطع ترامب شوطًا أبعد في طريق البلطجة الدولية بمحاصرة إيران بترسانته العسكرية حتى تستسلم وتتخلّص من قدرتها العسكرية، وتعلن توبتها عن تسليح نفسها بما يضمن لها البقاء دولةً غير خاضعة لنفوذ الولايات المتحدة، ثم تغيّر نظامها السياسي ببديل مصنوع في واشنطن، ثم أخيرًا تسقط مرشدها الأعلى، وتتخذ من دونالد ترامب وليًا مرشدًا.
هذا الجنون لم يتوقّف عند الشرق الأوسط أو أميركا اللاتينية فقط، حيث اختطف الرئيس الأميركي دولةً كاملةً برئيسها، فوضع الرئيس الفنزويلي في السجن الأميركي، ووضع فنزويلا كلّها بنفطها ومعادنها في جيبه، بل يتمدّد شمالًا إلى أوروبا حيث يتحرّش بجزيرة تابعة لمملكة الدنمارك، وينظر إلى دول القارة العجوز على أنها مجموعة من جمهوريات الموز، يمارس وصايته السياسية والعسكرية عليها.
ليست الكارثة في جنون العظمة عند دونالد ترامب، بل في لوثة التعظيم والتسليم والإذعان التي تحكم مواقف واستجابات حكّام الشرق الأوسط لما يقرره الجالس في البيت الأبيض، الذي لم يعد أحد يجرؤ على مراجعته أو مناقشته، وكأنهم استسلموا لفكرة أن البيت الأبيض بات يقوم مقام الباب العالي في العصور الغابرة. والمذهل حقًّا أن يصبح هذا المهووس بالصفقات القذرة، والمولع بجمع الأموال بالطرائق كلّها، مرجعيةً أخلاقيةً وسياسيةً عند بعض العرب، على الرغم من أنه غارق طوال الوقت في مستنقعات من الفضائح الداخلية والخارجية، وعلى الرغم من أن العالم الحرّ أدرك بجلاء أن الموقف الأخلاقي الصحيح هو التناقض بالكلّية مع ما يأتي به ترامب وصهاينته.

