أعادت واقعة اختطاف رضيعة من داخل مستشفى الحسين الجامعي التابع لجامعة الأزهر فتح ملف أوسع من مجرد جريمة خطف وقعت في قسم حساس، لأن الحادث كشف مرة أخرى كيف تتحول مؤسسات الدولة إلى مساحات رخوة في أبسط إجراءات الحماية ثم تسارع الإدارة بعدها إلى البحث عن قيود على الناس بدل أن تواجه أصل العجز الإداري. فقد بدأت القصة بعد ولادة طفلة مساء الإثنين 13 أبريل 2026 ثم اختفائها ظهر الثلاثاء 14 أبريل 2026 بعد أن حملتها سيدة منتقبة من داخل المستشفى، قبل أن تعلن الأجهزة الأمنية ضبط المتهمة وإعادة الرضيعة إلى أسرتها. غير أن عودة الطفلة لم تغلق الجدل بل نقلته إلى مستوى أشد حساسية، بعدما برزت مقترحات داخل مستشفيات جامعة الأزهر لتشديد دخول المنتقبات إلى بعض الأقسام، وهو ما جعل الجريمة الفردية تتحول إلى مدخل لنقاش سياسي وحقوقي وديني عن حدود الأمن وحدود الحرية وحدود فشل الدولة نفسها في إدارة منشآتها العامة.

 

جاء هذا الجدل لأن الرواية الرسمية لم تبدأ من سؤال واضح عن سبب هشاشة التأمين داخل مستشفى جامعي كبير يضم أقسام ولادة وأطفال وحضانات، بل اتجهت سريعًا إلى التركيز على النقاب باعتباره المشكلة الأسهل والأكثر قابلية للتداول العام. وقد أعلنت إدارة المستشفى أن الطفلة سُلّمت إلى والدتها وفق الإجراءات المعتادة وبموجب توقيع رسمي ثم انتقلت المسؤولية إلى الأسرة، بينما قال الدكتور محمود صديق نائب رئيس جامعة الأزهر إن الكاميرات وثقت الوقائع وإن الجامعة تدرس إجراءات إدارية جديدة. لكن هذا المسار نفسه كشف خللًا أوسع، لأن مؤسسة يفترض أنها تضبط حركة الدخول والخروج والزيارة داخل أقسام بهذا القدر من الحساسية لا تستطيع التذرع فقط بتسليم إداري موثق إذا كانت النتيجة النهائية هي تمكن غريبة من المغادرة بطفلة حديثة الولادة من داخل منشأة عامة يفترض أنها مؤمنة.

 

جريمة فردية كشفت عجز المستشفى قبل أن تفتح ملف النقاب

 

يعيد تسلسل الوقائع أصل المسألة إلى فشل أمني وإداري قبل أي شيء آخر، لأن الطفلة ولدت بحسب تصريحات محمود صديق في الساعة 7:30 مساء يوم الإثنين 13 أبريل 2026 ثم اختفت في نحو الساعة 1:00 ظهر الثلاثاء 14 أبريل 2026 بعد أن حملتها سيدة منتقبة من داخل الغرفة وغادرت المكان، وهو ما يعني أن الجريمة وقعت خلال فترة طويلة نسبيًا داخل منشأة تخضع لإشراف جامعي مباشر وتضم منظومة كاميرات ومداخل ومخارج يفترض أنها مراقبة.

 

ثم تؤكد البيانات التي صدرت بعد ذلك أن النيابة العامة باشرت التحقيق واستمعت إلى أقوال والدة الرضيعة لكشف اللحظات الأخيرة قبل اختفائها، كما أعلنت الجهات الأمنية ضبط المتهمة وإعادة الطفلة إلى أسرتها خلال فترة قصيرة. غير أن سرعة الضبط لا تمحو حجم الإخفاق الأصلي، لأن السؤال الذي فرض نفسه مجتمعيًا لا يتعلق فقط بكيفية الوصول إلى المتهمة، بل بكيفية خروجها أصلًا بطفلة رضيعة من مستشفى عام يفترض أنه يتحكم في الزائرين والمرافقين وحركة التنقل داخل الأقسام.

 

كما زاد بيان المستشفى من حدة الجدل بدل أن يخففه، لأنه ركز على أن الطفلة سُلّمت رسميًا إلى الأم وأن المسؤولية القانونية انتقلت بعد ذلك إلى ذويها، بينما رأى كثيرون أن هذا الرد يختزل الأزمة في ورقة توقيع ويتجاهل أن المستشفى ظل مسؤولًا فعليًا عن التأمين الداخلي وعن تنظيم المرافقة والزيارة وعن منع أي غريبة من التحرك بحرية في قسم ولادة ثم الخروج بطفلة لا تملك أي وسيلة لحماية نفسها.

 

ويكتسب رأي الدكتور محمود صديق أهمية خاصة هنا لأنه لم يكتف بعرض التوقيتات بل تحدث أيضًا عن إجراءات إدارية جديدة ومراجعة للمنظومة بعد الحادث، وهو إقرار غير مباشر بأن ما حدث لم يكن مجرد خطأ عابر من أسرة مرهقة داخل غرفة مزدحمة، بل واقعة كشفت ثغرات تنظيمية فعلية داخل المستشفى نفسه. ولذلك بدا النقاش العام منذ الساعات الأولى متجهًا إلى مسؤولية الإدارة أكثر من اتجاهه إلى سلوك الأسرة أو الملابسات الشخصية داخل الغرفة.

 

من فشل التأمين إلى تقييد المنتقبات داخل الأقسام الحساسة

 

بعد استعادة الرضيعة بدأت إدارة مستشفيات جامعة الأزهر دراسة إجراءات جديدة لتعزيز الأمن، من بينها مقترحات تتعلق بمنع دخول المنتقبات إلى بعض الأقسام الحساسة أو إلزامهن بكشف الوجه للتحقق من الهوية عند الدخول. هذا التحول السريع أثار الجدل لأن المؤسسة انتقلت من معالجة فشلها التأميني إلى البحث في قيد يطول شريحة واسعة من النساء، مع أن الواقعة نفسها تثبت أولًا وجود عجز في التفتيش والتحقق والمراقبة لا في وجود النقاب وحده.

 

ثم جاء تعليق الدكتور عباس شومان الأمين العام لهيئة كبار العلماء ليعطي هذا الاتجاه صيغة أقل اتساعًا وأكثر تحديدًا، إذ دعا إلى أن تتأكد امرأة من شخصية المنتقبة على أبواب المصالح والمؤسسات الخدمية وأن تُدوَّن بيانات بطاقة الرقم القومي عند الحاجة. هذا الطرح لم يذهب إلى منع عام، لكنه أقر بوضوح بحق الجهة الإدارية في التحقق من الهوية في نقاط الدخول بما يفتح الباب أمام نموذج أمني مقيد زمنيًا ومكانيًا لا أمام عقوبة جماعية دائمة.

 

غير أن المخاوف لم تتراجع رغم هذا الطرح المقيد، لأن الحادثة الفردية صارت تُستخدم في الخطاب الإعلامي والسياسي بوصفها ذريعة جاهزة للانتقال من التحقق من الهوية إلى استسهال المنع الأوسع داخل المستشفيات ثم ربما داخل مؤسسات حكومية أخرى. ولهذا رأى منتقدون أن السلطة تميل مرة أخرى إلى أسهل الحلول الدعائية، أي التشدد على الناس في الملبس، بدل بناء منظومة مهنية تمنع الجريمة مهما كان شكل الجاني أو الجانية.

 

ويظهر هذا الخطر أكثر لأن أصل الحادث لا يثبت أن النقاب وحده هو الثغرة الوحيدة، بل يثبت أن الغريبة تمكنت من الوصول إلى الأم والبقاء داخل الغرفة والتحرك خارج القسم ثم مغادرة المستشفى بالطفلة. وهذه سلسلة فشل متتابعة لا يعالجها قرار شكلي إذا لم تصاحبه قواعد صارمة للزيارة وبطاقات تعريف ومرافقة إجبارية ومراقبة فعالة للمخارج ومحاسبة إدارية واضحة للمسؤولين عن التأمين.

 

القانون يجيز التحقق من الهوية ولا يبيح تعميم العقوبة

 

تمنح السوابق القضائية في مصر صورة أكثر دقة من الخطاب المنفعل الذي صاحب الحادث، لأن المحكمة الإدارية العليا سبق أن أكدت في أحكامها أن ارتداء النقاب لا يجوز حظره على نحو مطلق، لكنها أقرت في الوقت نفسه بحق الجهة الإدارية في التحقق من الشخصية في لحظة محددة ولغرض محدد سدًا لذرائع الانتحال أو التسلل. وهذا التوازن القانوني مهم لأنه يفرق بين تنظيم أمني محدود وبين قرار عام يعاقب كل المنتقبات بسبب واقعة واحدة.

 

كما يكتسب رأي الدكتور جابر نصار الرئيس الأسبق لجامعة القاهرة وزنه في هذا السياق لأنه دافع سابقًا عن قرارات الحظر المقيدة داخل المجال التعليمي مستندًا إلى أحكام القضاء الإداري التي رأت أن الحرية في الملبس ليست مطلقة داخل بعض البيئات الوظيفية أو التعليمية إذا تعارضت مع مقتضيات العمل والتواصل. غير أن هذا المنطق نفسه لا يسوغ تلقائيًا نقل الحظر إلى كل زائرة أو مرافقة داخل مستشفى من دون ضوابط دقيقة ومتناسبة مع الغرض الأمني.

 

وبناء على ذلك يتضح أن المعادلة القانونية لا تعطي الإدارة شيكًا على بياض لتوسيع المنع كيفما شاءت، بل تعطيها حقًا محددًا في التحقق من الهوية بوسائل منضبطة ولفترة وجيزة وفي أماكن تستدعي ذلك فعلًا. ولهذا فإن أي محاولة لتحويل واقعة مستشفى الحسين إلى سابقة لتقييد أوسع داخل المرافق العامة ستبقى عرضة لاعتراض قانوني وحقوقي لأنها تنقل التدبير من الضرورة إلى التعميم ومن التنظيم إلى العقوبة الجماعية.

 

ثم تعيد النهاية الصلبة لهذه القضية النقاش إلى موضعه الصحيح، لأن اختطاف رضيعة من داخل مستشفى جامعي ليس دليلًا على أن المجتمع يحتاج إلى وصاية جديدة على النساء بقدر ما هو دليل على أن مؤسسات الدولة تعمل بثغرات خطيرة ثم تبحث بعد كل فضيحة عن متهم أسهل من نفسها. وما لم تتحول الجريمة إلى محاسبة إدارية واضحة وإصلاح تأميني حقيقي داخل المستشفيات، فإن أي تشدد شكلي تجاه المنتقبات لن يكون أكثر من محاولة للهروب من أصل المشكلة وإلقاء عبء الفشل الرسمي على الناس بدلًا من تحميله لمن صنع هذا الإهمال وتركه يتكرر حتى انفجر في وجه الجميع.