قدمت احتفالية «أهل الخير 2» صورة مكتملة عن الطريقة التي تدير بها السلطة ملف الحماية الاجتماعية في مصر خلال 2026، إذ جمعت بين الأرقام الرسمية والخطاب السياسي والرسائل الدعائية في منصة واحدة، وربطت مبادرات الإطعام والدعم المباشر باسم الدولة والقيادة السياسية على نحو واضح. هذا الربط لم يظهر في صياغات عابرة داخل كلمات الوزراء، بل جاء في قلب الرسالة الرسمية التي أرادت الحكومة تثبيتها أمام الرأي العام، وهي أن كل توسع في الإطعام أو الدعم أو الرعاية يجب أن يُقرأ بوصفه امتدادًا مباشرًا لتوجيهات عبد الفتاح السيسي، لا باعتباره استحقاقًا اجتماعيًا تفرضه الأزمة الاقتصادية واتساع الفقر والاحتياج. وقد أعلنت وزارة التضامن خلال الاحتفالية توثيق توزيع 198911552 وجبة غذائية خلال أقل من عام بينها 100 مليون وجبة في رمضان، وهو رقم استخدمته الحكومة لتأكيد نجاح المنظومة التي تقدمها باعتبارها إنجازًا سياسيًا وإداريًا متكاملًا.
جاء هذا الخطاب في توقيت بالغ الدلالة، لأن الحكومة نفسها كانت قد أعلنت في 15 فبراير 2026 حزمة حماية اجتماعية جديدة بتكلفة 40.3 مليار جنيه، ثم أكدت وزارة المالية في 16 مارس 2026 أنها صرفت 18.5 مليار جنيه منها، بينما تواصل وزارة التضامن الحديث عن اتساع مظلة «تكافل وكرامة» ووصولها إلى ملايين المستفيدين. هذا التزامن بين التوسع في الإنفاق الاجتماعي وتكثيف الاحتفال السياسي به يكشف أن الدولة لا تكتفي بتقديم الدعم، بل تعيد تقديمه للرأي العام داخل سردية رسمية تعتبر الرعاية الاجتماعية دليلًا على شرعية الحكم وكفاءة القيادة. ومن ثم لم تعد المناسبة مجرد فعالية خيرية، بل تحولت إلى مناسبة سياسية منظمة تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة من خلال لغة المنحة والرعاية والامتنان، لا من خلال لغة الحقوق والالتزامات العامة.
الخطاب الرسمي يضع الحماية الاجتماعية داخل صورة القيادة
قالت وزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي في الاحتفالية إن النجاحات المتحققة في منظومة الإطعام والحماية الاجتماعية جاءت نتيجة دعم وتوجيهات عبد الفتاح السيسي، كما قدمت التوسع في الدعم بوصفه أولوية تتصدر عمل الدولة. وبهذا المعنى لم تفصل الوزيرة بين البرنامج الاجتماعي والقيادة السياسية، بل وضعت الاثنين في عبارة واحدة تؤسس لقراءة سياسية مباشرة لملف الدعم.
ثم عزز وزير الأوقاف أسامة الأزهري الرسالة نفسها عندما قال إن خدمة الإنسان المصري تمثل محور عمل مؤسسات الدولة، وإن مبادرات مثل «أهل الخير» تعكس شراكة بين الدولة والمجتمع المدني وتترجم قيم التكافل والرحمة. لكن هذه الصياغة أبقت الدولة في مركز المشهد، وحولت الفعل الخيري إلى مسار تتحكم فيه السلطة وتعيد تعريفه ضمن خطابها العام.
وفي هذا السياق اكتسبت مداخلة الدكتور أحمد إيهاب جمال الدين، رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، دلالة خاصة، لأنه أكد قبل يومين من كتابة هذا التقرير أن تطوير الحماية الاجتماعية يجب أن يستند إلى مقاربة حقوقية تضمن العدالة في توزيع الخدمات ووصولها إلى مستحقيها بكفاءة. وهذا الطرح يكشف أن النقاش داخل المجال العام نفسه لم يعد يدور فقط حول حجم الدعم، بل حول الأساس الذي تُبنى عليه المنظومة.
منظومة الإعانة تتسع بينما يتحول العمل الخيري إلى رسالة سياسية
أعلنت الحكومة في الشهور الأخيرة سلسلة أرقام تؤكد اتساع شبكة الدعم، من بينها حزمة فبراير بقيمة 40.3 مليار جنيه، ومتابعة صرف 18.5 مليار جنيه حتى 16 مارس 2026، إلى جانب استمرار برنامج «تكافل وكرامة» الذي تشير بيانات وزارة التضامن إلى اتساع قاعدة مستفيديه بملايين الحالات. لكن هذا الاتساع نفسه أصبح مادة جاهزة للاستخدام السياسي المكثف.
ويزداد هذا الاستخدام وضوحًا عندما تقرن الحكومة كل توسع في الدعم بعبارات من نوع «توجيهات الرئيس» و«انحياز القيادة السياسية» و«إنجاز الدولة». هنا لا يظهر الدعم باعتباره نتيجة لسياسات اقتصادية واجتماعية قابلة للنقاش والمساءلة، بل باعتباره هبة عليا تنحدر من قمة السلطة إلى قاعدة المجتمع. وهذا التحويل يغير طبيعة الخطاب العام نفسه.
ومن زاوية اقتصادية أكثر مباشرة، قال الدكتور جودة عبد الخالق في مارس 2026 إن حماية الفئات الأقل دخلًا لا يكفي فيها التوسع في الزيادات النقدية، لأن السوق يلتهمها سريعًا، واقترح العودة إلى صور دعم عيني مباشر أكثر قدرة على حماية القوة الشرائية. وتكتسب هذه الشهادة وزنًا خاصًا لأنها تنقل النقاش من الاحتفال بالإنفاق إلى سؤال الفاعلية والنتائج.
اتساع الحماية الاجتماعية يكشف ضغط الأزمة أكثر مما يثبت نجاح السياسة
تظهر الأرقام الرسمية نفسها أن الدولة لم تتوسع في الحماية الاجتماعية في لحظة رخاء، بل في لحظة ضغط اجتماعي ومعيشي شديد. فقد استمرت الحكومة في ضخ حزم استثنائية قبل رمضان، وواصلت صرف دعم «تكافل وكرامة» خلال أبريل 2026، بينما بقيت اللغة الرسمية تؤكد أن التدخلات تستهدف الفئات الأولى بالرعاية والأقل دخلًا، وهو اعتراف غير مباشر بعمق الأزمة.
ثم يكتسب هذا المعنى بعدًا أعمق مع ما قاله الدكتور زياد بهاء الدين في نوفمبر 2025 من أن برامج الحماية الاجتماعية شهدت تطورًا في الاستهداف، لكنه ربط نجاحها الحقيقي ليس فقط بزيادة الأسر المستفيدة أو الأموال المصروفة، بل بتحسين استهداف الأكثر احتياجًا. وفي يناير 2026 عاد ليتحدث عن حاجة مصر إلى عقد اجتماعي جديد ينظم دور الدولة في الاقتصاد.
وبناء على ذلك يصعب التعامل مع احتفالية «أهل الخير 2» باعتبارها مجرد مناسبة تضامن اجتماعي، لأن الوقائع المحيطة بها تكشف شيئًا آخر أكثر صراحة. فالدولة توسع الإعانات لأنها تواجه اتساع الاحتياج، ثم تقدم هذا التوسع في صورة انتصار سياسي. وهكذا يصبح الفقر نفسه مادة لإنتاج سردية الإنجاز، وتصبح الرعاية أداة لضبط المجال العام لا فقط لمعالجة آثاره الاجتماعية.
في المحصلة تكشف احتفالية «أهل الخير 2» أن الحكومة لم تعد تفصل بين إدارة الحاجة الاجتماعية وإدارة الصورة السياسية. فالوزراء ربطوا الدعم مباشرة بالقيادة السياسية، والمؤسسات الرسمية أعادت تسويق الإطعام والحماية باعتبارهما إنجازًا مركزيًا للدولة، بينما تؤكد شهادات خبراء مثل أحمد إيهاب جمال الدين وجودة عبد الخالق وزياد بهاء الدين أن القضية لا تختزل في حجم الإنفاق، بل تمتد إلى العدالة والحقوق وفاعلية السياسات. لذلك يبدو المشهد أوضح من أي تجميل رسمي، إذ تتوسع شبكة الإعانات لأن الضغوط المعيشية تتعمق، ثم تُعاد صياغة هذا التوسع في خطاب يطلب من المواطن أن يقرأ حقه الاجتماعي بوصفه فضلًا سياسيًا مستحق الشكر لا موضوعًا للمساءلة والمحاسبة.

