تشهد العاصمة القاهرة موجة متصاعدة من الحرائق داخل منشآت صناعية، أسفرت خلال فترة قصيرة عن سقوط عشرات الضحايا بين قتيل ومصاب، ما أعاد إلى الواجهة ملف إجراءات السلامة المهنية داخل المصانع، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية أو تلك التي تعمل خارج الإطار الرسمي.

 

وخلال أقل من أسبوعين فقط، لقي 16 عاملًا مصرعهم وأصيب 17 آخرون بحالات اختناق وجروح متفاوتة، في حادثي حريق منفصلين ضربا مصنعين للملابس والأحذية في منطقتي سراي القبة بحي الزيتون بتاريخ 31 مارس 2026، والزاوية الحمراء في 14 أبريل الجاري، وسط حالة من القلق المتزايد بشأن تكرار هذه الحوادث في توقيت متقارب.

 

حوادث تتكرر وتُعيد الجدل

 

الحادثان الأخيريان لا يُنظر إليهما كوقائع منفصلة، بل كجزء من سلسلة ممتدة من حرائق القطاع الصناعي التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة، والتي طالت مصانع وورش إنتاج في أكثر من محافظة، وأسفرت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة.

 

ومن أبرز هذه الوقائع، حريق مصنع بمدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية في سبتمبر 2025، والذي أودى بحياة 13 عاملًا وأصاب 33 آخرين، في حادث أثار حينها موجة من المطالبات بتشديد الرقابة وتطبيق اشتراطات السلامة داخل المنشآت الصناعية.

 

أرقام تكشف حجم الظاهرة

 

تشير بيانات رسمية صادرة عن جهات إحصائية إلى أن المنشآت الصناعية تُعد من أكثر القطاعات تعرضًا للحرائق على مستوى الجمهورية، حيث تجاوز إجمالي عدد حوادث الحريق خلال عام 2025 حاجز 51 ألف حادث، مقارنة بالعام السابق، بما يعكس اتجاهًا تصاعديًا في معدلات الاشتعال والحوادث بشكل عام.

 

وتُظهر البيانات كذلك تسجيل نحو 533 حادث حريق داخل منشآت صناعية خلال العام ذاته، ما يجعل هذا القطاع في صدارة القطاعات المتضررة من الحرائق مقارنة بغيره من الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك قطاعات يُعتقد أنها أكثر تنظيمًا أو رقابة.

 

تكرار الحوادث يثير تساؤلات

 

ويشير خبراء ومتابعون للشأن الصناعي إلى أن تكرار الحوادث داخل بيئات العمل الإنتاجية يعكس وجود خلل في تطبيق معايير السلامة المهنية، خاصة فيما يتعلق بتوفير وسائل الوقاية الأساسية مثل أنظمة الإطفاء، ومخارج الطوارئ، والتدريب على مواجهة الحرائق.

 

كما لفتت تقديرات إلى أن عددًا من المصانع الصغيرة أو غير الرسمية قد يعمل دون التزام كامل بالاشتراطات القانونية، ما يزيد من خطورة وقوع حوادث تتحول سريعًا إلى كوارث بشرية، في ظل ضعف الاستعدادات أو تأخر الاستجابة.

 

الإهمال ضمن أبرز الأسباب

 

وتُرجع تقارير تحليلية أسباب عدد كبير من الحرائق إلى الإهمال أو سوء التخزين أو الاستخدام غير الآمن لمواد قابلة للاشتعال، إلى جانب حوادث عرضية أو أسباب لا يتم تحديدها بشكل دقيق في بعض الوقائع.

 

ويحذر مختصون من أن استمرار هذا النمط من الحوادث دون تدخلات وقائية حاسمة قد يؤدي إلى تفاقم الخسائر البشرية والمادية، خاصة في ظل تزايد الكثافة الصناعية داخل المناطق الحضرية.

 

انتقادات حقوقية ومطالب بالرقابة

 

وفي السياق ذاته، وجّهت منظمات حقوقية ونقابية انتقادات متكررة لضعف الرقابة على اشتراطات السلامة داخل بعض المصانع، معتبرة أن تكرار هذه الحوادث يكشف عن قصور في منظومة التفتيش الصناعي.

 

كما أشارت إلى أن بعض الحوادث وقعت داخل منشآت غير مرخصة أو تعمل في إطار غير رسمي، ما يحد من قدرتها على الالتزام الكامل بالمعايير القانونية والتنظيمية، ويضاعف من حجم المخاطر عند وقوع أي طارئ.