تتوسع شحاتة التوك توك في مصر خلال السنوات الأخيرة لتعد ظاهرة جديدة تفضح حجم التدهور المعيشي، فلم لم تعد الشحاتة مجرد وسيلة شعبية، بل تحوّلت في أحياء كثيرة إلى وسيلة شحاتة متحركة، تجوب الشوارع بحثًا عن “أي دخل في الوقت نفسه انتقلت الشحاتة إلى الفضاء الرقمي.

 

لايفات تيك توك امتلأت بحسابات تستجدي المتابعين ليل نهار، بين من يعرض فقره ومرضه، وبين من يبتكر طرقًا للاستعطاف أو الاستفزاز، حتى تحوّلت الظاهرة إلى ما يصفه بعض المغردين بـ“عصابات للنصب والاحتيال”.

 

بين الشارع والشاشة، ينعكس مشهد واحد: دولة أفقرت مواطنيها، وتركتهم يتدبرون أمرهم منفردين، بينما تتحول كرامتهم إلى سلعة معروضة على قارعة الطريق أو على شاشة الهاتف.

 

فتحوَّل تطبيق تيك توك في مصر من منصة ترفيه وتواصل إلى ساحة واسعة للشحادة الرقمية، بثوث مباشرة لا تتوقف، وجوه تبكي وتستعطف، نساء ورجال وأطفال يطلبون “gifts” وهدايا افتراضية تتحول إلى أموال حقيقية، مقابل بيع الفقر، وأحيانًا بيع الجسد والمحتوى التافه.

 

وراء المشهد شاشة هاتف، لكن خلفها واقع اقتصادي واجتماعي أكثر قسوة، فنظام عبد الفتاح السيسي أغرق المجتمع في الفقر والبطالة وغياب الأمل، فاندفع قطاع من المصريين إلى محاولة التربح من كل شيء: المرض، الخصوصية، الجسد، وحتى الكرامة، على أمل النجاة من الغلاء بأي طريقة.

 

من لايفات الاستعطاف إلى الشحادة المنظمة

 

شباب وفتيات يقضون ساعات طويلة في بث مباشر، يرددون جملة واحدة: “ادعمونا عشان نكمل”، “محتاجين مساعدة”، “معندناش أكل ولا دواء”.

 

الكاميرا مفتوحة والبيت كله في الخلفية؛ أطفال يبكون، أمهات بملابس المنزل، مرضى على الأسرة، ومتابعون يُدفعون نفسيًا لإرسال الهدايا.

 

شاب مصري يقيم في إيطاليا يحذر في مقطع تداوله حساب “رصد” من أن هذه اللايفات تدفع الشباب إلى اليأس والهجرة والموت، لأنه يرى صورة بلده على الشاشات في شكل شحاتة عامة لا تتوقف:

 

 

هذا الشاب يلخّص شعور جيل كامل يرى أن الدولة تخلّت عن واجبها في توفير عمل كريم وتعليم وخدمات، وتركت المواطنين يتصارعون على فتات “الجيفتس” الرقمية.

 

تيك توك هنا ليس سبب الأزمة، بل نافذة تكشف حجمها، وتحوّل الفقر إلى عرض مباشر أمام ملايين المشاهدين داخل مصر وخارجها.

 

ثقافة استجداء رقمية.. وسمعة بلد تُشوَّه

 

الشحادة على تيك توك لم تعد حكاية أفراد.

 

هناك حسابات تبني جمهورًا ثابتًا، وتعرف أوقات الذروة، وتستخدم عناوين صادمة لرفع المشاهدات، في ممارسات تشبه إدارة مشروع تجاري كامل قائم على الاستجداء.

 

أحد المغردين يصف الظاهرة بأنها خرجت عن السيطرة، ويحذر من تأثيرها السلبي على سمعة مصر، مستخدمًا تعبيرًا قاسيًا عن “زريبة مصر”، قبل أن يضيف أن “الشحاتة من الخليج ثقافة مصرية من أكبر واحد لأصغر واحد فيك يا مصر”:

 

 

 

هذا الغضب يعكس شعورًا عامًا بالخجل من صورة المصري أمام العالم؛ فبعد سنوات من الاعتماد على منح وقروض من الخليج لسد عجز الموازنة، أصبحت شاشات تيك توك امتدادًا لنفس المنطق: استجداء أموال من متابعين في الخليج وأوروبا، هذه المرة عبر لايفات فردية، لا عبر اتفاقات رسمية.

 

في الخلفية، يظهر نظام سياسي لم يكتفِ بإفقار المجتمع اقتصاديًا، بل سمح بترسيخ ثقافة الاستجداء من الخارج، من الدولة حتى المواطن، بدلًا من بناء اقتصاد إنتاجي حقيقي.

 

عصابات نصب وبيع جسد.. والفقر هو الوقود

 

جانب آخر من الظاهرة يكشفه مغردون مصريون يرصدون ما يحدث عن قرب.

 

حساب “الصقر” يشير إلى أن هناك “شحاتين حتى هنا مستغلين المواقع للشحته”، ويقول إنهم لو لم يكسبوا أموالًا لتوقفوا، مضيفًا أن هناك في المقابل من يستخدم نفس المنصات لتقديم محتوى محترم من طبخ وتعليم، بينما يكتفي آخرون بـ“رقص حواجبها”، في وقت “الناس طلعت الفضاء ونحن رقص وهز، نحن نتراجع إلى الوراء”:

 

 

 

هنا ينتقل النقد من الفقر إلى نوعية المحتوى؛ فبعض حسابات تيك توك تعرض الجسد، أو إيحاءات جنسية، أو رقصًا متكررًا، فقط لجذب الهدايا.

 

يتحوّل الجسد إلى أداة تحصيل أموال، في مجتمع يعاني أصلًا من أزمة قيم وتعليم، ويعيش تحت ضغط إعلام رسمي يروّج للتفاهة ويهاجم أي خطاب نقدي جاد.

 

حساب “أنين الصمت” يذهب أبعد، واصفًا “شحاتين التيك توك” بأنهم “أكبر عصابة للنصب والاحتيال”، ويذكر أن بعضهم يمتلك شققًا تمليك وأثاثًا فاخرًا، واشترى “فريزر ٤٥ ألف جنيه”، بينما يدّعي الفقر والمرض على مدار ٢٤ ساعة بث، ثم يقضي الليل في المطاعم والحفلات والرقص:

 

 

 

سواء كانت هذه الأرقام دقيقة في كل حالة أم لا، فإن الرسالة واضحة:

هناك من حوّل الشحادة الرقمية إلى تجارة كاملة، تستنزف عاطفة المتابعين، وتربح من وراء قصص كاذبة عن المرض والجوع، ما يخلق حالة من انعدام الثقة حتى في المحتاجين الحقيقيين.

 

في النهاية، لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن سياسات نظام السيسي الذي حوّل أغلبية المجتمع إلى طبقة مهددة بالفقر، وهمّش التعليم والثقافة، وفتح الأبواب أمام المحتوى التافه، بينما يطارد الصحافة الجادة ويضيّق على أي صوت نقدي.
تيك توك ليس سبب الخراب، بل مرآة تعكسه.

 

ومع كل بث مباشر لشحاتة جديدة، تتأكد حقيقة واحدة: مجتمع أُفقر اقتصاديًا وأُفسد أخلاقيًا تحت سلطة لم توفّر له عملًا كريمًا ولا حماية اجتماعية، فدفعته ـ أو سمحت بدفعه ـ إلى بيع فقره وجسده وكرامته على شاشة هاتف، من أجل بضع هدايا افتراضية لا تغيّر شيئًا في جذور الأزمة، لكنها تفضح حجمها كل يوم.