في الوقت الذي تتداول فيه وثائق قضية جيفري إبستين، وتتكشف خلالها أسماء وشبكات نفوذ سياسية ومالية عالمية، اختار ضاحي خلفان، نائب رئيس شرطة دبي، أن يزجّ باسم جماعة الإخوان المسلمين في قلب الفضيحة، متهمًا إياها بـ"الشذوذ" ومقارنًا بينها وبين إبستين أخلاقيًا.

 

خطاب خلفان جاء متجاهلًا الاتهامات والتسريبات التي تطال بيئة الحكم في أبوظبي، وما يُثار عن شبكات المال والبارات وصالات القمار ونفوذها، ومركزية دور محمد بن زايد في إدارة هذه المنظومة. بهذا المعنى، بدت تغريدات خلفان أقرب إلى محاولة صرف الأنظار عن الأسئلة المحرجة، عبر صناعة "عدو جاهز" اسمه الإخوان.

 

في المقابل، أعاد أكاديميون وناشطون قراءة الوثائق نفسها، مؤكدين أن كثافة ذكر الإخوان فيها لا تعني تورطًا أخلاقيًا أو جنائيًا، بل تعكس خوفًا وتحريضًا سياسيًا عليهم، وأن مناخ الفضيحة أقرب ـ بحسب تعبير بعضهم ـ إلى ممارسات أجهزة أمنية إماراتية منه إلى سجّل الجماعة.

 

 

تصعيد خلفان.. هجوم يخدم سردية أبوظبي الرسمية

 

خلفان نشر سلسلة تغريدات على منصة "إكس" هاجم فيها الإخوان بحدة، واصفًا إياهم بأنهم "ناقمون، متذمرون، حاقدون، كارهون، مفرقون، متشائمون"، وزاعمًا أنهم يدعون بتعثر حكام الوطن العربي، مقابل دعائه هو وآخرين بالتوفيق لهؤلاء الحكام. ثم ذهب إلى أبعد من ذلك بوصف الجماعة بأنها "شاذة عن الأمة"، وبأن من شذ "شذ في النار"، قبل أن يختم: "لا بارك الله في الإخوان".

 

هذا الخطاب لا يمكن فصله عن موقف سياسي راسخ لسلطات أبوظبي تجاه الإخوان، يقوم على تجريمهم والتحريض عليهم إقليميًا، وتوظيف الإعلام والأمن والقضاء في هذا المسار. الجديد هنا أن خلفان حاول استثمار فضيحة إبستين الأخلاقية لإضافة طبقة جديدة من التشويه، عبر تشبيه الإخوان بشبكة استغلال القاصرات التي كان يديرها رجل الأعمال الأمريكي.

 

الرد الأبرز جاء من الأكاديمي السعودي د. صغير العنزي، الذي اعتبر أن الأقرب إلى إبستين أخلاقيًا "من يصوّر نزلاء الفنادق ويهددهم بالمقاطع"، في إشارة إلى فضائح مرتبطة بأجهزة أمنية إماراتية. العنزي ذكّر بأن مناخ الابتزاز الجنسي والتجسس بالكاميرات مرتبط أكثر بممارسات سلطوية، لا بحركات سياسية معارضة كجماعة الإخوان.

 

 

العنزي أشار أيضًا إلى أن "جبل بطحاء" لم يظهر منه حتى الآن سوى بعض الأسماء مثل محمد بن زايد وسلطان بن سليم ويوسف العتيبة، في تلميح إلى أن ما كُشف من شبكة العلاقات المحيطة بفضيحة إبستين قد يكون جزءًا من بنية أوسع، تلتقي فيها المصالح السياسية والمالية الإماراتية مع دوائر النفوذ الدولية.

 

وثائق إبستين.. ذكر كثيف للإخوان بلا تهمة واحدة

 

على عكس السردية التي روّج لها خلفان وبعض المنابر الإعلامية، تُظهر مراجعات أكاديمية وقانونية أن ورود اسم الإخوان المسلمين في وثائق إبستين جاء في سياق تحريض وخوف سياسي، لا بوصفهم شركاء في شبكات الاستغلال الجنسي أو غسيل الأموال.

 

المتحدث السابق باسم جبهة العمل الإسلامي في الأردن خالد وليد الجهني نشر رسالة للكاتب عمر الفاروق حول الموضوع، أوضح فيها أن كثرة الرسائل التي تذكر الإخوان ـ نحو 400 رسالة ـ قد توحي لأول وهلة بأن هناك "انكشافًا" كبيرًا، لكن التدقيق يبيّن أن الوثائق خلت من أي اتهامات مباشرة أو أسماء قيادية متورطة.

 

 

الناشط الجزائري عبد الواجد خنين ذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن ذكر الإخوان بهذه الكثافة يعود إلى أنهم "الفئة الأنظف في ملاعب السياسة العربية"، وأن إدراجهم في هذا السياق جزء من محاولة مستمرة لتشويه التيار الإسلامي السياسي الأكثر تنظيمًا وحضورًا جماهيريًا، مقابل التغطية على فساد وشبكات نفوذ لطبقات حاكمة.

 

 

الأكاديمي خليل العناني أكد أن الوثائق تضم أكثر من 400 مادة عن الإخوان، معظمها مقالات وتحريض إعلامي منذ 2011، أي منذ صعود الجماعة ديمقراطيًا في سياق الربيع العربي. هذا يعني أن "الإخوان في الوثائق" كانوا هدفًا للحملات، لا شركاء في الجريمة. هذه القراءة تضع الهجوم الذي يشنه بن زايد ومنظومته، عبر واجهات مثل خلفان، في خانة استثمار فضيحة أخلاقية عالمية لتثبيت سردية سياسية مسبقة ضد الجماعة.

 

 

بهذا المعنى، يتحول الإخوان ـ في خطاب كثير من النشطاء والباحثين ـ إلى نموذج مضاد لصورة "السياسي الفاسد المنغمس في الشبكات الأخلاقية"، مقابل طبقات حكم تستخدم المال والإعلام والأمن لتغطية تورطها أو علاقتها ببيئات مشابهة للبيئة التي نشأ فيها ملف إبستين.

 

تمويل الاحتلال وازدواجية المعايير.. من يُشبِه إبستين حقًا؟

 

الوثائق نفسها تكشف جانبًا آخر من قصة إبستين، يتعلق بعلاقته بالاحتلال الإسرائيلي. فهي تشير إلى تبرعات قدّمها لـ"جمعية أصدقاء الجيش الإسرائيلي" وجمعيات استيطانية، وإلى مبلغ 15 ألف دولار للصندوق القومي اليهودي، إضافة إلى دعم كيانات أخرى مثل المجلس القومي للنساء اليهوديات. كما توثق مراسلات له عام 2012 أنكر فيها وجود فلسطين تاريخيًا، مدعيًا أنها "لم تكن يومًا بلدًا عربيًا. بالكامل".

هذا الجانب يفتح سؤالًا مباشرًا حول طبيعة الشبكات التي كان يتحرك فيها إبستين، وارتباطها بمشاريع الاحتلال والاستيطان، وهو سؤال يتجاهله خطاب ضاحي خلفان تمامًا، كما يتجاهله إعلام مقرب من أبوظبي والرياض، يفضّل التركيز على ربط الإخوان بالملف رغم غياب أي تهمة جنائية بحقهم في الوثائق.

 

الباحثة البريطانية بشرى الشيخ رأت أن الإعلام الغربي كان سيتعامل مع القضية بشكل مختلف لو كان إبستين مسلمًا أو عربيًا، معتبرة أن هناك ازدواجية معايير واضحة في طريقة استحضار الدين والانتماء السياسي عند تناول قضايا الفساد الأخلاقي.

 

الإعلامي نور الدين عبد الحافظ علّق ساخرًا بأن إبستين لو كان مصريًا لكان جزءًا من الأعمال الدرامية التي تشوّه الإخوان على الشاشات، في إشارة إلى "نهج عسكري" يوظف الفن والصحافة لتشويه الخصوم، تمامًا كما يوظف ضاحي خلفان منصته الأمنية والإعلامية اليوم لتشويه جماعة الإخوان وتبرئة دائرة بن زايد.
 

 

في ضوء هذه المعطيات، يرى كثير من النشطاء أن ما يقوم به خلفان ليس تحليلًا أخلاقيًا لفضيحة إبستين، بل "دراما مفضوحة وهابطة" لتبييض صورة محمد بن زايد، وتحويل الأنظار عن الأسئلة الحقيقية حول شبكات النفوذ والمال والقمار والتجسس في أبوظبي ودبي. في المقابل، تبدو جماعة الإخوان ـ وفق ما يكشفه نص الوثائق لا سردية خصومها ـ بعيدة عن فضيحة إبستين أخلاقيًا وجنائيًا، لكنها حاضرة بقوة كهدف للتحريض، ما يعزز صورة الحركة كخصم سياسي تسعى أنظمة خليجية ومتحالفة معها إلى تشويهه بكل وسيلة ممكنة.