في بلدٍ يدفع فيه المواطن فاتورة الغلاء كل يوم—من الكهرباء إلى الطعام—خرجت فكرة صادمة لتضيف عبئًا جديدًا تحت لافتة “الأمان”: اقتراح بإضافة 30 جنيهًا على إيصال الكهرباء لتمويل خطة مواجهة الكلاب الضالة.
الاقتراح ظهر في تغطيات صحفية باعتباره “مبلغًا ضئيلاً” مقابل “بيئة آمنة”، ثم عاد صاحبه لينفي/يقلّل من دقة ما نُسب إليه، مؤكّدًا أنه لا يريد تحميل المواطنين أعباء إضافية.
هذه الحلقة ليست مجرد جدل عابر؛ بل كاشفة لعقلية ترى أن أقصر طريق لحل مشكلات الدولة هو فاتورة المواطن—وعندما يتصاعد الغضب، يصبح الحل الأقصر هو التراجع الكلامي دون مساءلة.
اقتراح “الـ30 جنيه”: ضريبة مقنّعة باسم السلامة العامة
وفقًا لتغطيات صحفية، نُقل عن وكيل لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ، النائب علاء عبد النبي، حديثه عن “إمكانية إضافة” رسوم 30 جنيهًا على إيصال الكهرباء باعتبارها دعمًا مخصصًا من الأسر لتنفيذ خطة التعامل مع الكلاب الضالة، وجرى تقديم الفكرة على أنها بسيطة قياسًا بـ“العائد” المتمثل في الحد من اعتداءات الكلاب الضالة وتحقيق بيئة أكثر أمانًا.
لكن المشكلة هنا ليست “قيمة المبلغ” فقط—المشكلة في الفلسفة: لماذا تكون الاستجابة الأولى للأزمة هي فرض عبء جماعي عبر خدمة أساسية مثل الكهرباء؟ ولماذا تُطرح الجباية قبل أن نرى كشف حساب واضحًا لما صُرف سابقًا، وما هي فجوات التنفيذ، ومن المسؤول عن الفشل؟
الأدهى أن السياق نفسه يكشف فجوة مالية وإدارية ضخمة. تقارير عن مناقشات الملف تحدثت عن أرقام كبيرة لحوادث العقر وتكاليف علاجها؛ ففي تغطية برلمانية/إعلامية قيل إن هناك 1.6 مليون حالة عقر وتكلفة علاج “تقترب من ملياري جنيه”، مع طرح سيناريوهات تشمل بناء ملاجئ بل وحتى “القتل الرحيم” بعد استطلاع رأي مؤسسات دينية.
وفي تغطية أخرى، ورد أن ما تم اعتماده كبداية لا يتجاوز 14 مليون جنيه رغم أن الاحتياجات أكبر بكثير.
أي أن الصورة العامة هكذا: أزمة متضخمة بالأرقام، وتمويل متواضع أو غير كافٍ، ثم فجأة يقفز الحل إلى جيب المواطن عبر فاتورة الكهرباء—كأن المواطن هو “بند الاحتياطي” الدائم لأي فشل مؤسسي.
تراجع: نفيٌ هنا وتوضيحٌ هناك… ومن يدفع ثمن الفوضى؟
بعد موجة الجدل، ظهرت تصريحات تنفي “فرض” الرسوم وتؤكد أن الحديث كان عن مشاركة المجتمع المدني دون تحميل المواطنين أعباء إضافية.
وفي تغطية أخرى، قيل على لسان النائب إنه “لم يتحدث” عن هذا الاقتراح أصلًا وأن ما يُنشر “لا أساس له”.
هنا تحديدًا يتعمق جوهر الأزمة:
- إذا كانت التغطيات التي نقلت فكرة الـ30 جنيه “غير دقيقة”، فأين التصحيح المؤسسي الشفاف؟
- وإذا كان الاقتراح قيل فعلًا ثم جرى التراجع عنه تحت ضغط الغضب، فأين الاعتذار عن طرح عبء جديد على الناس؟
- وكيف يستقيم أن يظهر الاقتراح في أكثر من تغطية، ثم يتحول فجأة إلى “لم أقصد” أو “لم أقل”؟
المسألة ليست معركة “مانشيتات”.
المسألة هي إدارة رأي عام بطريقة تفتقر للحد الأدنى من احترام المواطن: طرح جباية تحت عنوان نبيل، اختبار رد الفعل، ثم التراجع اللفظي دون أي التزام مكتوب أو إعلان رسمي يوضح ما الذي نوقش فعلًا داخل اللجان، وما الذي لم يُناقش.
والأخطر أن هذا الأسلوب يُنتج أثرًا سياسيًا واجتماعيًا مدمرًا: المواطن يزداد قناعةً بأن المؤسسات لا تبحث عن حلول بقدر ما تبحث عن منافذ تحصيل—وعندما تنكشف الحساسية، تتحول الحكاية إلى “سوء فهم”.
حلول علمية بلا جباية: التمويل العادل يبدأ من الدولة لا من فاتورة الكهرباء
لنكن واضحين: ظاهرة الكلاب الضالة ليست هينة، وحوادث العقر ومخاطر السعار قضية صحة عامة تستحق حلولًا جدية. لكن الجدية لا تعني أبدًا استسهال فرض رسوم عشوائية على خدمة أساسية. الحلول “النظيفة” تبدأ من سؤالين: من المسؤول؟ وأين الخطة؟ ثم: كيف نضمن تمويلًا عادلاً وشفافًا؟
هناك بالفعل حديث رسمي/إعلامي عن مسارات أكثر عقلانية:
- وزارة الزراعة أطلقت حملة قومية لتعقيم وتطعيم الكلاب الضالة، مع أرقام تنفيذ مبدئية (تطعيم آلاف الكلاب وتعقيم المئات) ضمن هدف “مصر خالية من السعار بحلول 2030”.
- كما نُشرت تقارير عن توجه لإنشاء ملاجئ للكلاب الضالة بعيدًا عن المناطق السكنية ضمن استراتيجية “رفق بالحيوان” واحتواء الظاهرة.
هذه المسارات—التعقيم والتطعيم والملاجئ وإدارة المخلفات—هي لغة العلم والإدارة، لا لغة “جرّبوا ندفع 30 جنيه”. لكن هذه المسارات تحتاج تمويلًا صحيحًا، والتمويل الصحيح له بدائل واضحة:
- إعادة ترتيب أولويات الموازنة داخل أجهزة الدولة والمحليات: الأزمة “خدمة عامة”، ومن غير المنطقي تحميلها للمواطن عبر فاتورة الكهرباء بينما بنود كثيرة تلتهم الموارد دون شفافية كافية.
- تمويل محلي موجّه: بدلًا من رسم شامل على كل بيت، يُربط التمويل بأدوات محلية تُدار رقابيًا (موازنات نظافة/محليات/إدارة مخلفات) لأن جزءًا كبيرًا من الظاهرة يتغذى من القمامة المكشوفة ومناطق الإطعام العشوائي.
- شراكة حقيقية مع المجتمع المدني: نعم للتبرعات—لكن ضمن إطار رسمي منشور: حساب معلن، أهداف قابلة للقياس، تقارير شهرية بعدد الكلاب المُعقمة والمُطعمة، وعدد البلاغات المُستجابة، وتكلفة كل بند. لا “تبرعات” بلا حوكمة، لأن “تبرعات بلا حوكمة” معناها باب جديد للفوضى أو الشبهات.
- مساءلة قبل التمويل: إذا كانت الأرقام المتداولة عن الحالات والتكاليف ضخمة، وإذا كان المعتمد المالي محدودًا، فالمنطقي هو مساءلة الجهات التنفيذية: لماذا تأخر التنفيذ؟ أين تعثّر؟ ما المحافظات الأكثر خطورة؟ ما جدول زمني ملزم؟
الخلاصة الحادة التي لا يجب تجميلها: طرح رسوم على فاتورة الكهرباء لمكافحة الكلاب الضالة—even لو كان “اقتراحًا”—يكشف ميلًا تلقائيًا لتحويل أي أزمة إلى عبء على المواطن بدلًا من إصلاح الإدارة وتمويل الحل من مصادره الطبيعية داخل الدولة. ثم إن التراجع المتأخر، بصيغ “لم أقصد/لم أقل”، لا يمحو الرسالة الأصلية التي وصلت للناس: “ادفعوا أولًا… ثم نتناقش”.
إذا كانت الدولة جادة في ملف الكلاب الضالة، فلتكن الجدية في ثلاث كلمات: خطة، تمويل، شفافية—لا جباية، ثم إنكار.

