مع إعلان وفاة القاضي محمد ناجي شحاتة يوم الجمعة 6 فبراير 2026 عن عمر ناهز 71 عامًا، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي في مصر وخارجها تحت وسم ‎#ناجي_شحاتة، بين شماتة صريحة، واستدعاء لقصص الإعدامات والتعذيب، وتذكير بسجل قضائي ارتبط بأحكام قاسية بالجملة منذ ما بعد انقلاب 2013.

 

شُيّعت جنازته من مسجد مصطفى محمود في الجيزة، بينما كانت ذاكرة الآلاف على الإنترنت تعيد نشر مقاطع لضحاياه في قاعات المحاكمة، وتقارير حقوقية وإعلامية تصفه بـ«قاضي الإعدامات» الذي أصدر عشرات، بل مئات أحكام الإعدام والمؤبد في قضايا سياسية وجماعية، كثير منها أُلغي في النقض أو أُحيط بانتقادات دولية حادة.

 

في خلفية هذا الغضب، يطفو سؤال العدالة المؤجل: ماذا يعني موت قاضٍ ارتبط اسمه عند قطاع واسع من المصريين بالتسييس، والتعذيب، وأحكام الموت الجماعية؟ هل تُطوى صفحة «قاضي الإعدامات» برحيله، أم أن ما جرى في محاجره سيظل ملفًا مفتوحًا في ذاكرة الضحايا وأهاليهم، وإن سكتت عنه مؤسسات الدولة؟

 

آيات وغضب صريح

 

الانطباع الأول لمن يتابع الوسم ‎#ناجى_شحاتة أن جزءًا كبيرًا من المصريين الغاضبين لم يحاول حتى تجميل مشاعر الغضب.

 

المغرد محمد اختار آية قاطعة من سورة الأنعام، وكأنها تلخيص لرحيل الرجل:

«﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الأنعام ٤٥ #ناجى_شحاتة»

 

 

 

أما ياسين فاستعاد حكاية شهيرة مع الحجاج بن يوسف، ليقول إنه يستمتع كل مرة بسماع خبر موته، في إسقاط مباشر على رحيل القاضي:

«… أستمتع بسماع الخبر #ناجي_شحاتة»

 

 

 

اليوتيوبر عبد الله الشريف ذهب أبعد من ذلك، فنعاه بلغة دعاء قاسٍ، مستحضرًا ألمه وألم آلاف الأسر التي طالتها أحكام هذا القاضي:

«هلك منذ ساعات محمد ناجي شحاتة… فاليوم تستوي الرؤوس أمام عدالة السماء، فاللهم مكنهم منه ولا تكتب عليه رحمة ولا تقبل له توبة…»

 

 

 

الإعلامي أسامة جاويش اختصر المشهد في جملة حادة:

«مـ ـ ـات ناجي شحاتة.. مـ ـ ـات قاضي الإعـ ـ ـدامـ ـات الظـ ـالم المجـ ـ ـرم!»

 

 

هذا السيل من الآيات والدعوات والقسوة اللفظية يعكس حجم الجرح المرتبط باسم الرجل؛ بالنسبة لكثيرين، نحن لا نتحدث عن قاضٍ متشدّد فحسب، بل عن رمز لمرحلة كاملة من القضاء المسيّس، حيث تصدر أحكام بالموت والمؤبد خلال جلسات معدودة في قضايا جماعية تضم مئات المتهمين دفعة واحدة، كما وثّقت منظمات حقوقية ووسائل إعلام دولية.

 

وجوه الضحايا تعود: من محمود الأحمدي إلى شهادات التعذيب

 

جزء آخر من «تقرير السوشيال» صنعته وجوه الضحايا، لا تغريدات الناشطين فقط.

 

الطبيب د. حسام فوزي جبر نشر مقطعًا للشهيد محمود الأحمدي وهو يشرح أمام المحكمة كيف انتُزع منه الاعتراف تحت التعذيب الكهربائي، مذكرًا بأن المستشار ناجي شحاتة سمع هذه الشهادة كاملة قبل أن يحكم عليه بالإعدام:

«من يتحدث في هذا الفيديو هو الشهيد محمود الأحمدي الذي حكم عليه ناجي شحاته بالإعدام شنقا ظلما وعدوانا… اليوم يلحق ناجي شحاته (قاضي الإعدامات) بمن ظلمهم وقضى بإعدامهم ليجتمعوا بين يدي ربهم للقصاص…»

 

 

الناشطة نسرين نعيم أعادت نشر حوار شهير دار في قاعة المحكمة بين القاضي وأحد المتهمين، محمود محمود، يشتكي فيه من التعذيب، قبل أن يرد عليه القاضي ببرود: «بس أنت اعترفت يا محمود»، فيعلق الشاب:

«اديني صاعق كهربى ودخلني أنا وأنت في أوضة وأنا أخليك تعترف إنك قتلت السادات!! "احنا اتكهربنا كهربا تكفى مصر عشرين سنة" اهو جالك يا محمود خد حقك منه ادام الديان…»

 

 

 

الداعية د. محمد الصغير اختار زاوية أخرى؛ لم يشمت فقط، بل قدّم توصيفًا مكثفًا لمسيرة الرجل:

«مات قاضي الإعدامات: اشتهر بفعله وصفته أكثر من اسمه… انتقل إلى ساحة القضاء الكبرى، التي ينتظره فيها خصوم كثر، عند الحكم العدل الذي لا تضيع عنده الحقوق.»

 

 

 

الكاتبة د. مها عزام وضعت رحيل القاضي في سياق أوسع لقمع المعارضة:

«ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء.. زج بالآلاف في المعتقلات ، وأصدر في حق آخرين أحكاما بالإعدام.. وفاة #ناجى_شحاتة ، أبرز وجوه نظام السيسي في القضاء المصري.»

 

 

هذه الشهادات المتناثرة على X تعيد رسم صورة رجل وصفته تقارير عربية ودولية بأنه صاحب «أحكام إعدامات بالجملة» في قضايا رابعة، وكرداسة، وغرفة عمليات رابعة، وغيرها، حيث وصلت أعداد من أحالهم إلى المفتي تمهيدًا للإعدام إلى المئات، بينهم قادة في جماعة الإخوان ومعارضون بارزون، قبل أن تُلغى أجزاء واسعة من هذه الأحكام في مراحل لاحقة أو تُخفَّف.

 

نقد مهني وسؤال العدالة: ماذا بعد موت «قاضي الإعدامات»؟

 

لم تقتصر ردود الفعل على خطاب الشماتة والدعاء؛ بل ظهرت أيضًا أصوات تُذكّر بأن المؤسسة القضائية نفسها سبق أن سجّلت ملاحظات مهنية خطيرة على سلوك ناجي شحاتة.

 

الكاتب الصحفي سليم عزوز استعاد قرارًا لمحكمة الاستئناف اعتبرت فيه أن آراء القاضي السياسية المعلنة أفقدته الحيدة والنزاهة:

«إدانة مهنية لـ"قاضي الإعدامات" من "الاستئناف": آراء ناجي شحاتة السياسية أفقدته "الحيدة والنزاهة"»

 

 

الطبيب والكاتب د. مصطفى جاويش علّق على تصريحات المحامي أسعد هيكل، التي ألمح فيها إلى أن أحكام الإعدام أو البراءة قد تتأثر بالهوى والمجاملة وجني الأموال، واعتبرها «فضيحة علنية» تفضح ما وراء الكواليس في منظومة العدالة:

«كلام المحامى اسعد هيكل يفضح حقيقة أن الأحكام بالإعدام أو البراءة تصدر حسب الهوى والمجاملة أو حصد الأموال، فضيحة علنية»

 

 

 

الصحفية شيرين عرفة لخّصت شعور شريحة واسعة من المعلقين في جملة واحدة:

«تخيل أن تلقى الله وهذه هي صحيفة أعمالك ● مات القاضي الظالم "ناجي شحاتة" الذي افتخر بأنه قاضي الإعدامات وكلب العسكر… (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا…)»

 

 

 

الفنان وجدي العربي رسم صورة درامية للحظة الموت، بين منصة القضاء الأرضي و«قاضي السماء»:

«رحل "ناجي شحاتة".. رحل من كان يوزع الإعدامات بالجملة، وترك المنصة والحراسة، وذهب ليواجه "قاضي السماء" وحيداً… "وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الْخُصُومُ"»

 

 

في قلب هذا المشهد المتلاطم، يبرز تقرير للجزيرة ومواقع أخرى يشير إلى أن لقب «قاضي الإعدامات» لم يكن اختراعًا للدعاية المعارضة، بل توصيفًا تكرر في صحافة دولية مثل فاينانشال تايمز، وفي تقارير حقوقية انتقدت غياب معايير المحاكمة العادلة، والجلسات الجماعية، والتصريحات السياسية للقاضي نفسه عن ثورة يناير والمعارضين.

 

ومع أن الموت يطوي صفحة الرجل في الدنيا، فإن موجة التعليقات على رحيله تكشف أن قضية تسييس القضاء المصري، واستخدامه أداةً لتصفية الخصوم، لن تُدفن معه.

السوشيال ميديا هنا ليست مجرد مساحة للشماتة، بل أرشيف حيّ لآلاف الأصوات التي تقول: رحل «قاضي الإعدامات»، لكن ملفات الإعدام الجماعي، والتعذيب، والمحاكمات الجائرة، ما زالت تنتظر موعدها مع عدالة لا تُكتب في حيثيات حكم، بل في ذاكرة مجتمع يريد أن يصدّق أن الظلم – مهما طال – له نهاية وحساب.