قبل أيام من حلول رمضان، تقف أغلب الأسر المصرية أمام رفوف السوبرماركت ومحال البقالة وهي تعيد الحسابات من جديد: ماذا نشتري؟ وماذا نُلغي من قائمة الشهر؟ فبعد موجات تضخم غذائي وصلت في ذروتها إلى أكثر من 70% في 2023، ثم تباطأت إلى نحو 1.5% فقط بنهاية 2025، استقرت الأسعار عند مستوى مرتفع لا يعود إلى الوراء، بينما دخول معظم المصريين تكاد تكون ثابتة.

 

وبمرور سريع لأسعار اليوم يكفي لشرح كلمة «جنون»: كيلو السكر بين 27 و35 جنيهًا، الأرز 22–38 جنيهًا للكيلو، الزيت من 45 إلى 75 جنيهًا للزجاجة، الفراخ البيضاء للمستهلك بين 89 و95 جنيهًا، اللحم البلدي 350–420 جنيهًا، والخضروات الأساسية مثل الطماطم والبطاطس والبصل والخيار تتحرك في نطاقات لا تقل كثيرًا عن 10–20 جنيهًا للكيلو في أسواق التجزئة.

 

ورغم أن الخطاب الرسمي وخطاب شعب «المواد الغذائية» يتحدثان عن «استقرار» و«عصر ذهبي»، فإن الواقع على موائد المصريين يقول شيئًا آخر تمامًا.

 

سكر وزيت ودواجن.. سلة الفقير تحترق قبل الأذان

 

يؤكد حازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية، أن سوق السكر «مستقر نسبيًا» وأن السلعة متوافرة بلا أزمات، موضحًا أن سعر طن السكر من أرض المصنع يدور حول 22–23 ألف جنيه، وأن كيلو السكر للمستهلك يتراوح حاليًا بين 27 و35 جنيهًا حسب النوع والعلامة التجارية. كما يشير إلى أن الأرز يباع بين 22 و38 جنيهًا للكيلو، والزيت 700 مل بين 45 و55 جنيهًا، واللتر بين 65 و75 جنيهًا، والدقيق 18–25 جنيهًا للكيلو، والمكرونة وزن 400 جرام بين 11 و15 جنيهًا.

 

هذه الأرقام، في لغة الغرف التجارية، تسمى «استقرارًا»؛ لكنها لأسرة متوسطة تريد تخزين 5 كيلو سكر و5 كيلو أرز و4 زجاجات زيت قبل رمضان تعني فاتورة قد تقترب من 600 جنيه في «طلعة» واحدة، قبل أن تشتري شيئًا من البروتين أو الخضار أو الفاكهة. ومع متوسط أجور واسع لا يتجاوز عدة آلاف من الجنيهات، تصبح أبسط سلة غذاء موسمية عبئًا شهريًا متكررًا، لا مجرد «موسم» يمكن تحمّله مرة في السنة.

 

المفارقة أن سعر كيلو السكر الحر كان 27 جنيهًا فقط في بداية 2024 وفق تسعيرة حكومية ومعارض «أهلاً رمضان»، ما يعني أن الشريحة الأعلى اليوم (35 جنيهًا) تمثل زيادة ملحوظة على ما كان يُسوَّق العام الماضي باعتباره حلاًّ لأزمة السكر.

 

في ملف البروتين الشعبي، تقول بيانات أسواق الجملة والتجزئة إن سعر الفراخ البيضاء في البورصة يدور بين 75 و82 جنيهًا، ويصل للمستهلك في المحلات ما بين 89 و95 جنيهًا للكيلو، بينما تباع الفراخ «الساسو» للمستهلك بمتوسط 105 جنيهات، والبلدي بين 106 و110 جنيهات. كما استقرت كرتونة البيض (أحمر أو أبيض) بين 110 و120 جنيهًا في التجزئة.

 

رغم هذه المستويات، ينفي سامح السيد، رئيس شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية، وجود «مغالاة»، معتبرًا أن تحرك السعر من 75 إلى 85 جنيهًا في المزرعة «زيادة موسمية طبيعية»، وأن المشكلة الحقيقية في جشع بعض محال بيع الطيور الحية.

 

المستهلك، في المقابل، لا يهمه إن كان الجشع في المزرعة أم في المحل؛ ما يراه ببساطة أن كيلو الفراخ يقترب من 100 جنيه، وكرتونة البيض تتجاوز 110 جنيهات، في وقت تقول فيه إحصاءات رسمية إن نسبة كبيرة من الأسر المصرية اضطرّت بالفعل لتقليل استهلاكها من الغذاء خلال السنوات الماضية بسبب الأسعار.

 

ياميش وتوابل ولحوم.. رمضان للأغنياء فقط؟

 

ملف الياميش والتوابل يكشف بوضوح كيف تحوّل رمضان إلى موسم طبقي بامتياز. فوفق قائمة أسعار ياميش رمضان في المجمعات الاستهلاكية وسلاسل الهايبر، يتراوح سعر البلح الناشف (كيلو) بين 33 و60 جنيهًا، بينما يباع البلح نصف الجاف في عبوات 700–800 جرام بين 50 و75 جنيهًا، ويصل تمر سكري سعودي إلى نحو 285 جنيهًا للكيلو، والتمر السادة الفاخر إلى 150 جنيهًا.

 

أما المكسرات والفواكه المجففة، فالصورة أكثر قسوة: طبق كاجو 250 جرامًا بنحو 167.5 جنيه، وعين الجمل 250 جرامًا 160 جنيهًا، والفستق 250 جرامًا 205 جنيهات، واللوز 250 جرامًا بين 90 و132.5 جنيهًا، والبندق 500 جرام يصل إلى 210 جنيهات. علبة القراصيا 250 جرامًا عند 80–105 جنيهات، والمشمشية 250 جرامًا 110–125 جنيهًا، وكيلو الكركديه 200 جنيه.

 

بكلمات أبسط: كيلو المكسرات المشكّلة يمكن أن يتجاوز الألف جنيه، وكرتونة ياميش متوسطة الجودة بوزن 4–5 كيلوجرامات تدور بين 1,800 و2,700 جنيه، أي ما يعادل نصف أو كامل معاش شريحة واسعة من المتقاعدين.

 

هنا يظهر صوت عبد الفتاح رجب العطار، رئيس شعبة العطارة باتحاد الغرف التجارية، ليؤكد أن أسعار ياميش رمضان شهدت «انخفاضًا» يصل إلى 20–30% في بعض الأصناف، وأن الزبيب يُنتَج محليًا الآن بجودة عالية، وأن هناك وفرة في المعروض.

 

هذا الكلام صحيح جزئيًا إذا قيس بأسعار قفزت بشكل جنوني في ذروة أزمة التضخم وسعر الصرف، لكن المواطن لا يقارن اليوم بذروة العام الماضي، بل بما كانت تمثّله هذه السلع في حياته قبل سنوات: حفنة من المكسرات، ولفّة قمر الدين، وبلح معقول السعر. الآن تحوّل جزء كبير من «ياميش رمضان» إلى رفّ للفرجة، أو إلى كرتونة صغيرة تُشترى «على قد العيال» كأنها هدية فاخرة لا مكوّنًا ثابتًا من مائدة الشهر.

 

في اللحوم، الصورة ليست أفضل حالًا. فبحسب بيانات الأسواق الرسمية، يتراوح سعر كيلو اللحم البلدي الكندوز بين 350 و420 جنيهًا، بينما يباع لحم الضأن بين 350 و400 جنيه، واللحم الجملي بين 300 و350، مع أسعار للكبدة البلدي بين 350 و400 جنيهًا للكيلو.

 

الرسالة العملية واضحة: كيلو لحم واحد يمكن أن يلتهم عُشر أو خمس دخل أسرة عاملة من شريحة الأجور الدنيا، فإذا قررت الأسرة أن تطبخ اللحم مرة واحدة أسبوعيًا، تصبح فاتورة اللحوم وحدها مئات الجنيهات شهريًا، في بلد كانت فيه «الفتة باللحمة» طبقًا شعبيًا في مناسبات متكررة، لا رفاهية موسمية نادرة.

 

خضروات وفاكهة.. استقرار في نشرات الأخبار لا في جيوب الناس

 

التقارير اليومية لأسواق الجملة تتحدث عن «استقرار ملحوظ» في أسعار الخضروات والفاكهة: الطماطم بين 5 و9 جنيهات للكيلو، البطاطس 4.5–8.5، البصل 4–9، الكوسة 15، الجزر 6–8، الباذنجان البلدي 8–12، الفلفل 14–18، الملوخية 20–22، الخيار 10–15، البسلة 18–22، الليمون 10–20. أما الفاكهة، فالكيلو من البرتقال البلدي أو السكّري بين 8 و12 جنيهًا، وأبو سرة 10–16، واليوسفي 5–11، والجوافة 16–26، والفراولة 15–21 جنيهًا.

 

لكن هذه أسعار الجملة في «سوق العبور»، وتوصي التقارير نفسها بإضافة 3–7 جنيهات للكيلو عند البيع بالتجزئة، أي أن كثيرًا من الأصناف يتخطى فعليًا حاجز 20 جنيهًا للكيلو في الأحياء الشعبية والمتوسطة، إذا أضفنا تكلفة النقل والتغليف وهوامش الربح.

 

في هذا السياق، يخرج حاتم النجيب، نائب رئيس شعبة الخضار والفاكهة باتحاد الغرف التجارية، ليؤكد أن أسعار الخضار والفاكهة في معارض «أهلاً رمضان» ستشهد تخفيضات بين 25 و30%، وأن لدى مصر «فائضًا كبيرًا» من الإنتاج الزراعي واكتفاءً ذاتيًا في الخضروات والفاكهة.

 

مرة أخرى، الصورة على الورق تبدو مطمئنة: فائض إنتاج، اكتفاء ذاتي، تخفيضات في المعارض.

لكن من الناحية الواقعية، هذه المعارض مؤقتة ومحدودة جغرافيًا، بينما ملايين الأسر تشتري من بقالة الحارة أو سوق الحي بالأسعار الكاملة، بعد أن أضيف فوقها أثر زيادات الوقود والكهرباء على تكلفة كل كيلو خضار وفاكهة.

 

على مستوى المؤشرات الكلية، يشير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن معدل التضخم السنوي للطعام والمشروبات تباطأ إلى نحو 1.5% في نهاية 2025، بعد انفجار قياسي في 2023، لكن هذا يعني ببساطة أن الأسعار توقفت عن الصعود السريع بعد أن وصلت بالفعل إلى قمة عالية، وليس أنها عادت إلى ما كانت عليه قبل التعويمات المتتالية للجنيه.

 

في المقابل، يصف هشام الدجوي، رئيس شعبة المواد الغذائية بغرفة الجيزة، الوضع بأنه «عصر ذهبي» للمواد الغذائية، مؤكدًا توافر جميع السلع الأساسية، وأن مخزون السكر يكفي 12–14 شهرًا، وأن الأسعار مستقرة منذ عامين بل وتنخفض أحيانًا، بعد أن أوقفت مصر استيراد السكر وتحولت للاكتفاء الذاتي.

 

كلام يتسق مع رواية رسمية تعتبر أن وفرة المخزون وتراجع معدلات التضخم كافية لإعلان النصر في معركة الغلاء.

لكن بيانات أخرى – منها تقارير بأن 74% من الأسر المصرية خفّضت استهلاكها من الغذاء في 2022 بسبب الأسعار – تقول إن «العصر الذهبي» هو عصر وفرة السلع على الرفوف، لا وفرة الطعام على الموائد. 

 

في النهاية، يمكن تلخيص المشهد في معادلة بسيطة: أسعار الطعام في مصر اليوم ليست فقط أعلى مما كانت عليه قبل سنوات، بل باتت منفصلة عن واقع الأجور وقدرة الأسر على الشراء.

سكر وزيت ودواجن وياميش ولحوم وخضروات وفاكهة تُسوَّق رسميًا بوصفها «متوافرة وبأسعار مستقرة»، لكنها على المستوى المعيشي تمثل ضغطًا شهريًا خانقًا، يدفع ملايين المصريين إلى تقليص الكميات، أو استبدال البروتين بالخبز والمكرونة، أو الاكتفاء بـ«نَفَحات رمضانية» رمزية بدلًا من الموائد الرحبة التي عرفوها لعقود.

 

ما لم يُترجَم هذا «الاستقرار» في المؤشرات إلى عدالة في هوامش الربح، وضبط حقيقي للحلقات الوسيطة، وسياسات جادة لرفع الأجور وحماية الفقراء، سيظل رمضان بالنسبة لكثيرين موسمًا يُذكِّرهم كل عام بأن الجنون الحقيقي ليس في أسعار الطعام وحدها، بل في الفجوة بين خطاب الأرقام وحقيقة البطون الخاوية.