تشهد سوق الهواتف المحمولة في مصر واحدة من أعنف موجات الغلاء خلال الشهور الأخيرة، بعد قرار حكومة الانقلاب إلغاء الإعفاء الجمركي على الهواتف المستوردة من الخارج. القرار، الذي جاء بتفاهم بين الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ومصلحة الجمارك، انعكس خلال أيام على قوائم الأسعار الرسمية للشركات العاملة في السوق، وفي مقدمتها شركة ريلمي التي رفعت أسعار عدد من هواتفها بقيم وصلت إلى 1,000 جنيه للجهاز الواحد، أي بما يعادل تقريبًا 10% دفعة واحدة.
في ظاهر الأمر تبدو الخطوة استجابة طبيعية لزيادة الأعباء الضريبية، لكن في الجوهر هي حلقة جديدة في سلسلة نقل الأزمة المالية للدولة إلى جيوب المستهلكين، وسط اعتراف من تجار وخبراء بأن السوق أصبحت على حافة الركود، وأن المستهلك بات محاصرًا بين قرارات حكومية جائرة وشركات تستغل الظرف لتحقيق أكبر هامش ربح ممكن.
قرار واحد.. وأسعار ريلمي تقفز والطلب يختنق
منذ الإعلان عن إنهاء الإعفاء الجمركي للهواتف، لم تحتج ريلمي سوى أيام معدودة لتعلن قوائم أسعار جديدة تحمل قفزات واضحة. وفق الأسعار الرسمية، ارتفع سعر هاتف Realme C85 سعة 8/256 من 9,600 جنيه إلى 10,499 جنيهًا، وقفز سعر Realme C75x إلى حوالي 7,240 جنيهًا، بينما سجّل هاتف Realme C71 سعة 6/128 نحو 6,770 جنيهًا، وبلغ سعر Realme Note 60x سعة 4/128 حوالى 5,170 جنيهًا. هذه الأرقام، كما يعلق خبير في سوق المحمول يعمل مستشارًا لعدة سلاسل تجزئة في القاهرة، تعكس ما يسميه “الترجمة الفورية” للقرار الحكومي على فاتورة المواطن، موضحًا أن الشركات لا تتحمل من الزيادة الجمركية شيئًا تقريبًا، بل تمررها بالكامل إلى المستهلك مع هامش أمان إضافي تحسبًا لتقلبات سعر الصرف وضرائب جديدة محتملة.
الخبير نفسه يؤكد أن السوق كانت أصلًا تحت ضغط تضخم متراكم خلال السنوات الماضية، وأن أي زيادة إضافية بنسبة 10% في هذه اللحظة تعني عمليًا إخراج شريحة جديدة من المستهلكين من سوق الهواتف الجديدة، ودفعهم إلى سوق المستعمل أو تأجيل الشراء لأجل غير معلوم، وهو ما بدأ يظهر بالفعل في تراجع واضح لحركة البيع داخل المحلات.
تجار المحمول: الحكومة تضرب من فوق والشركات والتجار يتحملون الغضب من تحت
في قلب الأسواق الشعبية ومراكز بيع الهواتف، تبدو آثار القرار أكثر فجاجة مما تصفه البيانات الرسمية. أحد تجار التجزئة في وسط القاهرة يقول إن المبيعات خلال الأسبوع التالي لإعلان رفع الأسعار هبطت بنسبة يقدِّرها بما بين 30% و40% مقارنة بأسابيع سابقة، موضحًا أن الزبون أصبح يدخل المحل ويسأل عن سعر هاتف كان يراقبه منذ شهور، ثم يصمت للحظة قبل أن يغادر دون حتى محاولة التفاوض. يضيف التاجر أن العبارة المتكررة التي يسمعها الآن هي: “مش هدخل على التزام جديد دلوقتي”، في إشارة إلى أن الهاتف لم يعد سلعة يسهل شراؤها بالتقسيط أو بالكاش كما كان الأمر قبل سنوات.
تاجر آخر في مدينة من مدن الدلتا يشتكي من أن الحكومة تضعه في مرمى غضب الناس، بينما القرارات تصدر من فوق دون أي اعتبار لتوازن السوق. يقول إن المستهلك لا يرى سوى صاحب المحل في المواجهة، فيتهمه بالجشع ورفع السعر، بينما الحقيقة أن التاجر يتلقى قوائم أسعار جديدة من الوكلاء والمستوردين بزيادات مفاجئة، ويُطلب منه الالتزام بها حرفيًا، وفي الوقت نفسه يتحمل تكاليف تشغيل أعلى من إيجارات وكهرباء وضرائب.
تاجر ثالث يعمل في سلسلة محلات كبرى يلفت إلى مفارقة لافتة؛ فهو يؤكد أن بعض الموديلات من الهواتف الصينية تباع في مصر الآن بسعر يقترب أو يزيد أحيانًا عن سعرها في أسواق خليجية أو أوروبية، رغم فارق مستوى الدخل، وهو ما يدل من وجهة نظره على أن المشكلة لا تقف عند حدود الرسوم الجمركية فقط، بل تمتد إلى طريقة احتساب الضرائب وهوامش الربح عبر حلقات التوريد المختلفة. ويرى أن تحميل التجار الصغار وحدهم مسؤولية الانفلات السعري نوع من الهروب المريح من مواجهة الشركات الكبرى التي تملك قدرة تفاوضية عالية مع الدولة، وتعرف كيف تحمي مصالحها عبر عقود واتفاقات لا يستطيع صغار التجار الاقتراب منها.
خبراء السوق: صناعة محلية “ورقية” وغياب للرقابة يحول الهاتف إلى رفاهية مستحيلة
محمد طلعت، رئيس شعبة المحمول، أكد أن 4 شركات على الأقل رفعت أسعار منتجاتها بنسب تتراوح بين 5% و20%، من خلال قوائم أسعار رسمية أرسلتها الشركات إلى الموزعين والتجار، نافيًا ما تردد على مواقع التواصل عن تثبيت الأسعار أو احتواء الأزمة. طلعت أوضح في تصريحات صحفية أن بعض الشركات رفعت أسعار موديلات معينة في مصر إلى مستويات تتجاوز سعرها في الأسواق العالمية، ما اعتبره مؤشرًا على غياب تنظيم رقابي حقيقي، ودفعه للمطالبة بتشكيل لجنة ثلاثية تضم ممثلين عن مصلحة الجمارك والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وشعبة المحمول لضبط أداء الشركات ومنع الزيادات غير المبررة.
خبير في تكنولوجيا المعلومات يرى أن الحديث الرسمي المتكرر عن “نجاح قطاع الاتصالات في استقطاب كبرى الشركات العالمية التي تنتج 15 علامة تجارية من خلال 6 مصانع للمحمول في مصر” لا يعكس حقيقة الواقع؛ فغالبية هذه المصانع لا تزال تعمل كنقاط تجميع محدودة القيمة المضافة، تعتمد على مكونات مستوردة، وبالتالي تبقى رهينة للسياسات الجمركية وسعر الصرف، ولا توفر بديلًا وطنيًا حقيقيًا يخفض التكلفة على المستهلك أو يخلق منافسة عادلة مع المنتج المستورد.
خبير ثالث في شؤون المستهلك يحذر من أن هذه السياسات ستعمق الفجوة الرقمية داخل المجتمع؛ فارتفاع أسعار الهواتف الجديدة سيجبر فئات واسعة على استخدام أجهزة قديمة غير محدثة أو اللجوء إلى سوق المستعمل، بما يحمله ذلك من مخاطر أمنية وتقنية وابتزاز محتمل من خلال أجهزة متهالكة أو غير آمنة. ويرى أن الحكومة التي تتحدث عن “التحول الرقمي” و“الخدمات الإلكترونية” لا يمكن أن تستمر في رفع تكلفة الأداة الأساسية للدخول إلى هذا العالم، وهي الهاتف المحمول، من دون أن تقدم في المقابل دعمًا حقيقيًا للفئات الأضعف أو نظامًا فعالًا للرقابة على الأسعار.
خبير رابع في اقتصاديات الاتصالات يلخص المشهد قائلًا إن الدولة تتعامل مع سوق المحمول باعتباره بقرة حلوب لزيادة الإيرادات، بينما الصحيح أن الهاتف أصبح اليوم جزءًا من البنية التحتية للحياة اليومية، مثل الكهرباء والمياه، وأن تحويله إلى رفاهية مستحيلة يضرب في الصميم كل الشعارات عن التنمية الرقمية وتمكين المواطن. في ظل هذا الواقع، تبدو خطوة ريلمي وباقي الشركات مجرد وجه ظاهر لأزمة أعمق، عنوانها أن المواطن المصري هو دائمًا الحلقة الأضعف التي يُطلب منها أن تدفع ثمن كل قرار، بلا حماية ولا صوت حقيقي يدافع عن حقه في الاتصال بالعالم بسعر لا يسحق ما تبقى من دخله.

