لا تُشبه أزمة حرمان أكثر من 6 آلاف طالب وطالبة يمنية في مصر من حقهم في التعليم “مشكلة إجرائية” عابرة، ولا يمكن التعامل معها كحكاية تراخيص مدرسية لم تُستكمل. ما يحدث—وفق تقرير “منصة اللاجئين في مصر”—هو واقع أقسى: أطفال خرجوا من حربٍ مزّقت بلدهم بحثًا عن الأمان والدراسة، ليجدوا أنفسهم فجأة خارج الفصول، بلا ترتيبات انتقالية، وبلا بدائل تعليمية حقيقية، وبمنطق يُعامل التعليم كامتياز مشروط لا كحق أصيل.

 

التقرير، الصادر ضمن “زمالة محمد حافظ”، يضع الأزمة في سياقها الصحيح: اليمن يعيش كارثة إنسانية دفعت أسرًا للنزوح، في ظل تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأن عدد وفيات النزاع بحلول نهاية 2021 بلغ نحو 377 ألفًا، قرابة 60% منها وفيات غير مباشرة بسبب انهيار الخدمات الأساسية. وفي خلفية المشهد، واقع أممي يقول إن نحو 80% من السكان احتاجوا إلى شكل من المساعدة الإنسانية والحماية—أي أن الحديث عن “اختيار طوعي للهجرة التعليمية” هنا خداع للواقع.

 

إغلاق المدارس… قرار يطيح بعام دراسي كامل ويترك الأطفال في الفراغ

 

يوثق التقرير أن السلطات المصرية أغلقت في أكتوبر 2024 نحو 15 مدرسة يمنية (ضمن مدارس لجاليات عربية أخرى) بدعوى عدم استيفاء التراخيص، لتصبح آلاف الأسر أمام فراغ تعليمي فوري، دون خطة انتقالية تُنقذ العام الدراسي أو تضمن عدم التسرب. الأخطر أن تقديرات الجالية والسفارة اليمنية—وفق التقرير—تُقدّر المتضررين المباشرين بنحو 6200 طالب وطالبة، أي أننا أمام كتلة بشرية بحجم مدينة صغيرة من الأطفال واليافعين أُسقطت من الحسابات التعليمية بقرار إداري واحد.

 

وهنا تكمن “حدة” الأزمة: لأن الدولة حين تُغلق مدرسة مجتمعية دون بديل عملي جاهز، فهي لا تُطبق قانونًا فقط، بل تُنتج واقعًا يساوي التسرب القسري. المدرسة قد تكون غير مقننة بالكامل، لكن الطفل ليس “غير مقنن”. الطفل لا يملك رفاهية الانتظار في طابور التراخيص، ولا قدرة أسرته على دفع كلفة مدارس خاصة مرتفعة، ولا طاقة أعصابه على عام دراسي ضائع يُضاف إلى صدمات الحرب والنزوح.

 

التقرير لا يكتفي بوصف الضرر التعليمي، بل يُلمّح إلى ضرر اجتماعي ونفسي طويل الأمد: انقطاع عن الروتين، عن الاندماج، عن الأصدقاء، وعن معنى الاستقرار. والنتيجة المتوقعة ليست فقط فجوة تعليمية، بل أيضًا توسع في العمل غير الرسمي للأطفال، وزيادة هشاشة الأسر، وتحول “المدرسة” من حق طبيعي إلى حلم مؤجل.

 

“الإقامة” تتحول إلى بوابة لمنع التعليم… ورسوم تُقصي الفقراء بلا محاكمة

 

أقسى ما يكشفه التقرير هو تحويل الإقامة إلى شرط فعلي للقيد المدرسي، ثم تعقيد الحصول عليها ورفع رسومها—وأحيانًا فرض رسوم بأثر رجعي—بما يجعل التعليم رهينة لمحفظة الأسرة لا لاحتياج الطفل. التقرير يسمي الأمور بأسمائها: هذا لا ينتج “تنظيمًا”، بل ينتج “إقصاءً قسريًا” لطلاب من النظام التعليمي الرسمي، لأن الفاتورة تُلقى فجأة على آلاف الأسر التي تعيش على تحويلات متقطعة أو أوضاع قانونية غير مستقرة.

 

هذه ليست تفاصيل مالية هامشية؛ إنها آلية طرد صامتة. فعندما يصبح التجديد شرطًا للدراسة، ثم يصبح التجديد نفسه مرهقًا ماليًا وإجرائيًا، فأنت عمليًا تقول للطفل: “ادفع أولًا… ثم تعلم”. وهو منطق يصطدم مباشرة مع التزامات مصر الدولية—كما يستعرض التقرير—بموجب اتفاقية حقوق الطفل (الحق في التعليم دون تمييز) والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فضلًا عن نصوص الدستور المصري المتعلقة بحق الطفل في التعليم والرعاية.

 

وليس هذا جدلًا نظريًا: حتى منظمات دولية كـ“هيومن رايتس ووتش” كانت قد حذرت من قيود وعقبات تعرقل تعليم الأطفال اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر، بما في ذلك أعداد كبيرة خارج المدرسة، ما يعني أن أزمة الطلاب اليمنيين ليست “استثناءً”، بل علامة ضمن مسار أوسع من التضييق الإداري الذي ينتهي دائمًا عند النقطة نفسها: حرمان الأطفال.

 

نمط متكرر ومسؤوليات متبادلة… حين يتبادل الجميع الأعذار ويدفع الأطفال الثمن

 

لا يمكن فصل إغلاق المدارس اليمنية عن “النمط” الذي يتحدث عنه التقرير: إغلاق مئات المدارس العربية والمجتمعية، ومنها السودانية، بما تسبب—وفق تقديرات حقوقية وتقارير إعلامية أوردتها منصة اللاجئين—في حرمان نحو 350 ألف طالب سوداني بصورة مفاجئة. قد تختلف الأرقام باختلاف المصادر، لكن الفكرة الثابتة واحدة: التعامل مع مدارس الجاليات بوصفها عبئًا يجب تقليصه، لا كحل مؤقت تفرضه ظروف النزوح وتحتاج إلى تقنين ذكي تدريجي بدل الإغلاق الصادم.

 

المفارقة أن تقرير المدارس اليمنية يحمّل المسؤولية على أكثر من طرف—وبحق. السلطات المصرية مسؤولة عن حماية الحق في التعليم عبر بدائل انتقالية واضحة وسريعة، لا عبر قرارات تُسقط آلاف الأطفال من المنظومة ثم تُطالبهم “بتوفيق الأوضاع” وهم أصلًا ضحايا وضع غير طبيعي.

 

السفارة اليمنية—وفق ما يرصد التقرير—بدت عاجزة أو متباطئة في تنظيم وضع المدارس وضمان الاعتراف بالشهادات والتفاوض على حلول تحمي الطلبة بدل الاكتفاء بدور شكلي.
والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي يُفترض أن يكون التعليم ضمن أولويات حمايتها، يصف التقرير دورها بأنه غير فعّال في إدارة واحدة من أخطر الأزمات التي تمس مستقبل الأطفال اليمنيين.

 

المطلوب ليس “توصيات لطيفة” تُكتب في نهاية التقارير ثم تُنسى، بل قرارات قابلة للتنفيذ فورًا: مسار سريع لإعادة الطلاب إلى الدراسة (ولو مؤقتًا) حتى تُقنن أوضاع المدارس، الاعتراف بالمستندات المؤقتة وعدم ربط القيد المدرسي بتجديد إقامة مكلف ومعقد، وقف الرسوم بأثر رجعي التي تُطيح بالأسر دفعة واحدة، وتحديد آلية رقابة شفافة تُعلن للناس: ما الذي أُغلق ولماذا؟ وما البديل ومتى يبدأ؟

 

ولمن يريد قراءة التفاصيل كاملة، فالرابط الذي تشير إليه المنصة يقود إلى التقرير بصيغته الكاملة بعنوان: “بين مطرقة الإقامة وسندان الإغلاق: عام دراسي ضائع يهدد الطلاب اليمنيين في مصر”.