تراجع صادرات مصر من الحديد والألومنيوم خلال عام 2025 – خصوصًا في الربع الأخير بنسبة تقارب 27% وفق تقديرات غرفة الصناعات المعدنية – لم يكن مجرد ارتباك عابر في الأسواق الخارجية، بل جرس إنذار عن خلل هيكلي يضرب واحدًا من أهم قطاعات الصناعة الثقيلة في البلاد. فبينما يحمّل مسؤولون جزءًا كبيرًا من الأزمة لقرارات الرسوم الأمريكية والكوتة الأوروبية، تكشف شهادات قيادات بالغرفة عن منظومة أعمق من المشكلات: طاقة باهظة، خامات نادرة، وسياسات تصديرية مرتبكة تُحوِّل الميزة التنافسية إلى عبء على المصانع، وتهدد بفقدان حصيلة مهمة من العملة الصعبة وفرص العمل.

 

المهندس حسن المراكبي، وكيل مجلس إدارة غرفة الصناعات المعدنية ورئيس مجلس إدارة شركة المراكبي للصلب، يلخص الصورة بقوله إن الرسوم الجمركية على الصادرات المصرية من الحديد إلى الولايات المتحدة قفزت فعليًا إلى ما يقترب من 80% بعد مضاعفة رسوم الأمن القومي (Section 232) إلى 50% في منتصف العام، مع احتمالات تجاوزها حاجز 100% إذا أضيفت رسوم مكافحة إغراق إضافية قيد الدراسة. في ظل هذه الأعباء، يصبح الحديث عن "منافسة عادلة" في السوق الأمريكية مجرد شعار، بينما تتآكل حصص مصر التصديرية في أسواق أخرى بسبب مشكلات من صنع الداخل.

 

رسوم ترامب والكوتة الأوروبية.. شماعة أم مرآة لأزمة أعمق؟

 

بحسب المهندس حسن المراكبي، تركزت الضربة الأشد على شحنات الحديد الموجهة إلى الولايات المتحدة، التي كانت تستقبل جزءًا معتبرًا من صادرات المصانع المصرية قبل القفزة الأخيرة في الرسوم، بالتوازي مع استمرار القيود الأوروبية عبر أنظمة الكوتة على واردات الصلب. لكن المراكبي نفسه سبق أن حذر من أن المشكلة لا تقف عند حدود القرارات الخارجية؛ فصناعة الصلب المصرية – كما يقول – تدخل المنافسة العالمية بأعباء طاقة أعلى من منافسيها بنحو 15–20%، إذ تُسعَّر الغاز للمصانع محليًا بأرقام تفوق متوسطات الأسواق المنافسة، ما يلتهم هامش الربح قبل أن تبدأ المعركة التجارية أصلًا.

 

ويتفق معه في ذلك المهندس طارق الجيوشي، عضو مجلس إدارة غرفة الصناعات المعدنية ورئيس مجموعة الجيوشي للصلب، الذي يربط بين موجات ارتفاع أسعار الخام عالميًا، وانخفاض سعر الجنيه أمام الدولار، وقيود الاستيراد التي عطلت دخول خامات البليت، وبين تراجع قدرة المصانع على العمل بكامل طاقتها، وبالتالي تراجع حصتها في الأسواق الخارجية.

 

النتيجة أن المصانع التي كانت تراهن على التصدير كمنفذ لتعويض ركود السوق المحلية أصبحت محاصرة من الجانبين؛ أسواق خارجية مغلقة أو مُثقلة برسوم، وتكلفة إنتاج داخلية لا تسمح بتخفيض الأسعار إلى مستويات تنافسية، خاصة في ظل استمرار ضغط الفوائد وندرة التمويل. وهنا يتحول الحديث الرسمي عن "دعم الصادرات" إلى تناقض صارخ مع واقع أرقام الطاقة والغاز والتمويل.

 

أزمة خام الألومنيوم.. مصانع تعيش على الخردة

 

الأزمة لا تتوقف عند الحديد. ففي ملف الألومنيوم، يقرّ المهندس خالد القط، عضو غرفة الصناعات المعدنية ورئيس شعبة الصناعات غير الحديدية، بأن حصص مصانع الألومنيوم من الخام الأساسي لا تكفي لتلبية احتياجاتها، وأن السوق يعتمد عمليًا على ثلاثة مصادر رئيسية، في مقدمتها شركة مصر للألومنيوم بحصص محدودة، إلى جانب الواردات وإعادة تدوير الخردة.

 

يلفت القط إلى أن مسابك صهر الألومنيوم اضطرت إلى التوسع في الاعتماد على الخردة والاستيراد لتعويض نقص الخام المحلي، في محاولة للحفاظ على استمرارية الإنتاج وتلبية احتياجات الصناعات المعتمدة على الألومنيوم، من كيبلات وكماليات سيارات وأدوات منزلية. لكن هذا "الحل الاضطراري" له ثمن ثقيل؛ فأسعار الخردة المستوردة تتأثر مباشرة بتقلبات أسعار الشحن وسعر الصرف، كما أن جودة المدخلات تختلف من شحنة لأخرى، ما يزيد من الفاقد ويضغط على هوامش الربح.

 

القط يحذر أيضًا من أن استمرار هذه الحالة يعني أن أي اضطراب في واردات الخردة أو الخام الأساسي يمكن أن يشلّ جزءًا واسعًا من سلاسل القيمة الصناعية المعتمدة على الألومنيوم، ويُفقد مصر ما تبقّى لها من ميزة نسبية في بعض المنتجات النصف مصنّعة. ومع تراجع صادرات الألومنيوم في 2025 بالتوازي مع الحديد، يصبح الاعتماد على الخردة دليل عجز عن تأمين بنية خام مستقرة، لا مجرّد سياسة بيئية لتشجيع إعادة التدوير.

 

سياسات مرتبكة تهدد بقتل الميزة التصديرية للصناعات المعدنية

 

من زاوية أوسع، يشير محمد حنفي، المدير التنفيذي لغرفة الصناعات المعدنية، إلى أن هبوط الطلب في السوق المحلية، coupled مع القيود المتكررة على الصادرات، خفّض إنتاج الحديد في مصر وخلق حالة من عدم اليقين تجعل من الصعب على المستثمرين التخطيط طويل الأجل أو التوسع في طاقات جديدة. ويضيف أن تذبذب الأسعار سيظل قائمًا طالما ظلت السياسات الضريبية والجمركية والطاقة في حالة تغيير مستمر.

 

في المقابل، يذكّر طارق الجيوشي بأن الدولة تتحدث عن هدف طموح برفع الصادرات المصرية الإجمالية إلى أكثر من 200 مليار دولار سنويًا، بينما تترك الصناعات المعدنية – أحد أهم مصادر هذه الصادرات – تواجه منفردة عبء أسعار الطاقة المرتفعة، ونقص الدولار لتمويل خامات البليت والألومنيوم، وغياب رؤية متكاملة لاتفاقات تجارية تحمي المنتج المصري من الرسوم التعسفية.

 

أما حسن المراكبي فيرى أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي بالضرورة إلى خروج بعض المصانع من سوق التصدير، وربما من السوق بالكامل، خاصة المصانع المتوسطة التي لا تملك القدرة المالية لتحمّل فترات طويلة من التشغيل بخسارة أو بطاقة أقل كثيرًا من التصميمية. وفي هذه الحالة، لا تتراجع الصادرات فقط، بل تتآكل أيضًا القاعدة الإنتاجية، ويتحول هدف "تعميق التصنيع المحلي" إلى مجرد شعار في بيانات رسمية.

 

الخلاصة التي يتفق عليها خبراء غرفة الصناعات المعدنية أن تحميل الأزمة بالكامل لرسوم ترامب والكوتة الأوروبية نوع من الهروب من المسؤولية. الرسوم والقيود الخارجية كشفت هشاشة البنية الداخلية للصناعة: طاقة أغلى من المنافسين، خامات غير مستقرة، سياسة تصدير متقلبة، وغياب حقيقي للحوار المؤسسي مع المنتجين قبل اتخاذ قرارات مصيرية. ما لم تُراجَع هذه المنظومة جذريًا – من تسعير الغاز إلى اتفاقات التجارة والتعامل مع خام الألومنيوم – ستظل أرقام تراجع الصادرات مجرد بداية لمنحنى هبوط أشد حدة، يدفع ثمنه العمال والاقتصاد قبل أي جهة أخرى.