في منتدى دافوس، جلس وزير المالية أحمد كجوك ليقدّم لمستثمري العالم قصة وردية: «مصر تمتلك قدرات كبيرة في مجال البناء، فقد طورنا أكثر من 12 مدينة جديدة خلال 8 سنوات، وقربنا من قطاع غزة يعزّز مساهمتنا في إعادة الإعمار من خلال شركات متخصصة وكفؤة»

 

خطاب مصمَّم بعناية ليُرضي مقاولين وصنّاع قرار يبحثون عن عقود بمليارات الدولارات على ركام غزة، لا عن عدالة ولا كرامة لأهلها، ولا حتى عن مواطن مصري مسحوق تحت ديون وغلاء وعشوائيات.

 

ما يتجاهله كجوك ببساطة أن مصر التي يروّجها كقوة إنشائية «ذهبية» هي نفسها دولة مثقلة بدين خارجي تجاوز 161 مليار دولار بنهاية يونيو 2025، بعد أن تضاعف تقريبًا خلال عقد واحد، نتيجة سياسة الاقتراض المحمومة لتمويل مشروعات كبرى لا تنعكس على حياة أغلبية المصريين. وبينما يتحدّث عن «إعادة إعمار غزة»، لا يشرح كيف يمكن لاقتصاد يعيش على حافة التعثّر أن يتحوّل فجأة إلى مقاول دولي على حساب آلام الفلسطينيين وجوع المصريين معًا.

 

«12 مدينة جديدة»… مدن إسمنتية للأغنياء وشعب يغرق في الفقر

 

حين يذكر كجوك أن مصر «طوّرت أكثر من 12 مدينة جديدة خلال 8 سنوات»، يُقدّم الرقم كأنه شهادة نجاح، بينما هو في الحقيقة جزء من المشكلة لا من الحل. المدن الجديدة التي يتفاخر بها النظام، وعلى رأسها العاصمة الإدارية، بُنيت بتكلفة عشرات المليارات من الدولارات، في بلد يعيش ما بين 30 و35% من سكانه تحت خط الفقر وفق تقديرات باحثين ومراكز مستقلة، مع تحذيرات من أن النسبة تخطّت 35.7% في 2023 تحت ضغط موجات التضخم المتتالية.

 

هذه المدن ليست حلًّا لأزمة السكن للفقراء، بل «جيتوهات فاخرة» للطبقة العليا والموالية، بشقق تُسعَّر بالدولار أو بما يعادله، بينما ملايين المصريين محشورون في عشوائيات قديمة بلا صرف صحي ولا مدارس محترمة. تقارير ودراسات دولية انتقدت بالفعل العاصمة الإدارية باعتبارها «مدينة ضخمة للأغنياء» تُبنى على حساب الأولويات الحقيقية للمجتمع.

 

فكيف يمكن لمنظومة لم تستطع توفير مدرسة ابتدائية محترمة في قرية مهمَّشة، أو سرير في مستشفى حكومي بلا إهانة، أن تدّعي أنها «جاهزة» لإعمار غزة؟ أي منطق يجعل دولة عاجزة عن حماية مواطنيها من الفقر والمرض، تروّج لنفسها كمخلِّص عمراني لشعب آخر يعيش تحت القصف والحصار؟

 

الإنجاز الحقيقي ليس في عدد المدن على الورق، بل في عدد الأسر التي خرجت فعلًا من العشوائيات، وعدد القرى التي حصلت على مياه نظيفة وتعليم محترم. هذه الأرقام تتجاهلها الحكومة، لأنها تكشف الفشل بدلًا من تلميع الصورة.

 

اقتصاد مرهق بالديون والتضخم… لا يملك ثمن «إعادة إعمار» نفسه

 

الوزير الذي يحدّثنا بثقة عن «قدرات كبيرة في البناء» يتجاهل أصلًا سؤالًا بديهيًا: من سيدفع الفاتورة؟

 

مصر اليوم غارقة في أزمة ديون خانقة؛ الدين الخارجي وحده تجاوز 161 مليار دولار في منتصف 2025، بعدما تضاعف عدة مرات منذ 2015 لتمويل مشروعات بنية تحتية ومدن جديدة وصفقات سلاح، لا لمضاعفة الإنتاج أو تخفيف الفقر. خدمة هذا الدين تلتهم نسبة ضخمة من الصادرات والإيرادات العامة، حتى حذّرت تقارير اقتصادية من أن تسديد الأقساط والفوائد يضغط على قدرة الدولة على الإنفاق الاجتماعي básico.

 

في الوقت نفسه، عاش المصريون واحدة من أسوأ موجات الغلاء في تاريخهم الحديث؛ التضخم السنوي في الحضر قفز إلى نحو 35.7% في فبراير 2024، بينما وصلت تضخم أسعار الغذاء وحدها إلى أكثر من 50% في الشهر نفسه، ما يعني أن موائد ملايين الأسر تقلصت فعليًا، وأن اللحوم ومنتجات الألبان اختفت من بيوت كثيرة.

 

إزاء هذا الواقع، لا يبدو حديث كجوك عن «استعداد الشركات المصرية للمساهمة في إعادة إعمار غزة» سوى محاولة لتسويق قطاع المقاولات المحلي بحثًا عن عقود مدفوعة من أموال الخليج أو المؤسسات الدولية، تُمرّر عبر تلك الشركات التي تربّت في حضن السلطة خلال عقد المشروعات الضخمة. هو لا يتحدث عن تضامن مع غزة بقدر ما يتحدث عن «فرصة عمل» جديدة على ركام غزة، تدرّ عملة صعبة على نظام مفلس، بينما يبقى المواطن المصري مشدودًا إلى حبل التقشف ورفع الأسعار، من الخبز إلى الوقود.

 

باختصار: دولة تبيع سواحلها في صفقات بمليارات الدولارات لسداد جزء من ديونها، وتطلب قروضًا متتالية من صندوق النقد، ليست في موقع أخلاقي ولا اقتصادي يسمح لها بأن تتحدث عن إعمار الآخرين، بل هي نفسها في أمسّ الحاجة إلى إعادة إعمار داخلي شامل، اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا.

 

قرب جغرافي من غزة… وبُعد سياسي وإنساني عن معاناة أهلها

 

أكثر ما يفضح خطاب كجوك عبارة «قربنا من قطاع غزة يعزّز مساهمتنا في إعادة الإعمار». الجغرافيا نعم تقول إن مصر الأقرب إلى غزة، لكن السياسة على الأرض تقول إن هذه الجغرافيا جرى استغلالها لسنوات كأداة حصار وضغط، أكثر مما استُخدمت كجسر دعم وسند حقيقي.

 

تقارير دولية موثوقة تحدّثت عن «اللعبة المزدوجة» التي تمارسها السلطة المصرية في ملف غزة؛ تُقدّم نفسها وسيطًا إنسانيًا وسياسيًا، وفي الوقت نفسه تساهم في تكريس الحصار عبر التحكم في معبر رفح، وترك آلاف الفلسطينيين تحت رحمة شبكات سماسرة مرتبطة بأجهزة أمنية، يبتزون الفارين من الجحيم بآلاف الدولارات للسماح لهم بالعبور، ويجبون رسومًا باهظة على الشاحنات المتجهة بالمساعدات والبضائع إلى القطاع.

 

كيف يصبح هذا «القرب» ميزة في إعادة الإعمار، بينما لم يُستخدم أصلًا لتأمين تدفّق دائم وكريم للغذاء والدواء والوقود إلى غزة في عزّ المجازر؟ كيف يُقدَّم نظام متَّهم بالمشاركة في حصار القطاع – أو غضّ الطرف عن استغلال معبر رفح ماليًا – باعتباره شريكًا نزيهًا في إعادة البناء؟

 

الأخطر أن الحديث عن «شركات مصرية كفؤة» في البناء، في ظل المشهد السياسي الحالي، يعني عمليًا إعادة إنتاج منظومة المقاولات التي تربط بين ضباط الجيش ورجال الأعمال المقرّبين من السلطة، في صفقات مغلقة وغير شفافة، تضمن الربح الأقصى للشركات، وأقل حد ممكن من العدالة والكرامة للضحايا أصحاب الأرض.

 

إعمار غزة الحقيقي لا يكون بتسليم القطاع لرجال مقاولات يبحثون عن أبراج على شاطئ البحر ومشروعات سياحية واستثمارية على حساب سكانه، بل يكون بإرادة فلسطينية حرة، وقيادة منتخبة، ورقابة شعبية، ومال لا تحوّله العواصم إلى أداة ابتزاز سياسي. ما يطرحه كجوك هو العكس تمامًا: مقاولو إسمنت يستثمرون في دماء من ما زالوا تحت الأنقاض.

 

في النهاية، تصريحات أحمد كجوك في دافوس ليست مجرد «تفاؤل رسمي»؛ إنها جزء من سردية كاملة تحاول تحويل الخراب إلى «فرصة استثمار»، وتحوّل جراح غزة ومعاناة المصريين من الفقر والتضخم والديون إلى مادة دعائية عن «قدرات بناء» و«مدن جديدة». الحقيقة البسيطة أن النظام الذي فشل في بناء حياة كريمة لمواطنيه، لن يكون صادقًا حين يتحدث عن إعادة إعمار حياة شعب آخر.