تجميد ترخيص سيارات الأجرة القديمة في مصر لأكثر من عقدين لم يكن مجرد إجراء «مروري» لحماية الطرق، بل تحوّل إلى سلاح اقتصادي صامت ترك عشرات الآلاف من السائقين بلا مستقبل، ودفع ملايين الركاب إلى فوضى النقل العشوائي وابتزاز المنصات الخاصة، بينما تكتفي حكومة الانقلاب بإلقاء اللوم على «السيارات المتهالكة» وتخفي عجزها عن تقديم بديل عادل.
استندت السلطة إلى تعديلات قانون المرور وقرارات رئاسية تمنع استمرار ترخيص سيارات الأجرة بعد 20 عامًا من تاريخ الصنع، مع وعود بصناديق تعويض وإحلال لم يرَ السائقون منها سوى الحبر على الورق، وبيروقراطية تسحق الطبقات الفقيرة لصالح رجال الأعمال وشركات النقل الذكية.
https://www.dailymotion.com/video/x4rcecv
قوانين تقتل الرخصة وتُبقي الديون
في 2013 صدر قرار جمهوري بتعديل قانون المرور يقضي بعدم جواز استمرار ترخيص سيارات الأجرة التي مرّ على صنعها 20 عامًا، ما يعني عمليًا إعدام آلاف المركبات على الورق حتى لو كانت صالحة ميكانيكيًا ويعتمد عليها أصحابها كدخل وحيد. ثم جاء مشروع قانون المرور الجديد ليؤكد المسار نفسه: إلغاء تراخيص سيارات التاكسي والأجرة الأقدم من 20 سنة، ومنع ترخيص أي سيارة أجرة يتجاوز عمرها 5 سنوات عند الترخيص لأول مرة، بحجة الأمان المروري.
الإعلام الموالي روّج لهذه القرارات باعتبارها «إنجازًا» يحمي الأرواح ويجدد أسطول النقل، مع الحديث المتكرر عن «صندوق» لتعويض أصحاب السيارات المتهالكة بقروض ميسرة لشراء سيارات جديدة، لكن التقارير الاقتصادية نفسها تقر بأن هذا الصندوق بقي افتراضًا على الورق، وأن آليات التعويض غامضة ولا تصل إلى أغلب المتضررين. هكذا تحوّل القانون إلى مقصلة أحادية الاتجاه: الدولة تصادر الرخصة، وتترك السائق وحيدًا في مواجهة بنوك، وضرائب، وسوق سيارات ملتهبة الأسعار.
شهادات من الشارع: سائقون بين الحجز والجوع
في تقرير مصوَّر لبوابة «الشروق» عن قرار وقف ترخيص سيارات الأجرة القديمة، عبّر سائقون عن خوف صريح من مصير «التشريد»، مؤكدين أن السيارة ليست مجرد «مركبة» بل بيت ورغيف عيش لأسر كاملة، وأن القانون يعاملهم كأرقام في جداول المرور لا كبشر. أحد تقارير «اليوم السابع» عن الإسكندرية نقل عن مالك ميكروباص أن إدارة المرور أوقفت فجأة تجديد أو إحلال السيارات التي تجاوزت خمس سنوات من تاريخ الصنع، رغم السماح بترخيص سيارات مماثلة قبل 24 ساعة فقط، واعتبر أن وقف التراخيص بهذه الطريقة يغلق أبواب الرزق في وجوه آلاف الأسر.
في التقرير نفسه، اشتكى سائقون من أن القانون ينص نظريًا على قروض لإحلال السيارات بعد 20 عامًا، لكن هذا الجزء لم يطبق فعليًا، ما يعني أن الدولة أخذت منهم الرخصة ولم تمنحهم سيارة جديدة ولا حتى قسطًا يمكن تحمله، وهو ما وصفوه بأنه «قانون يطبق نصفه لصالح الحكومة ونصفه الآخر يُدفن في الأدراج». وفي الإسكندرية أيضًا، أكّد رئيس رابطة سائقي الأجرة أن وقف إصدار تراخيص جديدة منذ 1996 أدى إلى مضاعفة أسعار سيارات الأجرة، إذ قفز سعر السيارة من نحو 120 ألف جنيه إلى 200 ألف، بينما ظل عدد سيارات الأجرة والميكروباص عند حدود 6 آلاف مركبة لخدمة أكثر من 7 ملايين مواطن، ما يعني ضغطًا خانقًا على السائقين والركاب معًا.
وعلى فيسبوك، توثّق مجموعة «أجرة مصر (للتاكسي فقط)» شكاوى متواصلة لسائقين يتحدثون عن تاكسي أبيض «يُمرضه» قانون المرور والضرائب والغرامات، لا قلة العمل، وعن إحساس جماعي بأن الدولة تتعامل معهم كعبء يجب التخلص منه لصالح شركات النقل الخاصة، ( رابط المجموعة ).
وفي منشور متداول داخل مجموعة أخرى، يروي سائق أن تاكسيه تم التحفظ عليه في ميدان لبنان وتحويله للحجز بسبب مشكلات في الترخيص، ويشتكي من قفزة تأمين المالك والسائق من 525 جنيهًا إلى 10 آلاف جنيه سنويًا، خاتمًا منشوره بعبارة حارقة: «منهم لله».
وسائل التواصل: صرخة موثَّقة ضد «حكومة لا ترى إلا الغرامة»
مجموعات مثل «سائقى تاكسى جمهورية مصر العربية» تحولت إلى منصات احتجاج دائمة، حيث يتداول السائقون صورًا وتعليقات عن انتشار سيارات «أجرة مقنَّعة» وتكاتك وتطبيقات خاصة، ويصفون المشهد بأنه «اعتداء منظم» على التاكسي التقليدي، يتم برعاية القوانين التي تمنع تجديد تراخيصه وتترك الباب مفتوحًا أمام العشوائية ( رابط المجموعة ).
وفي فيديو قصير على إنستغرام من محافظة السويس، يوضح ناشط محلي أن المحافظة منعت ترخيص السيارات الملاكي البيضاء نهائيًا، بحجة منع تحولها إلى تاكسي، وينهي المقطع بجملة تلخّص شعور السائقين: «إشارة التاكس مظلوم في مصر».
هذه الشهادات الرقمية تكشف صورة متطابقة: دولة لا تتذكر السائق إلا عند تحصيل الرسوم والغرامات، ومنظومة مرور تتفنن في المنع والحجز، بينما تغيب أي سياسة جادة لإحلال منظم أو لتشغيل منصف، وتُترك الفئات الأضعف لتواجه السوق وحدها في ظل تضخم وانهيار للجنيه.
وعود بالإحلال.. بلا تعويض ولا بديل
الخطاب الرسمي يتحدث باستمرار عن «صناديق تعويض» و«قروض ميسرة» لأصحاب سيارات الأجرة القديمة التي تجاوز عمرها 20 عامًا، ويؤكد أن هذه السيارات «ملوثة للبيئة» و«تفتقر لمعدلات الأمان» وأن منع ترخيصها حماية للمواطن. لكن على الأرض، يشكو السائقون من غياب أي مسار فعلي للحصول على هذه القروض، ومن تعقيدات إدارية تجعل الاستفادة مقتصرة على قلة قريبة من البنوك والدوائر الرسمية، بينما أغلبية أصحاب السيارات يخرجون من المنظومة صفر اليدين.
حتى التعديلات التي تحدّثت عن خطة إحلال سيارات الأجرة ونقل الركاب بعد 20 عامًا من التشغيل جاءت مشروطة بإجراءات ثقيلة، وتركت تنفيذها لجهات بيروقراطية لا تُحاسب، ما جعلها في نظر المتضررين مجرد ورقة تزيينية تُستخدم لتلميع قانون قمعي أمام الإعلام الدولي.
ما الذي يطالب به السائقون؟
من خلال تصريحاتهم في الصحف المحلية، وصرخاتهم على فيسبوك وإنستغرام، تتبلور مجموعة مطالب واضحة يمكن أن تشكل برنامجًا إنقاذيًا لو أن لدى الحكومة أدنى إرادة سياسية:
• فتح مسار ترخيص استثنائي للسيارات الأجرة القديمة التي تثبت صلاحيتها الفنية، مع فحص دوري حقيقي بدلاً من المنع المطلق بحجة سنة الصنع فقط.
• تفعيل حقيقي لصناديق التعويض والإحلال عبر قروض بلا فوائد أو بفائدة رمزية، تسدد على آجال طويلة، مع شفافية كاملة في معايير الاستحقاق ونشر أسماء المستفيدين.
• دمج سيارات الأجرة القديمة في أي مبادرات لاستبدال السيارات بالغاز أو الكهرباء بدل طردها خارج المنظومة، على أن يكون التخريد اختياريًا ومقرونًا بتعويض يكافئ القيمة السوقية الحقيقية للرخصة والسيارة.
• إعادة فتح التراخيص في المحافظات التي أُغلقت فيها منذ التسعينات – مثل الإسكندرية – وفق ضوابط عادلة تراعي الزيادة السكانية وحق الشباب في فتح بيوت من خلال العمل كأجرة أو تاكسي.
من دون هذه الخطوات الجذرية، ستظل حكومة الانقلاب تمارس أسهل الحلول: منع، حجز، غرامات، وشراء صمت الإعلام، بينما يُدفع السائقون إلى حافة الانهيار، ويُترك المواطن الفقير بين خيارين: إما نقل عشوائي بلا أمان، أو تطبيقات خاصة تسعّر رحلته بما يفوق طاقته.

