يشير تكليف قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي الأئمة بدورة طويلة داخل الأكاديمية العسكرية المصرية، وتوسيع برامج «التربية العسكرية» الإلزامية في الجامعات مع فرض رسوم على الطلاب، إلى محاولة منهجية لوضع المؤسسة الدينية والجامعية تحت إشراف مباشر للجنرالات، وتحويل حق العمل والدراسة إلى امتياز مشروط بالمرور عبر بوابة الجيش ودفع الإتاوات.

 

هذه السياسات لا تقف عند حدود «تنمية الانتماء» كما يروّج النظام، بل تفتح الباب أمام مزيد من عسكرة الوظائف المدنية، وخلق أجيال من الأئمة والخريجين مجبرين على الولاء للمؤسسة العسكرية قبل أي قيمة علمية أو دينية.

 

عسكرة المنبر: أئمة في ثكنة لا في مسجد

 

خلال اختبارات القبول بالأكاديمية العسكرية، أعلن عبد الفتاح السيسي بنفسه عن بدء دورة علمية تمتد لعامين كاملين لحملة الدكتوراه من أئمة الأوقاف داخل الأكاديمية العسكرية المصرية، بجدول دراسي من 10 إلى 12 ساعة يوميًا، مؤكدًا أنها «درجة أكاديمية أعلى من الدكتوراه». ظاهريًا يتحدث الخطاب الرسمي عن «إعداد علماء مستنيرين» لكن جوهر القرار أن الإمام لن يُعتبر «مكتمل الإعداد» ما لم يقضِ عامين تحت الإشراف المباشر للمؤسسة العسكرية، يخضع فيها لفرز أمني وفكري مكثّف.

 

تقارير تحليلية مستقلة رأت في هذه الخطوة قفزة نوعية في مشروع «تعسكر الدولة»، إذ لم يعد يكفي السيطرة على مناهج الأوقاف والأزهر، بل بات مطلوبًا أن يدخل الإمام فعليًا عبر بوابة الأكاديمية العسكرية قبل أن يُسمح له بالصعود إلى المنبر، بما يحوّل وظيفة الدعوة من رسالة دينية إلى وظيفة شبه عسكرية في جسد دولة الأمن. في هذا النموذج، لا يعود الإمام وسيطًا بين الناس ونصوصهم المقدسة، بل موظفًا يحمل ختم «صلاحية سياسية» منحته له مؤسسة السلاح، الأمر الذي يهدد أي مساحة مستقبلية لاستقلال الخطاب الديني أو لظهور أصوات ناقدة للسلطة من داخل المؤسسة الدينية.

 

الجامعة تحت البندقية: من «تربية عسكرية» إلى شرط مكلف للتخرج

 

في الجامعات المصرية، تحولت «التربية العسكرية» من مادة هامشية إلى منظومة إلزامية تمتد 12 يومًا بواقع 96 ساعة تدريب، تشمل طوابير لياقة بدنية ومحاضرات عن دور الجيش في «التنمية» و«الأمن القومي»، ويُشترط اجتيازها كمتطلب تخرج في معظم الجامعات الحكومية. مواقع إدارات التربية العسكرية بجامعات كالقاهرة وطنطا تصف بوضوح الهدف من الدورات: «تنمية روح الولاء والانتماء» و«تعريف الطلاب بدور القوات المسلحة»، في تكرار حرفي لخطاب المؤسسة العسكرية نفسها، بما يجعل الحرم الجامعي امتدادًا دعائيًا للثكنة.

 

الجديد الأخطر هو تحويل هذا التدريب الإجباري إلى مصدر جباية؛ إذ بدأت جامعات خاصة في فرض رسوم مباشرة على الطلاب مقابل حضور الدورة، كما في إعلان الجامعة الحديثة للتكنولوجيا والمعلومات عن دورة تربية عسكرية برسوم 300 جنيه، تُحصّل كشرط للتسجيل. تقارير صحفية مستقلة كشفت بدورها عن برامج تدريب إجباري تنظّمها الأكاديمية العسكرية لفئات من المرشحين لوظائف مدنية وقيادية، مع إلزامهم بسداد رسوم، ما يعني أن قرار التعيين أصبح مشروطًا بقرار تنظيمي من مؤسسة عسكرية بلا أي رقابة برلمانية حقيقية. في بلد نصف شبابه تحت خط الفقر، تتحول هذه الرسوم إلى بوابة طبقية لإقصاء الفقراء من فرص العمل والدراسة، أو دفعهم إلى الديون وأعمال السخرة لتمويل «دورات» لا علاقة لها بجوهر تخصصاتهم.

 

عسكرة المجال العام: من الزيارات «الوطنية» إلى احتكار تعريف الانتماء

 

المسألة لا تقف عند الأئمة والطلبة؛ فموقع «إدارة الدفاع الشعبي والعسكري» يفاخر بتنظيم زيارات منتظمة للكليات والوحدات والقواعد العسكرية لطلاب المدارس والجامعات، بنين وبنات، تحت شعار «تنمية روح الولاء والانتماء». هكذا يجري جرّ طلاب الجامعة، بما فيهم الطالبات، إلى فضاء عسكري مسيّج، يتعرّفون فيه على السلاح والمركبات والمستشفيات العسكرية باعتبارها «قلب الدولة»، بينما يُغيّب تمامًا أي تعريف مدني للوطن يقوم على الحقوق والقانون والمساءلة.

 

مقالات نقدية رصدت أن هذا النمط من الزيارات الإلزامية والأنشطة العسكرية في المدارس والجامعات يخلق أجيالًا ترى أن الطريق الوحيد للترقي الاجتماعي أو التعيين في وظائف جيدة هو ارتداء الزي العسكري، أو على الأقل اجتياز بوابة الأكاديمية العسكرية ودفع ما يُطلب منها من رسوم، ما يفرغ فكرة المواطنة المتساوية من مضمونها لصالح «مواطنة مرقّاة» لمن يمرّون عبر شبكة الولاء الأمني.

 

مستقبل التعليم والدين تحت حكم الجنرالات

 

هذه السياسات مجتمعة تعني أن ما تبقّى من فضاءات مدنية في مصر – المسجد والجامعة – يُساق قسرًا نحو منطق الثكنة، حيث لا مساحة حقيقية للاجتهاد أو النقد أو الاستقلال، بل انضباط قسري وراء «القائد الأعلى للقوات المسلحة»، حتى لو حمل هذا القائد لقب «رئيس جمهورية». في التعليم، سيتخرّج جيل يرى الجامعة مجرد محطة في طريق طويل من الطوابير العسكرية والرسوم الإجبارية، ويُفهَم فيه «الانتماء» على أنه الصمت على الفقر والاستبداد، لا الدفاع عن الحقوق والحرية.

 

وفي الدين، تتحول المؤسسة الدينية الرسمية إلى ذراع ناعمة للجيش، يوزِّع من خلالها نظام الانقلاب خطابه السياسي المغلف بآيات وأحاديث، عبر أئمة جرى تشكيلهم داخل الأكاديمية العسكرية أكثر مما تشكّلوا داخل معاهد العلم الشرعي المستقلة. بهذا المعنى، لا تمثّل دورات «التدريب العسكري» للأئمة وطالبات الجامعات مجرد برامج إضافية، بل خطوة جديدة في مشروع تجريف التعليم والدين من أي مضمون نقدي أو أخلاقي، لصالح دولة لا تريد مواطنًا حرًا أو عالمًا مستقلًا، بل مجنّدًا مطيعًا يحمل شهادة، ويهتف للجنرال قبل أن يعرف حدود حقه في الحياة والكرامة.