يشكو أهالي مساكن الكيلو 26 في الإسكندرية، بعد 14 عامًا من إنشاء المشروع، عن 29 عمارة تضم 1160 وحدة، من السرقة وانقطاع المرافق وغموض المصير الذي دفع بعض السكان لمغادرة بيوتهم.
وتوضح شهادات السكان أن المشروع المعروف بمساكن البنك الأهلي لم يعرف استقرارًا خدميًا، إذ تأخر وصول المرافق سنوات، ثم تعرضت أجزاء للسرقة، فبقيت وحدات خالية وانخفض إقبال الأسر على السكن.
بداية الأزمة
وبحسب بيانات المشروع، بيعت نحو 500 وحدة فقط من إجمالي الوحدات، فيما ظلت البقية غير مأهولة، رغم طرح المحافظة 399 وحدة متبقية للبيع في يوليو 2018، دون استكمال بيعها بالكامل.
ثم تغير المشهد عقب افتتاح محور المشير فؤاد أبو ذكري في ديسمبر 2022، إذ بدأ حصر الوحدات، وتبعته إجراءات ميدانية فهمها السكان تمهيدًا لإخلاء العمارات ونقل المقيمين إلى مشروعات بديلة.
وعلى إثر ذلك، يقول الأهالي إن موظفين بحي العجمي أبلغوهم باحتمال إزالة المساكن ونقلهم إلى بشاير الخير أو مشارف العامرية، بينما لم يتلقوا إخطارًا مكتوبًا يحدد مستقبل وحداتهم أو حقوقهم.
بعد أيام، وصلت سيارات وعمال إلى الوحدات غير المباعة، وفكوا أبوابًا ونوافذ وأحواضًا ومراحيض، ثم أُنهي التعاقد مع شركة الحراسة، وفق شهادات السكان ومقاطع مصورة نشرتها تقارير صحفية محلية مستقلة.
وبالتزامن مع إنهاء الحراسة، اتسعت السرقات لتشمل الأبواب والشبابيك والأثاث، ثم امتدت إلى محول الكهرباء والكابلات ومواسير المياه والصرف ومواتير الضخ، فتحولت الوحدات الخالية إلى نقاط جذب للنهب والتخريب المستمر.
ومن ناحية أخرى، يقول سكان إن شققًا مملوكة لهم تعرضت للاقتحام، وإن من حاولوا منع السارقين واجهوا تهديدات، بينما انقطعت الكهرباء ومياه الشرب عن عمارات كاملة، وأصبحت غير صالحة للسكن.
لذلك، غادر ملاك وسكان المشروع إلى مساكن مستأجرة، بعدما تجاوزت كلفة إصلاح التلفيات وإعادة تشغيل المرافق قدرتهم بالكامل، فيما بقيت وحداتهم الأصلية مغلقة أو مهجورة، بلا حماية أو صيانة منتظمة.
ويقول مالك إحدى الوحدات إنه يستأجر مسكنًا بمبلغ 3500 جنيه شهريًا، لأن شقته الأصلية بلا خدمات أساسية، موضحًا أن وقف التصرفات عرقل تركيب العدادات والغاز والاتصالات، وخفض القيمة السوقية للعقارات.
كما أن الأزمة لم تبدأ في 2023، فالمشروع منذ إنشائه عام 2010 عانى نقص شبكات الغاز والاتصالات، وضعف النقل، وغياب الأسواق والخدمات اليومية المنتظمة، وهي عوامل أبقت الكثافة السكانية منخفضة.
وبمرور السنوات، زاد فراغ العمارات هشاشتها، إذ كان وجود شركة الحراسة يوفر حماية محدودة للوحدات غير المأهولة، لكن إنهاء التعاقد ترك السكان أمام مهمة تأمين المداخل والممرات والممتلكات بأنفسهم ليلًا.
وفي شهادة أخرى، تقول ربة منزل إنها غادرت شقتها مع طفليها بعد اقتحام منزلها وتهديدها، ثم انقطاع المياه والكهرباء، مؤكدة أن المحاضر التي حررتها لم تنتج حماية تتيح لها العودة.
أما قرار محافظ الإسكندرية رقم 146 لسنة 2023، فنص على تشكيل لجنة برئاسة مدير الإسكان والمرافق، وعضوية جهات حكومية وفنية وقانونية، لتحديد الوضع القانوني لشاغلي مساكن الكيلو 26 وحقوقهم كاملة.
وبموجب القرار، كُلفت اللجنة بتحديد الحالات القابلة للنقل إلى مشارف العامرية، أو المستحقة لتعويض اجتماعي وإعانة مالية، إلى جانب مراجعة العقود وبيانات الملكية وتقدير القيمة السوقية للعقارات وحقوق الشاغلين المتضررين.
غير أن القرار حدد موعدًا لنتائج اللجنة وتوصياتها في مايو 2023، بينما يقول السكان إنهم لم يتلقوا إعلانًا نهائيًا يوضح هل ستبقى العمارات أم تزال، ولا آليات واضحة لحماية حقوق الملاك.
رؤية عمرانية غائبة
ويحذر الباحث العمراني إبراهيم عز الدين من اختزال الإخلاء في إجراء فني، مؤكدًا أن التخطيط العادل يجب أن ينطلق من احتياجات السكان، لا من قيمة الأرض أو سرعة تنفيذ المشروع.
ويشير عز الدين، في دراسة عن الإخلاء القسري والتنمية العمرانية، إلى أن غياب الشفافية والمشاركة يبدد الأمان الاجتماعي، ويحوّل السكان إلى متلقين لقرارات لا يملكون مناقشة آثارها أو الاعتراض العام.
كذلك ترى الباحثة العمرانية أمنية خليل أن العدالة العمرانية تتطلب احتساب الخسائر الناجمة عن النقل، لا الاكتفاء بتسليم وحدة بديلة، لأن الموقع والعمل والخدمات الأساسية جزء من الحق في السكن.
وتؤكد خليل في أبحاثها عن الإخلاءات التفاوضية أن التفاوض الحقيقي يقتضي معلومات معلنة، وبدائل قابلة للمقارنة، وتعويضًا عادلًا، ومشاركة السكان في مستقبل أحيائهم، وإلا تحول النقل إلى إزاحة مقنعة ومكلفة.
وعلى المستوى الأوسع، ينتقد الباحث والمخطط العمراني ديفيد سيمز مدن الأطراف المنفصلة عن فرص العمل والخدمات، معتبرًا أن بناء الوحدات وحده لا يصنع مجتمعًا مستقرًا قابلًا للحياة اليومية والخدمات الضرورية.
وبناءً على ذلك، تبدو أزمة الكيلو 26 مثالًا على فشل إدارة دورة السكن كاملة بوضوح، من اختيار الموقع وتوفير المرافق، إلى حماية الملكية، وتأمين الوحدات، ثم معالجة آثار الإزالة المحتملة.
وفوق ذلك، يطالب السكان بإعادة الكهرباء والمياه، وتأمين العمارات، ورفع آثار التخريب، وفتح باب التصرفات القانونية، أو إعلان خطة مكتوبة للنقل والتعويض تحفظ قيمة الوحدات وتمنع تحميلهم كلفة الغموض والخسارة.
مطالب معلقة
وفي المقابل، يطالب السكان بجدول زمني معلن يحدد مصير العمارات، ويكشف نتائج الحصر، ويشرح أسس النقل أو التعويض، لأن ترك الأسر بين وعود وخدمات متوقفة يفاقم الخسائر اليومية المعلنة باستمرار.
ومن جهتها، تحتاج المحافظة إلى إعلان موقف رسمي قابل للمراجعة، يوضح سلامة المباني وخطة المرافق، ويضمن عدم إزالة أي وحدة قبل حسم الملكية والتعويض، وفق إجراءات معلنة تحفظ حقوق الجميع.
وأخيرًا، تظل الإجابة الغائبة هي جوهر الأزمة، فقرار الحصر وحده لا يكفي، وإخلاء الوحدات تدريجيًا عبر تعطيل الخدمات والحراسة يترك السكان أمام خسارة مزدوجة، بيتًا بلا أمان وحقًا بلا حسم.

