كشفت بيانات الرقابة المالية أن 8.47 مليون عميل لجؤوا إلى التمويل الاستهلاكي خلال النصف الأول من 2026، بقيمة 71.84 مليار جنيه، ما تعكس اتساع الفجوة بين الدخول والأسعار والقدرة على الشراء.

 

وضاعفت موجات الغلاء أثرها على الأسر خلال الفترة نفسها، بعدما رفعت الحكومة أسعار الوقود في مارس وزادت بعض شرائح الكهرباء في أبريل، بينما بقيت الدخول عاجزة عن تعويض ارتفاع تكاليف المعيشة.

 

وبحسب البيانات، ارتفعت قيمة التمويلات 88.5% مقارنة بالنصف الأول من 2025، فيما صعد عدد المستفيدين 75.7%، وهي زيادة يصعب فصلها عن التحول من الشراء المباشر إلى الاستدانة لتغطية احتياجات يومية.

 

وفي الاتجاه نفسه، قفز تمويل يونيو إلى 20.87 مليار جنيه مقابل 8.87 مليار قبل عام، بينما تضاعف تقريبًا عدد العملاء، بما يشير إلى أن التقسيط أصبح أداة لمواجهة الأسعار لا اختيارًا إضافيًا.

 

ومن زاوية المعيشة، تصدرت الإلكترونيات والأجهزة الكهربائية التمويلات بحصة 22.7% خلال النصف الأول، تلتها السيارات بنسبة 22.3% ثم بطاقات التمويل 11.5%، ما يعكس صعوبة شراء سلع مرتفعة الثمن من الدخول الحالية.

 

وعلى هذا الأساس، لا تبدو زيادة التمويل دليل رخاء أو تحسن في الاستهلاك بقدر ما تكشف انتقال الطلب إلى المستقبل، بحيث يشتري المواطن اليوم من دخل لم يحصل عليه بعد.

 

وفي المقابل، تصف الجهات المنظمة التمويل الاستهلاكي بأنه أداة للشمول المالي وزيادة القوة الشرائية، لكن هذا التوصيف يظل ناقصًا إذا لم يُقارن بتآكل الدخل الحقيقي ونسبة الأقساط إلى دخول الأسر.

 

 

الغلاء يبتلع الأجور

 

وفي هذا السياق، يرى عبد المنعم السيد أن نمو التمويل الاستهلاكي يرتبط بارتفاع التضخم والأسعار وتراجع القوة الشرائية، ما دفع الأسر للاعتماد على التقسيط لتلبية احتياجات أساسية لم تعد الدخول تغطيها.

 

وبالتالي، تتحول الزيادة المسجلة إلى مؤشر اجتماعي بقدر كونها مؤشرًا ماليًا، لأن توسع الاقتراض لشراء الاحتياجات يعني أن المواطن يعوض نقص الدخل بالديون بدل أن تعوضه الأجور أو شبكات الحماية.

 

كما أن رفع أسعار الوقود في مارس زاد كلفة النقل والإنتاج والتوزيع، وهي تكاليف تنتقل عادة إلى أسعار السلع والخدمات، بما يضغط على الأسر حتى عندما لا تشتري الوقود مباشرة.

 

ولزيادة الضغوط، جاءت زيادات الكهرباء لبعض الشرائح خلال أبريل، لتضيف بندًا جديدًا إلى فاتورة المعيشة، بينما تستمر آثار الزيادات السابقة في الغذاء والمواصلات والخدمات دون تراجع يعيد القوة الشرائية للأسر.

 

لذلك، يصبح الحديث عن نمو الطلب عبر التقسيط مضللًا إذا تجاهل أن جزءًا من الطلب لم يعد ممولًا من فوائض الدخل، وإنما من التزامات مؤجلة تقتطع من دخول الأشهر التالية.

 

ومن ثم، قد يبدو السوق نشطًا في المبيعات، بينما تكون الأسرة أكثر هشاشة، لأن استمرار الاستهلاك لا يعني تحسن وضعها المالي، بل قد يعني أقساطًا تقلص قدرتها على مواجهة أي طارئ.

 

غير أن الخطر الأكبر يظهر عندما يتحول التقسيط من وسيلة لشراء سلعة معمرة إلى أسلوب ثابت لتدبير الاحتياجات، لأن ذلك يربط معيشة الأسرة بقدرتها على الاقتراض لا بارتفاع دخلها الحقيقي.

 

 

الفقر يتمدد بالأقساط

 

وعلاوة على ذلك، حذر محمد فؤاد من أن القروض الاستهلاكية باتت تمول أساسيات، مشيرًا إلى تراجع الادخار، وهو ما يجعل توسع الاقتراض علامة على ضعف قدرة الأسر على تكوين احتياطي مالي.

 

وبناءً على ذلك، فإن كل زيادة جديدة في أسعار الخدمات أو الطاقة قد تدفع شريحة إضافية إلى التمويل، بما يوسع دائرة الأسر التي تخصص دخلها للأقساط قبل الغذاء والعلاج والتعليم.

 

وفي ضوء ذلك، لا يمكن فصل القفزة عن خيارات اقتصادية حمّلت المستهلك جانبًا متزايدًا من تكلفة الإصلاح، بينما ظلت برامج التعويض محدودة أمام تراكم التضخم وارتفاع أسعار الطاقة والخدمات الأساسية.

 

وعلى الجانب الآخر، يزداد الخطر حين تمنح الشركات التمويل أسرع من نمو دخول العملاء، لأن سهولة الحصول على القرض قد تخفي أن الالتزام الشهري سيبقى قائمًا بعد انتهاء أثر السلعة.

 

وفي الأثناء، حذر فؤاد من ضعف تطبيق معايير الجدارة الائتمانية لدى بعض الشركات، معتبرًا أن نسب التعثر قد تكون أعلى، ما يضيف خطر الإفراط في الإقراض إلى ضغط الغلاء المعيشي.

 

ومن ناحية أخرى، تكشف حصة بطاقات التمويل المتزايدة أن الاقتراض لم يعد مرتبطًا بشراء سيارة أو جهاز كبير فقط، بل أصبح أكثر التصاقًا بالاستهلاك المتكرر، ما يرفع احتمالات تراكم التزامات متعددة.

 

 

سياسات تزيد الهشاشة

 

أما رشاد عبده، فيحذر من أن مواجهة التضخم لا تنجح بتغيير شكل الدعم، معتبرًا أن الأولوية لضبط الأسواق وحماية القوة الشرائية، لأن ضعف الرقابة يسمح للأسعار بابتلاع أي زيادة يحصل عليها المواطن.

 

وبهذا المعنى، يصبح خفض الدعم أو إعادة تسعير الخدمات دون حماية فعالة للدخل خطوة توسع الهشاشة، لأن الأسرة لا تستطيع إلغاء احتياجاتها الأساسية، فتبحث عن التقسيط لتغطية الفارق المتزايد في المعيشة.

 

وفوق ذلك، يبين البنك الدولي أن التضخم ترك أثرًا ملحوظًا على القوة الشرائية للأسر، وأن الفقر وفق أحد المقاييس الدولية ارتفع، ما يمنح قفزة التمويل بعدًا يتجاوز نشاط الشركات المتخصصة.

 

وعليه، فإن وصف 71.84 مليار جنيه بأنها مجرد تمويلات جديدة يخفي الوجه الآخر للرقم، وهو ملايين الالتزامات الشهرية التي ستُخصم من دخول مستقبلية بينما تظل الأسعار والخدمات تحت ضغط الزيادة.

 

وأخيرًا، تكشف قفزة التقسيط أن المشكلة لم تعد في قدرة المصري على شراء سلعة اليوم، بل في اضطراره إلى رهن دخله المقبل للبقاء داخل السوق، بينما تواصل قرارات التسعير توسيع كلفة المعيشة.