تتصاعد المطالب الحقوقية في مصر بشأن أوضاع اللاجئين وملتمسي اللجوء، في ظل ما تعتبره منظمات حقوقية قيودًا قانونية وإدارية متزايدة تحول دون وصولهم إلى عدد من الخدمات الأساسية، وعلى رأسها خدمات التوثيق وتوكيل المحامين واللجوء إلى الشرطة والقضاء عند التعرض للانتهاكات أو الجرائم.

 

وطالبت المنظمات الحقوقية وزير العدل بإصدار قرار عاجل وواضح يؤكد حق اللاجئين وملتمسي اللجوء في إصدار التوكيلات للمحامين، والاستفادة من خدمات الشرطة والقضاء والتوثيق العقاري، محذرة من أن القيود الأخيرة قد تؤدي إلى إضعاف الحماية القانونية المتاحة لشريحة واسعة من اللاجئين، وحرمان بعضهم من الوصول إلى العدالة في حالات العنف أو النزاعات القانونية.

 

 

قيود جديدة على خدمات التوثيق

 

وقالت المنظمات الحقوقية إن الأزمة تفاقمت بعد صدور الكتاب الدوري رقم 92 لسنة 2026 عن وزير العدل في نهاية يوليو الماضي، والذي يقضي بمنع مكاتب وفروع الشهر العقاري والتوثيق من تقديم الخدمات للأجانب الذين لا يحملون بطاقات إقامة أو إعفاء سارية.

 

وترى المنظمات أن القرار لم يضع استثناءً واضحًا للاجئين وملتمسي اللجوء، رغم أن هذه الفئات قد تواجه فترات انتظار طويلة قبل الحصول على الإقامة أو تجديدها، وهو ما يجعل تطبيق الشرط بصورة عامة سببًا في حرمان أشخاص من خدمات قانونية ومدنية أساسية.

 

وأشارت إلى أن إصدار التوكيلات للمحامين يمثل إحدى الوسائل الأساسية التي تمكّن الأفراد من الدفاع عن حقوقهم ومباشرة الإجراءات القانونية أمام الجهات المختلفة، معتبرة أن منع اللاجئين من هذه الخدمة يضاعف صعوبة وصولهم إلى العدالة، خاصة في الحالات التي تتطلب تدخلًا قانونيًا عاجلًا.

 

وبحسب المنظمات، فإن المشكلة لا تتعلق بخدمة توثيقية منفردة، وإنما تمتد إلى قدرة اللاجئ على ممارسة حقوقه المدنية والقانونية بصورة طبيعية، في وقت يواجه فيه كثيرون أوضاعًا إدارية وأمنية شديدة التعقيد.

 

 

جذور الأزمة تعود إلى 2023

 

وترجع المنظمات الحقوقية جذور الأزمة إلى قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3326 لسنة 2023، الذي صدر بهدف تقنين أوضاع الأجانب المقيمين بصورة غير نظامية في مصر.

 

وتؤكد المنظمات أن القرار كان يستهدف تنظيم أوضاع فئات محددة من الأجانب، ولم يكن من المفترض أن يؤدي إلى المساس بالحقوق الخاصة باللاجئين وملتمسي اللجوء، الذين تحكم أوضاعهم أطر قانونية مختلفة، من بينها اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وقانون اللجوء الجديد في مصر.

 

لكن، وفقًا للمنظمات، بدأت السلطات منذ منتصف عام 2024 في تطبيق الإجراءات بصورة أوسع على اللاجئين وملتمسي اللجوء، الأمر الذي أدى إلى ظهور عراقيل أمام حصولهم على عدد من الخدمات المدنية والصحية والقانونية.

 

وترى المنظمات أن الخلط بين أوضاع الأجانب المقيمين بصورة غير نظامية وبين اللاجئين وملتمسي اللجوء ساهم في خلق أزمة قانونية وإدارية، خصوصًا بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا تزال إجراءات تسجيلهم أو تسوية أوضاعهم قيد الانتظار.

 

 

صعوبات أمام التقاضي والدفاع القانوني

 

وتعتبر المنظمات الحقوقية أن أخطر تداعيات هذه القيود تتمثل في التأثير المباشر على حق اللاجئين في التقاضي والدفاع عن أنفسهم، خاصة أن بعض الإجراءات القانونية تتطلب توكيل محامٍ أو الحصول على خدمات التوثيق.

 

وأشارت إلى أن محاكم مجلس الدولة امتنعت، منذ منتصف عام 2024، عن قبول دعاوى طعن أقامها لاجئون ضد قرارات الترحيل والإبعاد، وفق ما أوردته في بيانها، بينما واجهت بعض الدعاوى المدنية المرتبطة بالأحوال الشخصية، ومنها قضايا الزواج والطلاق، عراقيل مماثلة.

 

وترى المنظمات أن هذه التطورات تضع اللاجئ أمام معادلة شديدة الصعوبة؛ فمن ناحية، قد يتعرض لقرار أو إجراء يمس وضعه القانوني، ومن ناحية أخرى قد يجد نفسه عاجزًا عن الوصول إلى الوسائل القانونية اللازمة للطعن عليه أو الحصول على مساعدة محامٍ.

 

وتزداد خطورة هذه المشكلة، بحسب المنظمات، عندما يتعلق الأمر بالنساء والأطفال وغيرهم من الفئات الأكثر عرضة للاستغلال والعنف، إذ إن ضعف القدرة على الوصول إلى مؤسسات العدالة قد يجعل الإبلاغ عن الانتهاكات أكثر صعوبة.

 

 

تحذيرات من مخاطر العنف

 

واستشهدت المنظمات بمذكرة أممية قالت إنها وثقت مئات الحالات من العنف القائم على النوع الاجتماعي ضد اللاجئين خلال عام 2025، شملت اعتداءات جسدية وجنسية وحالات اغتصاب طالت نساء وأطفالًا.

 

وترى المنظمات أن وجود عراقيل أمام الوصول إلى الشرطة والقضاء يمكن أن يؤدي إلى عزوف الضحايا عن الإبلاغ، خصوصًا إذا كان الضحية يخشى التوقيف أو الترحيل أو يعتقد أنه لن يتمكن من الحصول على حماية قانونية فعالة.

 

وتحذر من أن غياب المسار القانوني الآمن أمام ضحايا الجرائم قد يتركهم في مواجهة المعتدين دون حماية كافية، كما قد يحد من قدرة المؤسسات المعنية على رصد حجم الانتهاكات والتعامل معها.

 

وتقول المنظمات إن توفير إمكانية الوصول إلى الشرطة والقضاء لا ينبغي أن يكون مرتبطًا بصورة الإقامة وحدها، خصوصًا عندما يكون الشخص في وضع لا يستطيع فيه استكمال إجراءات الإقامة بسبب تأخيرات إدارية لا يتحمل مسؤوليتها.

 

 

تصاعد الاحتجاز والترحيل

 

وتربط المنظمات الحقوقية أزمة الخدمات القانونية بما تصفه بتصاعد الملاحقات الأمنية للاجئين خلال العامين الماضيين.

 

وبحسب الأرقام التي أوردتها، جرى احتجاز نحو 8 آلاف لاجئ خلال النصف الأول من عام 2026، فيما أدت ظروف الاحتجاز التي وصفتها بالمكتظة إلى وفاة 20 شخصًا على الأقل، إلى جانب ترحيل أكثر من ألف شخص شهريًا.

 

كما أشارت إلى عودة نحو 600 ألف سوداني إلى بلادهم، رغم استمرار الحرب، معتبرة أن الظروف التي يواجهها اللاجئون قد تدفع بعضهم إلى العودة رغم المخاطر الأمنية والإنسانية القائمة.

 

وتضع هذه الأرقام، بحسب المنظمات، قضية الوصول إلى العدالة في سياق أوسع يتعلق بالحماية القانونية والأمنية للاجئين، وليس باعتبارها مجرد خلاف إداري حول شروط الحصول على بعض الخدمات.

 

 

تأخيرات الإقامة تزيد هشاشة اللاجئين

 

وتؤكد المنظمات أن جزءًا كبيرًا من المشكلة يرتبط بتأخر إجراءات الإقامة والتسجيل، موضحة أن نحو 80% من اللاجئين يواجهون، وفق البيانات التي تستند إليها، تأخيرات في تجديد الإقامة، وصلت مواعيد بعضها إلى عام 2029.

 

وتضيف أن نحو 83% من اللاجئين دخلوا البلاد بطرق غير نظامية نتيجة القيود المفروضة على المعابر، وهو ما يجعل تطبيق قواعد الإقامة بصورة صارمة على الجميع دون مراعاة ظروف كل حالة أمرًا قد يؤدي إلى معاقبة أشخاص على أوضاع لم تكن لهم سيطرة كاملة عليها.

 

وترى المنظمات أن التأخير الإداري لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لفقدان الحقوق أو اتخاذ إجراءات ترحيل، خصوصًا بالنسبة إلى الأشخاص الذين ينتظرون استكمال إجراءات التسجيل أو تجديد المستندات الرسمية.

 

وبحسب هذا الطرح، فإن اللاجئ قد يجد نفسه عالقًا بين إجراءات إدارية طويلة من جهة، واشتراط امتلاك وثائق سارية للحصول على الخدمات من جهة أخرى، وهو ما يؤدي عمليًا إلى دائرة مغلقة يصعب الخروج منها دون تدخل إداري واضح.

 

 

مطالب بإجراءات قانونية عاجلة

 

ومع دخول اللائحة التنفيذية لقانون اللجوء الجديد حيز النفاذ، طالبت المنظمات الحقوقية وزير العدل بإصدار قرار صريح يستثني اللاجئين وملتمسي اللجوء من القيود التي تمنعهم من إصدار التوكيلات والحصول على الخدمات القضائية والتوثيقية.

 

كما دعت إلى الاعتراف بوثائق اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين وبطاقات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين باعتبارها مستندات قانونية يمكن الاستناد إليها في إثبات الوضع القانوني، بما يضمن عدم حرمان أصحابها من الخدمات الأساسية.

 

وطالبت كذلك بتعديل اللائحة التنفيذية بما يمنع استخدام التأخير الإداري في إجراءات الإقامة أو التسجيل ذريعة لاتخاذ قرارات بالترحيل أو إهدار الحق الدستوري في التقاضي.

 

وترى المنظمات أن ضمان الوصول إلى المحامين والمحاكم والشرطة وخدمات التوثيق يمثل جزءًا أساسيًا من أي سياسة فعالة لحماية اللاجئين، مؤكدة أن الوضع القانوني للاجئ لا ينبغي أن يتحول إلى عائق أمام طلب الحماية أو الحصول على العدالة.

 

وفي ظل استمرار التحديات المرتبطة بالإقامة والتسجيل والتوقيف والترحيل، تضع هذه المطالب السلطات أمام اختبار يتعلق بمدى قدرة النظام القانوني على توفير حماية فعلية للاجئين وملتمسي اللجوء، وضمان ألا تؤدي الإجراءات الإدارية إلى

 

إغلاق أبواب العدالة أمام من يحتاجون إليها، خصوصًا في حالات العنف والانتهاكات والقرارات التي تمس مستقبلهم القانوني والإنساني.