أقرت الجهات التنفيذية قرارات إزالة تطال مئات الأسر في منطقة القوس الغربي بإمبابة وشارع ملاعب مركز بشتيل بالوراق لصالح توسعات الطريق الدائري، وسط اعتراضات على تعويض مؤقت يبلغ 40 ألف جنيه للغرفة ومطالب بتطبيق نظام شقة مقابل شقة.
وتضع الأزمة مئات الأسر أمام احتمال فقدان مساكن مرخصة أقيمت منذ سنوات بعلم الدولة، في وقت تتوسع فيه مشروعات الطرق، بينما يبقى توفير البديل السكني العادل قبل الهدم اختبارا مباشرا لمدى حماية حق المواطنين في السكن والاستقرار.
منازل مرخصة تحت الإزالة
وبداية، يؤكد الأهالي أن العقارات المستهدفة ليست مباني عشوائية أو تعديات حديثة، وإنما منشآت حاصلة على تراخيص رسمية من الجهات المختصة يعود تاريخ بعضها إلى عام 2007، بما يضع قرارات الإزالة أمام تساؤلات قانونية واجتماعية متزايدة.
كما أن وصول المياه والصرف الصحي والكهرباء والغاز الطبيعي إلى تلك المنازل بصورة رسمية يعزز حجة السكان بأن الدولة تعاملت معها سنوات باعتبارها مساكن قانونية، قبل أن تتحول فجأة إلى عقارات مطلوبة لتنفيذ مشروعات المنفعة العامة.
وفي هذا الإطار، يقرر قانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة أن إنشاء الطرق أو توسيعها يدخل ضمن أعمال المنفعة العامة، لكنه يشترط إجراءات للحصر والتقدير والتعويض، ويجيز بموافقة الملاك الحصول على التعويض كله أو بعضه بصورة عينية.
ومن الناحية القانونية، يؤكد أستاذ القانون العام رمزي الشاعر أن نزع الملكية لا ينبغي أن يتم إلا في أضيق نطاق وللمنفعة العامة، مع الالتزام بتعويض عادل وضوابط واضحة تحمي المواطنين من إساءة استعمال سلطة الإدارة.
وبالتالي، فإن وجود تراخيص بناء رسمية لا يمنع الدولة من نزع الملكية عند ثبوت المنفعة العامة، لكنه يرفع سقف مسؤوليتها في التعويض لأن المواطن هنا لا يدافع عن بناء مخالف بل عن ملكية أقرتها مؤسسات الدولة سابقا.
ومن ثم، يطالب السكان بإعادة فحص مسار التوسعات قبل التنفيذ النهائي، مؤكدين أن تعديل المسار متى كان ممكنا يظل أقل كلفة اجتماعية من اقتلاع أسر مستقرة، خصوصا إذا كانت هناك بدائل هندسية لا تعطل الهدف الأساسي للمشروع.
وعلاوة على ذلك، يشدد الأهالي على أن سنوات الإقامة الطويلة داخل هذه العقارات خلقت ارتباطا اجتماعيا واقتصاديا بالمنطقة، حيث ترتبط الأسر بالمدارس وأماكن العمل والأسواق والخدمات، ما يجعل النقل القسري إلى مناطق بعيدة خسارة تتجاوز قيمة العقار.
شقة مقابل شقة
وفي المقابل، يطرح المتضررون نظام شقة مقابل شقة باعتباره الحل الأكثر قدرة على منع التشريد، ويطالبون بالاستفادة من الوحدات الشاغرة في مشروع إسكان أرض مطار إمبابة أو المشروعات القريبة لإعادة تسكين الأسر قبل بدء أعمال الهدم.
ويستند هذا المطلب إلى أن القانون يجيز التعويض العيني بموافقة الملاك، بما يمنح طرح استبدال المسكن بمسكن أساسا قانونيا واضحا، ويجعله خيارا قابلا للتنفيذ وليس مجرد مطالبة اجتماعية مرتبطة بمخاوف الأسر من فقدان بيوتها.
إلى جانب ذلك، يرى أستاذ القانون المدني عزت سلامة أن الملكية الخاصة تتمتع بحماية دستورية، وأن نزعها يمثل استثناء لا يجوز إلا بضوابط محددة وتعويض عادل يدفع مقدما، بما يضع توقيت صرف التعويض في قلب مشروعية الإجراء.
وعليه، فإن صرف مبلغ مؤقت ثم مطالبة السكان بإخلاء منازلهم قبل حصولهم على تسوية نهائية يخلق فجوة زمنية خطرة، لأن الأسرة تصبح مطالبة بتدبير مسكن جديد بينما لا تزال قيمة ملكيتها الأصلية محل إجراءات وتقديرات ممتدة.
وفي الوقت نفسه، يقول الأهالي إن 40 ألف جنيه للغرفة لا تكفي لتوفير بديل سكني مناسب في مناطق إمبابة والوراق والمناطق المجاورة، خاصة مع الارتفاع الكبير في أسعار البيع والإيجارات خلال السنوات الأخيرة.
لذلك، تبدو فكرة التعويض العيني أكثر ارتباطا بطبيعة الضرر لأنها تستبدل المسكن بمسكن بدلا من تحويل الأزمة إلى معادلة نقدية قد تفشل في الحفاظ على المستوى السكني نفسه، خصوصا بالنسبة إلى الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
إضافة إلى ذلك، فإن توفير الوحدة البديلة قبل الإخلاء يمنح الجهات المنفذة فرصة لتقليل الاحتقان، ويحول مشروع الطريق من مواجهة مع السكان إلى عملية إعادة تنظيم يمكن تنفيذها بضمانات واضحة تحفظ للمواطن حقه وللدولة مسار مشروعها.
ومن زاوية أخرى، يطالب الأهالي بأن تكون الوحدات البديلة قريبة من مناطقهم الحالية، حتى لا تتحول إعادة التسكين إلى اقتلاع كامل للأسر من شبكات العمل والتعليم والخدمات والعلاقات الاجتماعية التي تشكلت على مدار سنوات طويلة.
تعويضات تثير المخاوف
أما جوهر الخلاف المالي، فيتمثل في خشية المتضررين من أن يجري تقييم العقارات بأرقام تقل عن قيمتها السوقية الفعلية، خصوصا أن بعضها مرخص ومكتمل المرافق ويقع داخل مناطق شهدت ارتفاعات كبيرة في أسعار العقارات خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ القانون الدستوري صلاح فوزي أن الدستور يصون الملكية الخاصة ولا يجيز نزعها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يدفع مقدما، وهو معيار يجعل عدالة القيمة وموعد السداد عنصرين متلازمين.
وبناء على ذلك، فإن تأخر التعويض النهائي إلى حين استكمال إجراءات المساحة والمالية قد يضع الأسر أمام سنوات من الانتظار، بينما تكون قد فقدت بالفعل عقاراتها واضطرت إلى دفع إيجارات أو شراء مساكن بديلة بأسعار السوق الحالية.
وفوق ذلك، يمنح القانون أصحاب الحقوق إمكانية الاعتراض والطعن على قيمة التعويض، وهو حق يصبح أكثر أهمية حين توجد فجوة واسعة بين التقييم الرسمي وسعر العقارات المماثلة في المناطق نفسها وقت تنفيذ قرارات الإزالة.
ومن جهة أخرى، يشترط الإطار القانوني استكمال إجراءات تقدير التعويضات قبل إزالة المنشآت، وهي ضمانة تثير سؤالا مباشرا حول ترتيب خطوات التنفيذ إذا طلب من الأسر الإخلاء بينما لا تزال قيمة حقوقها النهائية محل إجراءات لم تحسم.
وفي السياق ذاته، تحرك عدد من نواب الدائرة عبر طلبات إحاطة لمساءلة وزراء النقل والتنمية المحلية والإسكان، مطالبين بالتوفيق بين تنفيذ المشروعات العامة وحماية السكان وعدم تحويل توسعة الطريق إلى سبب لفقدان أسر مستقرة مساكنها القانونية.
وبالتوازي، يطالب الأهالي بتشكيل لجان تثمين عادلة ومحايدة تراجع كل عقار وفق موقعه ومساحته وحالته القانونية وسعر المثل في المنطقة، بدلا من اعتماد تقديرات موحدة قد تتجاهل الفروق الكبيرة بين العقارات المختلفة.
ولزيادة الضمانات، يطالب المتضررون بأن يشمل التقييم تكلفة الحصول على مسكن بديل حقيقي في المنطقة نفسها، لأن التعويض الذي يبدو كبيرا على الورق قد يصبح محدود الأثر إذا كانت أسعار الوحدات المتاحة أعلى منه بمراحل.
غير أن جوهر الأزمة لا يتعلق برفض الأهالي مشروعات التطوير بقدر ما يتعلق بطريقة توزيع تكلفتها، إذ يرون أن المنفعة العامة لا ينبغي أن تتحقق عبر تحميل مجموعة محدودة من الأسر خسائر سكنية ومالية تتجاوز قدرتها.
وفي المحصلة، يصبح مطلب شقة مقابل شقة أكثر من شعار احتجاجي لأنه يجمع بين حماية السكن وإمكانية التعويض العيني التي يسمح بها القانون، ويقلل خطر أن تتحول قيمة نقدية مؤقتة إلى بوابة لتشريد أسر كاملة.
وأخيرا، يبقى اختبار الجهات التنفيذية في إمبابة والوراق مرتبطا بما إذا كانت ستوفر بديلا مناسبا قبل الهدم وتعيد تقييم التعويضات وفق أسعار السوق، أم تمضي في الإزالة أولا وتترك الأسر تواجه وحدها كلفة الانتقال وانتظار حقوقها.

