كشفت حوادث الغرق المتكررة في مدينة القناطر الخيرية عن تحول الممرات النيلية التي يقصدها آلاف المواطنين للتنزه والصيد إلى نقاط شديدة الخطورة، بعدما انتشلت فرق الإنقاذ 11 جثمانًا خلال عشرة أيام فقط، وسط اتهامات للأجهزة التنفيذية بالتقاعس عن تأمين الضفاف ووضع الحواجز واللافتات التحذيرية.
وأعادت وفاة الطفلة كارما محمد مرزوق، البالغة خمس سنوات، فتح ملف الإهمال المتراكم في الحدائق والكورنيش والمناطق المحيطة بالكباري وخزان القناطر، حيث تتزايد أعداد الضحايا مع ارتفاع درجات الحرارة والإقبال على السباحة والجلوس بالقرب من النيل، بينما تظل إجراءات الوقاية والإنقاذ أقل كثيرًا من حجم الخطر.
طفولة ابتلعها التيار
اهتزت مدينة القناطر الخيرية خلال الأيام الماضية على وقع حادث غرق الطفلة كارما محمد مرزوق، التي انزلقت بصورة مفاجئة في مياه النيل أسفل الكوبري الجديد، أثناء وجودها إلى جوار والدها الذي كان يمارس هواية الصيد.
ولم تمنح المياه العنيفة الطفلة الصغيرة أو أسرتها فرصة للتدخل، إذ جرفها التيار سريعًا بعيدًا عن الضفة، قبل أن تختفي تمامًا عن الأنظار وسط حالة من الذعر والاستغاثات التي أطلقها والدها والموجودون في المكان.
واستمرت عمليات البحث قرابة 28 ساعة متواصلة، بمشاركة قوات الإنقاذ النهري وعدد من الغواصين والأهالي، الذين مشطوا مساحات واسعة من المجرى المائي، قبل العثور على جثمانها وانتشاله بعد ساعات طويلة من الانتظار والألم.
وكشف الحادث عن خطورة المناطق القريبة من الكباري الجديدة وبوابات وعيون خزان القناطر، إذ تتميز هذه النقاط بتيارات سحب شديدة ودوامات عميقة يمكنها جذب الأشخاص إلى قاع النهر خلال ثوانٍ معدودة.
ويؤكد خبراء الإنقاذ أن إجادة السباحة لا توفر الحماية الكافية في هذه المناطق، بسبب قوة اندفاع المياه وتغير اتجاهاتها بصورة مفاجئة، إلى جانب وجود أعماق غير متوقعة يصعب معها السيطرة على حركة الجسد.
ولا تعد مأساة كارما واقعة استثنائية، إذ كشفت تقارير الإنقاذ النهري عن انتشال 11 جثمانًا خلال عشرة أيام فقط في شهر يونيو الماضي، تعود لأطفال وشباب قدموا من محافظات مختلفة للتنزه أو السباحة.
وجرفت حركة المياه جثامين عدد من الضحايا من مواقع سقوطهم إلى مناطق بعيدة، قبل أن تستقر بالقرب من خزان القناطر، بما يوضح مدى شدة التيارات واتساع نطاق البحث الذي تواجهه فرق الإنقاذ.
وتتكرر المآسي خلال أشهر الصيف بصورة أكبر، مع ارتفاع درجات الحرارة وتوافد الأسر والشباب على الحدائق والمتنزهات النيلية، في وقت يغامر فيه بعض الزائرين بالنزول إلى المياه دون إدراك طبيعة المنطقة وخطورتها.
ضفاف بلا حماية
يرجع الأهالي تكرار حوادث الغرق إلى غياب وسائل الحماية الأساسية في مناطق واسعة من كورنيش القناطر وحدائقها وضفاف النيل، رغم استقبال هذه المناطق أعدادًا كبيرة من الزائرين على مدار اليوم.
وتفتقر نقاط عديدة إلى أسوار مرتفعة أو حواجز واقية تمنع سقوط الأطفال عند الاقتراب من الحافة، خاصة في المناطق المنحدرة أو التي تلامس فيها مسارات المشاة المياه بصورة مباشرة دون فواصل آمنة.
كما تغيب اللافتات التحذيرية عن عدد من المواقع المعروفة بخطورتها، فلا توجد إشارات واضحة تمنع السباحة أو تنبه الزائرين إلى قوة التيارات والدوامات، ما يترك كثيرين فريسة لمعلومات ناقصة وتقديرات خاطئة.
ويشير الأهالي إلى أن بعض الضفاف المستخدمة للصيد أو الجلوس غير ممهدة، وتنتشر بها الحجارة والطين والأجزاء الزلقة، الأمر الذي يزيد احتمالات السقوط المفاجئ، خصوصًا بالنسبة للأطفال وكبار السن.
وتزداد الأزمة مع قلة تمركز فرق الإنقاذ السريع على طول المجرى النهري، إذ تتركز الجهود في نقاط محددة، بينما تبقى مناطق أخرى بعيدة عن التدخل الفوري الذي قد يصنع الفارق بين الإنقاذ والوفاة.
ويؤدي تأخر وصول فرق الإنقاذ إلى انخفاض فرص العثور على الضحية حيًا، لا سيما أن التيارات القوية تدفع الأشخاص إلى مناطق بعيدة خلال دقائق، قبل أن تسحبهم الدوامات إلى أعماق يصعب الوصول إليها.
ورغم تكرار الحوادث سنويًا، لم تشهد المناطق الخطرة إجراءات تأمين تتناسب مع حجم الخسائر البشرية، إذ لا تزال بعض الحدائق والكباري ومواقع الصيد تعمل دون رقابة كافية أو تنظيم لحركة الزائرين.
كما يغيب الدور التوعوي الذي يفترض أن تقوم به الأجهزة المحلية ووسائل الإعلام والمدارس ومراكز الشباب، لتحذير المواطنين من النزول إلى النيل أو ترك الأطفال دون مراقبة بالقرب من الضفاف شديدة الانحدار.
ويرى سكان المدينة أن التعامل الرسمي غالبًا ما يبدأ بعد وقوع الحوادث، من خلال البحث عن الضحايا وانتشال الجثامين، بدلًا من الاستثمار في إجراءات الوقاية التي تمنع سقوطهم منذ البداية.
البرلمان يطالب بالمحاسبة
أمام تصاعد أعداد الضحايا، تقدم النائب سمير البيومي بسؤال برلماني عاجل إلى رئيس مجلس الوزراء ووزراء الموارد المائية والري والتنمية المحلية والبيئة، بشأن تكرار حوادث الغرق في نيل القناطر الخيرية.
ووصف النائب الأزمة بأنها نتيجة «إهمال جسيم متراكم» امتد على مدار سنوات، مشيرًا إلى غياب عوامل الأمن والسلامة، وقلة فرق الإنقاذ، وعدم جاهزيتها للتعامل مع سرعة التيارات المائية في المنطقة.
وطالب برفع درجة الاستعداد الأمني والتنفيذي، وتأمين الحدائق والكورنيش بأسوار مرتفعة وحواجز مناسبة، مع توفير فرق إنقاذ مجهزة بصورة دائمة في النقاط المعروفة بارتفاع معدلات الغرق.
كما شدد على ضرورة وضع لافتات تحذيرية واضحة على ضفاف النهر والكورنيش وأسفل الكباري، ومنع السباحة في المناطق الخطرة، وتنظيم أماكن الصيد بما يضمن عدم اقتراب الأطفال من حافة المياه.
وتساءل البيومي عن مدى قيام الأجهزة التنفيذية بدورها في حماية المواطنين، وعن أسباب استمرار استقبال الحدائق لآلاف الزائرين دون توفير الحد الأدنى من إجراءات التأمين والرقابة والإنقاذ السريع.
وطالب الحكومة بإعلان خطة عاجلة ومحددة لمحاصرة الظاهرة، تتضمن جدولًا زمنيًا لتأمين الضفاف، وزيادة أعداد المنقذين، وتوفير معدات حديثة، وتحديد مسؤوليات كل جهة معنية بصورة واضحة.
كما دعا إلى إطلاق حملات توعية تستهدف الشباب والأطفال والأسر، لشرح مخاطر السباحة في النيل، وضرورة مراقبة الصغار أثناء التنزه، وعدم الاقتراب من المناطق المنحدرة أو التي تشهد تيارات قوية.
وتبقى مأساة كارما وعشرات الضحايا الآخرين شاهدًا على ثمن التأخر في اتخاذ إجراءات الحماية، بينما ينتظر أهالي القناطر وزائروها تحركًا حكوميًا يحول ضفاف النيل من مصائد للموت إلى متنزهات آمنة تحفظ الأرواح.

