أثار عدد من بقالي التموين في مصر مخاوف من سحب تراخيصهم إذا رفضوا التحول إلى مشروع كاري أون بعد الانتقال المرتقب للدعم النقدي بما يهدد استمرار آلاف المنافذ ومصادر دخل العاملين بها.
وتكشف الأزمة وجها آخر لسياسة إصلاح تدار من أعلى دون ضمانات كافية لأصحاب المنافذ إذ يجد البقال نفسه بين الانضمام إلى نموذج جديد بشروط مجهولة أو مواجهة الإغلاق وفقدان مصدر رزقه.
ترخيص مهدد ومصير غامض
وبداية قال عدد من البقالين إن أنباء شبه مؤكدة وصلت إليهم بشأن حصر الخيارات بين الانضمام إلى المشروع أو سحب الترخيص وهو ما دفعهم للمطالبة بإعلان رسمي يحدد حقوقهم والتزاماتهم بوضوح.
وفي المقابل يخشى أصحاب المنافذ أن يؤدي التحول إلى الدعم النقدي إلى تقليص مشتريات السلع التموينية لأن المواطن سيتمكن من استخدام قيمة الدعم في احتياجات أخرى خارج نطاق السلع التي يبيعونها.
ومن جهة أخرى ترتبط المخاوف بالتراجع المتوقع في أعداد المستفيدين بعد استكمال تطبيق معايير الاستحقاق الجديدة بما قد يقلل حجم المبيعات الشهرية ويجعل بعض المنافذ عاجزة عن تغطية مصروفاتها التشغيلية الأساسية.
كما حذر البقالون من أن فرض التحول دون دراسة أو فترة انتقالية كافية قد يدفع عددا كبيرا منهم إلى إغلاق النشاط خاصة في القرى والمناطق الشعبية التي تعتمد على الحصص التموينية.
وفوق ذلك تتحمل المنافذ أجور العاملين وإيجارات المحال وفواتير الكهرباء والصيانة ومصاريف نقل السلع وهي تكاليف لن تختفي بمجرد تغيير شكل الدعم بل قد ترتفع مع تطبيق النموذج التجاري الجديد.
لذلك يطالب أصحاب المنافذ بالكشف عن شروط الانضمام وحجم الاستثمارات المطلوبة ونسب الأرباح وآلية توريد السلع قبل مطالبتهم باتخاذ قرار قد يحدد مصير أعمالهم وعائلاتهم لسنوات مقبلة.
وبالتوازي يخشى البقال الصغير من تحوله إلى مجرد منفذ يحمل علامة موحدة دون امتلاك حرية اختيار السلع أو تحديد هوامش الربح أو إدارة النشاط وفقا لظروف منطقته واحتياجات زبائنه.
وعلى الجانب الآخر لم تصدر حتى الآن ضوابط نهائية توضح ما إذا كانت المنافذ غير الراغبة في الانضمام ستستمر بتراخيصها الحالية أم ستفقد دورها بالكامل بعد تطبيق الدعم النقدي.
نفي رسمي وضوابط غائبة
من جهتها نفت وزارة التموين وجود قرار بإجبار بقالي التموين على الانضمام إلى مشروع كاري أون مؤكدة أن المشاركة ستكون اختيارية وأن الباب سيفتح أمام الراغبين المستوفين للضوابط المرتقبة.
وبحسب المتحدث باسم الوزارة يجري حاليا إعداد نموذج التشغيل والاشتراطات وآليات التطبيق على أن تعلن التفاصيل بعد الانتهاء منها ثم يتقدم أصحاب المنافذ الراغبون للانضمام وفق الشروط المحددة.
غير أن النفي الرسمي لم ينه مخاوف البقالين لأن الوزارة لم توضح بصورة قاطعة مصير التراخيص الحالية عقب الانتقال إلى الدعم النقدي ولا مستقبل المنافذ التي ترفض نموذج الامتياز التجاري.
وعلاوة على ذلك يثير تأخر إعلان الضوابط حالة من الارتباك داخل القطاع إذ تنتشر المعلومات غير الرسمية بينما يعجز أصحاب المنافذ عن التخطيط لمستقبلهم أو تقدير احتياجاتهم المالية والتشغيلية المقبلة.
وبناء على ذلك يطالب البقالون ببيان مكتوب يضمن عدم سحب الترخيص بسبب رفض الانضمام ويحدد العلاقة المستقبلية بينهم وبين الوزارة بعد توقف توزيع الحصص العينية التي شكلت أساس نشاطهم لسنوات.
ومن ثم يصبح الحديث عن الاختيار الطوعي ناقصا ما لم تتوافر بدائل حقيقية تتيح للبقال الاستمرار في نشاطه دون ضغوط إدارية أو مالية تدفعه عمليا إلى قبول المشروع رغم تحفظاته.
كذلك يطالب أصحاب المنافذ بإشراك ممثلين عنهم في مناقشة الضوابط بدلا من فرض نموذج موحد قد يناسب الفروع الكبرى لكنه يضع أعباء إضافية على المحال الصغيرة محدودة المساحة ورأس المال.
في غضون ذلك تظل المخاوف مرتبطة بإمكانية تحول الامتياز التجاري إلى أداة لإعادة هيكلة شبكة التوزيع واستبعاد المنافذ التي لا تستطيع تمويل أعمال التطوير أو الالتزام بمواصفات تشغيلية مرتفعة التكلفة.
فضلا عن ذلك لا يعرف البقالون حتى الآن الجهة التي ستتحمل تكاليف اللافتات والتجهيزات والأنظمة الإلكترونية والثلاجات وتحديث المحال وهي تفاصيل قد تحدد قدرة آلاف المنافذ على دخول المشروع.
تحول تجاري يهدد الصغار
أما مشروع كاري أون فيستهدف توحيد المنافذ التابعة لوزارة التموين تحت علامة تجارية حديثة تشمل المجمعات الاستهلاكية ومشروع جمعيتي والبدالين التموينيين ضمن خطة لتطوير قطاع التجارة الداخلية.
وفي السياق نفسه افتتحت الجهات المسؤولة أول 3 فروع للمشروع بمشاركة مسؤولي جهاز مستقبل مصر ووزارة التموين ومحافظة القاهرة في خطوة قدمتها الحكومة باعتبارها بداية لتطوير المنافذ وزيادة كفاءتها.
نتيجة لذلك يتخوف البقالون من أن تتحول عملية التطوير إلى توسع لسلاسل موحدة على حساب الأنشطة العائلية الصغيرة التي أدت دورا رئيسيا في توزيع السلع المدعمة داخل الأحياء والقرى.
إضافة إلى ذلك قد يؤدي توحيد العلامة والتوريد والتسعير إلى زيادة سيطرة الجهات المركزية على السوق وتقليص هامش استقلال البقال الذي يعرف احتياجات منطقته ويعتمد على علاقات ممتدة مع المواطنين.
وفي الوقت ذاته يواجه المواطنون مخاوف من انخفاض عدد المنافذ القريبة إذا انسحب بعض البقالين أو فقدوا تراخيصهم بما يضطر كبار السن والأسر الفقيرة إلى قطع مسافات أطول للحصول على السلع.
لهذا لا يمكن اختزال القضية في تغيير لافتة أو تحديث شكل المحال لأن التحول يمس شبكة واسعة من مصادر الرزق وعلاقة ملايين المواطنين بمنظومة الدعم التي تعتمد عليها الأسر محدودة الدخل.
ومع استمرار الغموض تظل الوزارة مطالبة بإعلان جدول زمني واضح للتحول وتقديم ضمانات قانونية للبقالين وتوفير تمويل ميسر للراغبين في التطوير بدلا من تحميلهم تكلفة مشروع لم يشاركوا في تصميمه.
وأخيرا تكشف مخاوف سحب التراخيص أن نجاح كاري أون لن يقاس بعدد الفروع الجديدة بل بقدرته على حماية صغار التجار ومنع إقصائهم وضمان وصول الدعم إلى المواطنين دون أعباء إضافية.

