بعث قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، في الذكرى الرابعة والسبعين لثورة 23 يوليو، برسالة وصفها بأنها رسالة أمل وتفاؤل، مؤكدًا أن الدولة تعمل برؤية علمية لبناء مستقبل واعد، وتواجه الفساد بكل صوره، وتسعى إلى الخير والسلام. غير أن هذه الكلمات تفتح بابًا واسعًا لمقارنة الوعود الرئاسية بحصيلة أكثر من عقد من الحكم المنفرد والقرارات الاقتصادية التي لم تخضع لنقاش عام حقيقي.

 

فالحديث عن المستقبل لا يمكن فصله عن مليارات الدولارات التي جرى توجيهها إلى مشروعات عملاقة اختارها الرئيس وحدد جداولها الزمنية وأعلن أرقامها، بينما تحمل المواطنون نتائج التضخم والديون وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات. أما الحديث عن محاربة الفساد، فيصطدم بغياب الشفافية الكاملة حول تكاليف عدد من المشروعات الكبرى، وضعف الرقابة البرلمانية المستقلة، واستمرار مصر في مرتبة متأخرة عالميًا على مؤشر مدركات الفساد.

 

بعد سنوات من افتتاح المشروعات والاحتفال بالأرقام القياسية، يبقى السؤال الذي تتجنبه خطابات السلطة هو ما إذا كانت الأولويات التي فرضها السيسي قد بنت اقتصادًا منتجًا بالفعل، أم نقلت موارد الدولة إلى الخرسانة والعقارات والطرق، بينما بقي التعليم والصحة والصناعة والبحث العلمي رهائن للديون والعجز وتراجع القوة الشرائية.

 

 

عاصمة للأغنياء في الصحراء

 

تُعد العاصمة الإدارية الجديدة النموذج الأكثر وضوحًا على الفجوة بين خطاب المستقبل وواقع المواطنين. بدأ المشروع بتقديرات بلغت 45 مليار دولار، قبل أن تشير تقديرات لاحقة لمسؤولين إلى أن تكلفته الكاملة قد تصل إلى نحو 58 مليار دولار، بينما انتقلت الوزارات والهيئات الحكومية إلى مدينة لم تستقطب حتى الآن عددًا سكانيًا يتناسب مع حجم الأموال والأراضي والمنشآت المخصصة لها.

 

وتصر الحكومة على أن العاصمة لم تُموّل من الموازنة العامة، وأن شركة العاصمة الإدارية تعتمد على بيع الأراضي للمستثمرين والمطورين في تمويل الإنشاءات. لكن هذا الدفاع لا ينهي الجدل، لأن الأراضي أصل عام مملوك للدولة، واستخدام عوائدها في بناء مدينة شديدة الكلفة يظل اختيارًا سياسيًا واقتصاديًا كان يمكن توجيهه إلى الإسكان الشعبي أو تطوير القاهرة والمحافظات أو تمويل الخدمات الأساسية.

 

كما أن اعتبار المشروع خارج الموازنة لا يعفيه من ضرورة الرقابة العامة، ولا يجيب عن تكلفة شبكات النقل والمرافق والمنشآت الحكومية والتمويلات الأجنبية المرتبطة به. وقد ذكرت تقارير أن منطقة الأعمال المركزية التي تنفذها شركات صينية تُقدّر استثماراتها بنحو 3 مليارات دولار، ضمن مشروع تصفه تقارير دولية بأنه استنزف عملة أجنبية وأسهم، مع مشروعات أخرى، في زيادة الضغوط على الاقتصاد والديون.

 

ويضع الخبير في الاستراتيجية الدكتور مراد علي جوهر الاعتراض في سلسلة أسئلة تتجاوز المظهر المعماري للمشروع، إذ يرى أن السؤال الحقيقي يتعلق بالتكلفة ومصدر التمويل وترتيب الأولويات ومستوى الرقابة. وبصياغته المباشرة، ينبغي السؤال عن المشروع على أساس «بأي تكلفة ومن أي مصدر ووفق أي أولويات وتحت أي رقابة».

 

هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحًا حين تبدو العاصمة الجديدة أقرب إلى مدينة للنخب والوزارات والشركات الكبرى، لا امتدادًا عمرانيًا متاحًا للأغلبية. فقد نقلت رويترز أن منتقدين يرون أنها لا تلبي احتياجات المصريين العاديين، بينما ظلت أعداد المقيمين الفعليين محدودة مقارنة بالطاقة المعلنة لاستيعاب 6.5 مليون نسمة.

 

 

تفريعة باهظة وعوائد هشة

 

في أغسطس 2015 افتتح السيسي مشروع قناة السويس الجديدة بعد ضغط مدة التنفيذ إلى عام واحد، وسط دعاية رسمية ضخمة وعدت بقفزة استثنائية في الإيرادات وحركة السفن. وجمعت الدولة 64 مليار جنيه من المواطنين عبر شهادات استثمار لتمويل المشروع والأعمال المرتبطة به، مع فوائد مرتفعة تحمّل الجهاز المصرفي والدولة أعباء سدادها لاحقًا.

 

لم تكن المشكلة في تطوير المجرى الملاحي من حيث المبدأ، وإنما في تحويل المشروع إلى سباق سياسي هدفه إثبات قدرة السلطة على الإنجاز السريع، من دون نشر دراسة جدوى تفصيلية تبرر ضغط الجدول الزمني أو تقارن بين التكلفة والعائد المتوقع والبدائل الأكثر إلحاحًا. وبقيت أرقام تكلفة الحفر والأنفاق والمرافق المرتبطة بالمشروع محل تضارب واسع.

 

وتؤكد الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد، أن قناة السويس لا يمكن أن تكون وحدها أساسًا لدعم الاقتصاد، وأن الاستدامة تتطلب توسيع الإنتاج والتصدير والاستثمار الحقيقي. ويضع هذا الرأي المشروع في حجمه الاقتصادي الصحيح، بوصفه موردًا مهمًا لكنه شديد التأثر بحركة التجارة العالمية والصراعات الإقليمية، وليس ماكينة مستقلة لتوليد الرخاء.

 

وقد كشفت أزمة البحر الأحمر هشاشة الاعتماد المفرط على إيرادات القناة، بعدما أعلن السيسي نفسه أن الاضطرابات الإقليمية أفقدت مصر نحو 7 مليارات دولار من الإيرادات خلال 2024، بانخفاض تجاوز 60 بالمئة عن العام السابق. وهذه الخسائر ليست نتيجة التفريعة، لكنها تثبت أن حجم المجرى وحده لا يحمي الإيرادات من تغير مسارات التجارة والمخاطر السياسية.

 

لذلك لا يصح تقييم المشروع بعدد الكيلومترات المحفورة أو سرعة الافتتاح، بل بما أضافه بصورة مستقلة إلى الإيرادات مقارنة بالتكلفة وخدمة التمويل. وحتى مع تسجيل القناة إيرادات مرتفعة قبل أزمة البحر الأحمر، ظل السؤال قائمًا حول جدوى إنفاق عشرات المليارات بهذه السرعة بدلًا من توجيه الموارد إلى التصنيع والخدمات اللوجستية وتطوير الموانئ والصادرات.

 

 

طرق جديدة وحصاد مستمر للضحايا

 

قدمت السلطة شبكة الطرق والكباري باعتبارها الإنجاز الأكثر وضوحًا في عهد السيسي، وتحدثت بيانات رسمية عن إنفاق نحو 310 مليارات جنيه على المشروع القومي للطرق حتى 2022. ولا يمكن إنكار أن الشبكة الجديدة حسّنت الربط بين عدد من المدن والموانئ، لكن الإنفاق الضخم لا يكفي وحده لإثبات النجاح ما لم تقاس سلامة الطرق وكفاءة الصيانة والعائد الاقتصادي والاجتماعي.

 

وتكشف أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن حوادث الطرق أوقعت 76,362 مصابًا خلال 2024، بارتفاع 7.5 بالمئة عن العام السابق، إلى جانب 5,360 وفاة. ورغم انخفاض عدد الوفيات بنسبة 10.3 بالمئة، تبقى الحصيلة الإنسانية ثقيلة بما ينقض تصوير إنشاء الطرق بوصفه حلًا مكتملًا لمشكلة النقل والسلامة.

 

وفي يوم خطاب السيسي نفسه بمناسبة ثورة يوليو، أصيب 10 أشخاص في انقلاب حافلة صغيرة على طريق العاصمة الإدارية. الحادث لا يثبت وحده وجود عيب في الطريق، لكنه يعكس استمرار النزيف رغم المليارات المنفقة، ويؤكد أن بناء الأسفلت يجب أن يتبعه ضبط السرعات والنقل الثقيل وصيانة المركبات وتوفير وسائل انتقال آمنة.

 

وتنتقد الدكتورة سالي صلاح في منشوراتها توجيه الديون إلى مشروعات الطرق والكباري من دون وضع البشر والرقابة في قلب التخطيط، كما تربط تكرار الحوادث بضعف الرقابة المرورية واحتمالات القصور في التصميم الآمن والصيانة. وهذه الآراء تطرح سؤال المسؤولية السياسية، بدلًا من اختزال كل حادث في خطأ فردي لسائق.

 

فالطريق الناجح ليس الطريق الأوسع أو الأعلى تكلفة، بل الطريق الذي يخفض زمن الرحلة ويحمي الأرواح ويخضع لدراسات منشورة قبل التنفيذ وتقييم مستقل بعد التشغيل. أما بناء المحاور بوتيرة متسارعة ثم ترك المواطنين أمام النقل العشوائي وضعف الرقابة وغياب المعلومات عن العقود والتكاليف، فيحوّل الإنجاز الهندسي إلى واجهة لا تمنع استمرار المأساة.

 

 

فساد مؤسسي خلف الشعارات

 

عندما يقول السيسي إن الدولة تواجه الفساد بكل صوره، فإن الحكم على العبارة يجب أن يستند إلى المؤشرات والنتائج لا إلى عدد قضايا القبض التي تعلنها الأجهزة الرقابية. ففي مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 حصلت مصر على 30 نقطة فقط من 100، واحتلت المرتبة 130 من أصل 182 دولة وإقليمًا، لتبقى داخل الثلث الأدنى عالميًا تقريبًا.

 

هذا المؤشر لا يثبت واقعة فساد محددة، لكنه يقيس تصورات الخبراء وقطاع الأعمال بشأن فساد القطاع العام، ويكشف أن الخطاب الرسمي لم ينجح في بناء ثقة دولية قوية في الشفافية والمحاسبة. والأخطر أن درجة مصر لم تتحسن عن العام السابق، رغم سنوات من إعلان الاستراتيجيات واللجان والحملات الرسمية لمكافحة الفساد.

 

ووصف الخبير الاقتصادي هاني توفيق الفساد في مصر بأنه فساد مؤسسي راسخ يمتلك فروعًا وقنوات، وطالب بإنشاء مفوضية عليا قوية لمواجهته. وتكتسب كلماته أهمية لأنها تنقل النقاش من الموظف الصغير والرشوة اليومية إلى بنية أوسع تشمل غياب الإفصاح وتضارب المصالح وضعف المحاسبة وإغلاق ملفات الإنفاق العام أمام الرقابة المستقلة.

 

كما سبق لتوفيق أن انتقد تمويل مشروعات طويلة الأجل بديون قصيرة الأجل، وهو انتقاد دفع وزير المالية السابق إلى الرد والدفاع عن عائد مشروعات البنية التحتية وفرص العمل التي وفرتها. لكن الرد الحكومي لم يلغِ السؤال الأساسي حول ملاءمة آجال الديون، ولا حول ترتيب الأولويات أو نشر دراسات العائد بصورة تسمح للمجتمع بتقييم القرارات.

 

ولا تتحقق مواجهة الفساد بمجرد محاكمة بعض المسؤولين، بل بإتاحة العقود والموازنات التفصيلية للمشروعات الكبرى، وتمكين البرلمان وأجهزة المحاسبة والصحافة والمجتمع المدني من مراجعتها دون خوف. فحين يحتكر الرئيس تحديد المشروع والتكلفة والموعد، ثم تحتكر أجهزة السلطة تقييم النجاح، يصبح شعار مكافحة الفساد منفصلًا عن أبسط شروط الشفافية.

 

بعد أكثر من 12 عامًا في الحكم، لم يعد كافيًا أن يَعِد السيسي المصريين بأن القادم أفضل. فالمواطن الذي يدفع ثمن الدين والتضخم وتراجع الخدمات يحتاج إلى حساب علني لما أُنفق بالفعل، ولماذا قُدّمت العاصمة والتفريعة والكباري على قطاعات الإنتاج والتعليم والصحة، ومن يتحمل مسؤولية القرارات إذا لم تحقق عائدها المعلن.

 

رسالة الأمل الحقيقية لا تبدأ بخطاب جديد، وإنما بفتح دفاتر المشروعات أمام الناس، ووضع حد للحكم بالقرار الفردي، وإعادة ترتيب الإنفاق وفق احتياجات الأغلبية لا طموحات السلطة في تشييد المدن والقصور والأبراج. ومن دون ذلك، يبقى المستقبل الواعد شعارًا يتكرر كل عام، بينما تتراكم الفواتير على المصريين.