لم يعد سقوط العمال داخل بيارات الصرف الصحي أو آبار الحفر مجرد حوادث متفرقة، بل بات مشهدًا يتكرر بصورة تثير تساؤلات واسعة حول إجراءات السلامة المهنية والرقابة على مواقع العمل، بعدما شهدت محافظتا المنوفية والفيوم حوادث متشابهة انتهت بوفاة وإصابات بالغة، بينما بقي العمال وأسرهم وحدهم من يتحملون كلفة ما يصفه كثيرون بالإهمال وغياب معايير الأمان.
وفي الوقت الذي لا تزال فيه أسرة أحد ضحايا حادث بيارة مدينة السادات تعيش صدمة الفقد، شهدت محافظة الفيوم حادثًا مشابهًا أصيب خلاله عاملان بإصابات خطيرة إثر انهيار بئر صرف صحي أثناء تنفيذ أعمال الحفر، في واقعة أعادت إلى الواجهة المخاطر اليومية التي يتعرض لها عمال الصرف والإنشاءات.
مأساة داخل بيارة الصرف بمدينة السادات
خيمت أجواء الحزن على مدينة السادات بمحافظة المنوفية عقب مصرع عاملين وإصابة ثالث داخل مطبق للصرف الصحي بالمنطقة السكنية الثامنة أمام كلية الدراسات الإسلامية، أثناء تنفيذ أعمال تطهير وصيانة.
ووفقًا لما أعلنه جهاز تنمية مدينة السادات، فإن العمال باشروا أعمال التطهير داخل المطبق، وهو ما انتهى بوقوع الحادث الذي أسفر عن وفاة اثنين منهم، بينما نُقل العامل الثالث إلى مستشفى السادات العام لتلقي العلاج.
طفل ينتظر والده الذي لن يعود
وراء الأرقام الرسمية، تكشف شهادات أسرة أحد الضحايا حجم المأساة الإنسانية التي خلفها الحادث.
وأكد أفراد الأسرة أن الفقيد كان أبًا لطفل يبلغ من العمر تسع سنوات، وأن الابن لا يزال ينتظر عودة والده، غير مدرك أن رحلة العمل الأخيرة انتهت بالموت.
وأوضحت الأسرة أن الضحية كان يعيش وسط أسرته ويتمتع بعلاقات طيبة مع الجميع، قبل أن يتحول يوم العمل إلى فاجعة قلبت حياة العائلة بالكامل.
وأضافت أن والدته تعيش حالة انهيار منذ وقوع الحادث، خاصة أن الأسرة لم تتعاف بعد من وفاة شقيقته قبل نحو تسعة أشهر، ليأتي رحيله ويجدد الأحزان داخل المنزل.
مشهد مؤثر أمام المشرحة
وأمام مشرحة مستشفى شبين الكوم التعليمي، سيطرت مشاهد البكاء والانهيار على أسرة محمد محمد صبحي عبدالجواد، البالغ من العمر 42 عامًا، والذي كان يعمل فرد أمن بجامعة مدينة السادات.
وسط دموعها، وقفت شقيقته تودعه بكلمات مؤثرة قائلة: "إنت شهيد يا محمد.. روحت للي أحسن مننا.. يارب يطعمك ويرزقك من حور العين"، في مشهد أبكى الحاضرين، بينما عجز أفراد الأسرة عن استيعاب خبر رحيله المفاجئ.
وكان محمد قد ترك خلفه طفلًا صغيرًا، لتتحول أسرته إلى واحدة من عشرات الأسر التي فقدت عائلها أثناء تأدية عمله.
الفيوم.. حادث جديد يعيد المشهد نفسه
وبينما لم تهدأ تداعيات حادث المنوفية، شهدت محافظة الفيوم واقعة مشابهة بعدما أصيب عاملان بإصابات بالغة إثر انهيار بئر صرف صحي أثناء أعمال الحفر بقرية "والي ميزار" التابعة لمركز يوسف الصديق.
وأظهرت المعلومات الأولية أن العاملين كانا ينفذان أعمال إنشاء بئر للصرف الصحي لصالح إحدى شركات المقاولات، قبل أن تنهار عليهما الحفرة التي بلغ عمقها نحو مترين ونصف، ما تسبب في إصابتهما بكسور خطيرة في العمود الفقري والساقين.
وتمكنت فرق الإنقاذ من انتشالهما ونقلهما إلى مستشفى أبشواي المركزي لتلقي الرعاية الطبية اللازمة.
حوادث تتكرر.. وتساؤلات عن إجراءات السلامة
ويعيد تكرار هذه الوقائع خلال فترة قصيرة طرح تساؤلات حول مدى الالتزام باشتراطات السلامة المهنية داخل مواقع الحفر والصرف الصحي، خاصة أن العمل داخل البيارات والمطابق يتطلب تجهيزات وقائية صارمة، تشمل التأكد من نسب الأكسجين والغازات السامة، واستخدام معدات الحماية الشخصية، واتباع إجراءات دخول آمنة إلى الأماكن المغلقة.
ويرى مختصون في السلامة المهنية أن غياب هذه الإجراءات أو عدم تطبيقها بصورة كاملة قد يحول مواقع العمل إلى بيئات شديدة الخطورة، بما يزيد من احتمالات وقوع الحوادث القاتلة أو الإصابات البالغة.
وتسلط هذه الحوادث الضوء على واقع يواجهه كثير من العمال الذين ينزلون يوميًا إلى بيارات الصرف ومواقع الحفر لإنجاز أعمالهم، بينما يكونون في كثير من الأحيان الحلقة الأضعف عند وقوع الكوارث.

