د. محمد جمال حشمت
رئيس البرلمان المصري في الخارج
كانت مباراة مصر والأرجنتين نقطة ارتكاز ومحطة فاصلة لاستعادة الوعي، والتأكد من أن هناك نظاما عالميا وحشىيا تم بناءه على الكراهية والاستعلاء وغرور القوة، فلم يجعل لأحد غيره قيمة أو كرامة لا في الجد ولا في اللعب!!
وهنا نطرح عدة تساؤلات نبحث في الإجابة عنها وفي ضرورة الاهتمام بنتائجها إذا أردنا أن نكون فاعلين في هذا العالم، محاطين بأسباب القوة ومحافظين على قيمنا وكرامتنا في عالم فقد عقله وتجاوز حدوده!
أولًا: لماذا فقدت المؤسسات الدولية كثيرًا من مصداقيتها؟
يرى كثير من المراقبين أن الثقة في عدد من المؤسسات الدولية تراجعت بسبب ما يُنظر إليه على أنه ازدواجية في تطبيق المبادئ. فعندما تُطبَّق قواعد القانون الدولي في بعض النزاعات بينما يُنظر إلى أنها تُتجاهل أو تُفسَّر بشكل مختلف في نزاعات أخرى، تتآكل شرعية المؤسسات في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام.
ولا يقتصر هذا الشعور على قضية واحدة، بل يمتد إلى ملفات تتعلق بالحروب، والعقوبات، وحقوق الإنسان، والاقتصاد، وحتى بعض الهيئات الرياضية والثقافية عندما يُنظر إلى قراراتها على أنها تتأثر بالضغوط السياسية. (مواقف الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمحاكم الدولية من الإبادة الجماعية في غزة، وموقف الفيفا الذى منع روسيا ولم يجروء على معاداة الكيان الصهيوني).
وهذه الأزمة ليست أزمة مؤسسة بعينها، وإنما أزمة منظومة نشأت بعد الحرب العالمية الثانية في ظل ميزان قوى معين، وما زالت تعكس بدرجات متفاوتة ذلك التوازن التاريخي.
ثانيًا: لماذا يبدو إصلاح النظام الدولي صعبًا؟
هناك عدة أسباب تجعل الإصلاح بطيئًا ومعقدًا:
- أن القوى الكبرى تمتلك أدوات تأثير واسعة: اقتصادية، وعسكرية، وتقنية، وإعلامية، ودبلوماسية.
- أن كثيرًا من المؤسسات الدولية تقوم على توازنات قانونية تجعل تعديلها يحتاج إلى موافقة الدول الأكثر نفوذًا.
- وجود مصالح اقتصادية هائلة مرتبطة ببقاء النظام الحالي كما هو.
- تشتت الدول الراغبة في الإصلاح وعدم اتفاقها على مشروع بديل موحد.
- اعتماد معظم دول العالم على النظام المالي العالمي القائم، بما يصعب الانفصال عنه بسرعة.
- خشية كثير من الدول من أن يؤدي انهيار النظام الحالي إلى فوضى دولية أكبر.
ولهذا فإن إصلاح المنظومة لا يتعلق فقط بإقناع الآخرين أخلاقيًا، بل بإعادة تشكيل موازين القوة والقدرة على التأثير.
ثالثًا: لماذا قد يحتاج العالم الإسلامي إلى التفكير في بناء بدائل؟
إذا كان الإصلاح الداخلي محدودًا، فإن التفكير في مؤسسات موازية يصبح خيارًا استراتيجيًا، ليس بهدف الانعزال أو الصدام، وإنما لإثراء النظام الدولي وتوسيع خيارات التعاون.
ويمتلك العالم الإسلامي عناصر قوة مهمة، منها:
- أكثر من مليار ونصف المليار نسمة.
- موارد طبيعية وطاقية ضخمة.
- موقع جغرافي يربط القارات.
- صناديق سيادية واستثمارات كبيرة.
- سوق استهلاكية واسعة.
- إرث حضاري وفكري وقيمي يمكن أن يسهم في النقاش العالمي حول العدالة والأخلاق.
لكن هذه الإمكانات تحتاج إلى تحويلها إلى مؤسسات فعالة.
معوقات هذه التحولات داخليا وخارجيا
1- المعوقات الداخلية
- التشرذم السياسي: غياب الوحدة والتنسيق بين الدول الإسلامية، وتضارب المصالح، والولاءات الإقليمية الضيقة.
- التبعية الاقتصادية: استمرار التبعية الاقتصادية للغرب، والاعتماد على الأنظمة المالية والتجارية الغربية.
- ضعف الإرادة السياسية: عدم وجود إرادة سياسية قوية ومشتركة بين قادة الدول الإسلامية لتبني مشاريع بديلة كبرى.
- الفساد وسوء الإدارة: انتشار الفساد وسوء الإدارة في بعض الدول، مما يعيق جهود التنمية والتطوير المؤسسي.
- الخلافات المذهبية والعرقية: تأثير الخلافات المذهبية والعرقية على تماسك العالم الإسلامي وقدرته على العمل المشترك.
2- المعوقات الخارجية
- هيمنة القوى الكبرى: مقاومة القوى الغربية الكبرى لأي محاولات لإنشاء نظام دولي بديل يهدد مصالحها وهيمنتها.
- الضغوط السياسية والاقتصادية: ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية على الدول الإسلامية لثنيها عن تبني مشاريع استقلالية.
- التحكم الإعلامي: سيطرة الإعلام الغربي على الرواية العالمية، وتشويه صورة أي مبادرات إسلامية بديلة.
- التدخلات الخارجية: التدخلات العسكرية والسياسية في شؤون الدول الإسلامية، مما يزيد من حالة عدم الاستقرار.
رابعًا: ما البدائل الممكنة؟
يمكن تصور مسارات عملية، مثل:
1- تأسيس سوق اقتصادية إسلامية تدريجية تبدأ بتسهيل التجارة والاستثمار.
2- تعزيز مؤسسات تمويل وتنمية مشتركة تدعم البنية التحتية والابتكار.
3- إنشاء مراكز تحكيم دولية مستقلة ذات كفاءة عالية.
4- دعم شبكات جامعات ومراكز أبحاث عابرة للحدود.
5- بناء منصات إعلامية دولية متعددة اللغات.
6- الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
7- تطوير شبكات للإغاثة والعمل الإنساني وفق معايير مهنية وشفافة.
8- تنسيق المواقف الدبلوماسية في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
هذه المبادرات لا تستلزم القطيعة مع المؤسسات القائمة، بل يمكن أن تعمل بالتوازي معها.
خامسًا: ما أكبر المعوقات؟
ليست المعوقات خارجية فقط، بل داخلية أيضًا، ومنها:
- الانقسامات السياسية بين الدول الإسلامية.
- تفاوت مستويات التنمية.
- ضعف التكامل الاقتصادي.
- محدودية الاستثمار في البحث العلمي.
- هجرة الكفاءات.
- ضعف الحوكمة في بعض المؤسسات.
- غياب رؤية استراتيجية طويلة الأمد تتجاوز تغير الحكومات.
ومن دون معالجة هذه التحديات، سيظل أي مشروع بديل محدود الأثر.
سادسًا: كيف يمكن تحويل الفكرة إلى مشروع واقعي؟
يبدأ التغيير من خطوات متدرجة:
- الاتفاق على رؤية مشتركة تتجاوز الخلافات الآنية.
- الاستثمار في التعليم والبحث العلمي.
- تشجيع الابتكار وريادة الأعمال.
- تعزيز الشفافية والمساءلة في المؤسسات.
- بناء شبكات تعاون بين الجامعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
- زيادة التكامل الاقتصادي والتجاري.
- تطوير مؤسسات قادرة على المنافسة عالميًا من حيث الكفاءة والموثوقية، فالبدائل لا تُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات والكفاءات والثقة.
لتحويل هذا الحلم إلى حقيقة، يمكن اتخاذ الإجراءات التالية:
1- تعزيز الوحدة والتنسيق
- قمم إسلامية دورية: عقد قمم إسلامية دورية تركز على قضايا محددة، وتخرج بقرارات ملزمة للدول الأعضاء.
- مجالس تنسيق عليا: إنشاء مجالس تنسيق عليا في مختلف المجالات (سياسية، اقتصادية، ثقافية) لضمان تنفيذ المشاريع المشتركة.
2- الاستثمار في الموارد الذاتية
- صناديق استثمار إسلامية: إنشاء صناديق استثمار إسلامية ضخمة، تمول المشاريع التنموية والبنية التحتية في العالم الإسلامي.
- تطوير البحث العلمي: تخصيص ميزانيات أكبر للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، وتشجيع الابتكار والإبداع.
3- بناء القدرات المؤسسية
- تطوير الكفاءات: الاستثمار في تنمية الكفاءات البشرية في جميع المجالات، وتوفير التعليم والتدريب عالي الجودة.
- الشفافية ومكافحة الفساد: تطبيق معايير الشفافية والحوكمة الرشيدة، ومكافحة الفساد لضمان فعالية المؤسسات الجديدة.
4- التواصل والشراكات
- حوار الحضارات: تعزيز الحوار مع الحضارات الأخرى، وتقديم النموذج الإسلامي القائم على العدل والسلام.
- شراكات استراتيجية: بناء شراكات استراتيجية مع الدول والقوى الصاعدة التي تشارك العالم الإسلامي رؤيته لعالم متعدد الأقطاب.
5- التوعية والتعبئة الشعبية
- حملات توعية: إطلاق حملات توعية واسعة النطاق لتعريف الشعوب الإسلامية بأهمية هذه البدائل، وحشد الدعم الشعبي لها.
- دور المؤسسات الدينية: تفعيل دور المؤسسات الدينية والتعليمية في تعزيز الوعي بأهمية الوحدة والعمل المشترك.
سابعًا: هل الهدف إنشاء نظام إسلامي مغلق؟
ليس بالضرورة، فالبديل الأكثر استدامة هو نظام منفتح يتعاون مع الجميع على أساس العدالة وسيادة القانون واحترام الكرامة الإنسانية، ويستفيد من القيم الإسلامية في تعزيز الأمانة، والعدل، والوفاء بالعقود، وحماية الضعفاء، مع احترام التعددية والتعاون الدولي.
ولو أن الدول الإسلامية التي تنفق أموالها أو تبدد ثرواتها لقوى الهيمنة الدولية، رشوة أو جزية أو استضعافا أو عنوة لضمان الحماية والبقاء، وجهتها إلى الاستثمار لشعوبها والشعوب المستضعفة التي ترضخ لهيمنة الممول أو صاخب العطاء؛ لتكونت جبهة عالمية من الصعب تحديها لو صارت على قلب رجل واحد حريص على مصالحه، محافظا على كرامته بدلا من الاستجابة لسياسات فرق تسد الاستعمارية.
لقد أثبت التاريخ أن موازين القوة ليست ثابتة، وأن الأنظمة الدولية تتغير عندما تتغير القدرات الاقتصادية والعلمية والسياسية للدول والمجتمعات. وإذا أراد العالم الإسلامي أن يسهم في بناء نظام أكثر عدلًا، فإن الطريق لا يبدأ بمواجهة المؤسسات القائمة فحسب، بل ببناء مؤسسات ناجحة وموثوقة تمتلك الكفاءة والشرعية. فالقيم وحدها لا تكفي، كما أن القوة المجردة لا تكفي؛ وإنما يحتاج العالم إلى الجمع بين القيم والمؤسسات والقدرة على الإنجاز.

