أعلن مكتب السيناتور ليندساي جراهام، أحد أقرب حلفاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الكونجرس عن وفاته عن 71 عامًا بعد "مرض قصير ومفاجئ".

 

وكان جراهام، المعروف بمواقفه المتشددة، أحد أكثر الشخصيات نفوذًا في واشنطن في الشؤون الخارجية، وانتُخب عضوًا بمجلس الشيوخ عام 2002 بعد أن شغل عضوية مجلس النواب، وروّج لفترة طويلة لسياسة التدخل العسكري الأمريكي القوي. وبصفته رئيسًا للجنة الميزانية في مجلس الشيوخ، لعب  دورًا محوريًا خلال ولاية ترامب الثانية، وقدّم المشورة له في قضايا مثل الحرب الإيرانية وروسيا.

 

تحالف بعد عداوة 

 

وخيم التوتر في البداية على العلاقة بين الحليفين، وذلك بعد أن خاض جراهام السباق التمهيدي للرئاسة أمام ترامب في عام 2016، ووصفه آنذاك بأنه "غير مؤهل للمنصب". واستخدم  ألفاظًا نابية لوصف ترامب بعد أن أدلى الأخير بتصريحات مهينة بحق الجمهوري جون ماكين، صديق جراهام المقرب بمجلس الشيوخ وأحد قدامى المحاربين في حرب فيتنام. وعُرف ماكين وجراهام، إلى جانب السيناتور جو ليبرمان، المستقل عن ولاية كونيتيكت، باسم "الأصدقاء الثلاثة"، وكانوا يسافرون معًا بشكل متكرر للترويج لآرائهم في السياسة الخارجية حول العالم.

 

واستمر ترامب في التقليل من شأن جراهام طوال السباق الانتخابي، في حين أوضح الأخير أنه لن يدعمه. لكن موقف جراهام تغير بشكل ملحوظ بمجرد فوز ترامب بالرئاسة. فقد أصبح أحد أبرز حلفائه، حيث كان يتحدث معه باستمرار، وكان يظهر معه بانتظام في ملاعب الجولف، حتى في الوقت الذي ظل فيه ماكين منتقدًا له.

 

في مقابلة أجرتها معه وكالة أسوشيتد برس عام 2018، أوضح جراهام سبب تحوّله قائلاً إن ماكين - الذي ترشّح مرتين للرئاسة - علّمه أن على البلاد أن تمضي قدمًا بعد الانتخابات، وهذا يعني أن "عليك واجب" مساعدة الرئيس. 

 

وقال جراهام عن ترامب: "لقد حاولتُ أن أكون مفيدًا قدر استطاعتي، لأنني أعتقد أنه بحاجة إلى كل مساعدة ممكنة. يمكنك أن تكون ناقدًا أفضل عندما يفهم الناس أنك تحاول مساعدتهم على النجاح".

 

وكان جراهام من أبرز المدافعين عن ترامب خلال محاكمتي عزله، فيما مثّل تحولاً عن دوره كمدعٍ عام في مجلس النواب خلال محاكمة عزل الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون عام 1998. وقد بُرئ الرئيسان في نهاية المطاف.

 

وعقب هجوم 6 يناير 2021 على مبنى الكابيتول، بدا أن جراهام انفصل عن ترامب، حيث قال في خطاب مؤثر داخل  قاعة مجلس الشيوخ في تلك الليلة: "لا تحسبوني خارجًا. لقد طفح الكيل". لكن سرعان ما عاد إلى جانب ترامب وظل الاثنان على علاقة وثيقة خلال الولاية الرئاسية الثانية.

 

وعقب حصوله على ترشيح الحزب الجمهوري عن ولاية كارولينا الجنوبية في يونيو، خاطب جراهام ترامب، قائلاً: "سأساعدك في تغيير هذا العالم وتغيير هذا البلد".

 

وكان جراهام معروفًا بتأثيره ليس فقط على ترامب، ولكن أيضًا على زملائه الجمهوريين الذين كانوا يدركون قدرته على التأثير أحيانًا على تفكير الرئيس - فضلاً عن علاقاته مع قادة العالم.

 

صدمة في إسرائيل 


أما بالنسبة لمواقفه من إسرائيل، فقد كان من أشد المدافعين عنها، والمروجين لسياستها العدوانية في واشنطن. ونعاه ئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قائلاً: "لقد فقدت إسرائيل أحد أعظم أصدقائها. فقدت أمريكا وطنيًا عظيمًا. لقد فقدت صديقًاً عزيزًا"..

 

ولأكثر من عقدين، اعتُبر السيناتور الجمهوري أحد أكثر حلفاء إسرائيل ولاءً وثباتًا في واشنطن. لذا، مثلت وفاته صدمة في إسرائيل. زحتى في الفترات التي أصبح فيها دعم إسرائيل مثيرًا للجدل في السياسة الأمريكية، حافظ جراهام على موقف واضح وثابت: دعم لا لبس فيه لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وموقف حازم ضد إيران، ودعم رؤية للسلام الإقليمي من خلال التطبيع مع الدول العربية.


وينظر إلى جراهام بوصفه أحد أكثر المشرعين تأييدًا لإسرائيل في الكونجرس، وقلّما يضاهيه مشرعون آخرون في عمق دعمه لإسرائيل. وعلى مرّ السنين، زار إسرائيل مرات عديدة، وحرص على زيارتها حتى خلال أحلك الفترات وأكثرها حساسية، بما في ذلك خلال الحروب مع حماس وإيران.

 

وكانت الحرب ضد إيران من أبرز القضايا التي ارتبطت بجراهام. فعلى مدى سنوات، حذر من البرنامج النووي الإيراني، وعارض الاتفاق النووي لعام 2015، ودعا إلى ممارسة أقصى قدر من الضغط الاقتصادي والدبلوماسي على طهران. وشدد مرارًا وتكرارًا على أن إيران هي القوة الرئيسة التي تزعزع استقرار الشرق الأوسط من خلال دعمها لحماس وحزب الله والميليشيات الشيعية والحوثيين.


إلى جانب موقفه المتشدد تجاه إيران، كان جراهام أيضًا من أبرز الداعمين لتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية. وعمل على تعزيز التطبيع بين إسرائيل والسعودية ودول عربية أخرى، معتبرًا أن تحالفًا إقليميًا يضم إسرائيل ودولاً عربية معتدلة هو أنجع السبل لكبح نفوذ إيران وتعزيز الاستقرار الإقليمي.


وكان جراهام أيضًا من أشد المؤيدين للمساعدات الأمنية الأمريكية لإسرائيل. فقد دعم حزم المساعدات العسكرية، وشراء أنظمة أسلحة متطورة، واستمرار التمويل الأمريكي لأنظمة الدفاع الجوي، وعلى رأسها نظام القبة الحديدية. وبعد هجوم 7 أكتوبر، دعا إلى تزويد إسرائيل بكل الوسائل اللازمة لهزيمة حماس واستعادة الأمن لمواطنيها.


وإلى جانب عمله في مجلس الشيوخ، كان جراهام يُعتبر لفترة طويلة أحد أقرب مستشاري ترامب في السياسة الخارجية. وشارك في مناقشات استراتيجية حول الشرق الأوسط، وكان يُنظر إليه كأحد الأشخاص الذين يستشيرهم بانتظام بشأن إسرائيل وإيران والسياسة الإقليمية. وساهمت آراؤه في صياغة سياسة الضغط الأقصى على إيران ودعم توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية.


ولطالما اعتُبر جراهام، بين المسؤولين الإسرائيليين، حلقة وصل رئيسة في الكونجرس صديقًا حقيقيًا. ورأى أن التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل ليس مجرد مصلحة استراتيجية، بل هو أيضًا التزام أخلاقي وديمقراطي.


وطوال مسيرته العامة، رسخ جراهام نفسه كواحد من أكثر الأصوات تأثيرًا في واشنطن دعمًا لإسرائيل، وحتى في أصعب لحظاتها، وظل أحد أبرز المدافعين عنها في الساحة السياسية.

 

ضربة للجناح المتشدد في الحزب الجمهوري


يُعدّ رحيل جراهام ضربةً قويةً ليس لإسرائيل فحسب، بل وللجناح المتشدد في الحزب الجمهوري أيضًا، الذي باتت بعض أجزائه تنأى بنفسها عن إسرائيل بشكل متزايد. على مرّ السنين، أدلى جراهام بعدد من التصريحات التي تعبر عن ارتباطه الوثيق ودعمه لإسرائيل. ومن أبرزها: "إسرائيل استثمارٌ جيّدٌ لأمريكا لأننا نتشارك القيم والأعداء. لو أردنا محاكاة قدرات الجيش الإسرائيلي في المنطقة، لكان علينا مضاعفة ميزانيتنا العسكرية. لا يمكننا الاستغناء عن إسرائيل. إسرائيل تُقدّم لنا أكثر مما يُقدّمه أيّ طرفٍ آخر في المنطقة".


فيما يتعلق بحق إسرائيل في قتال حماس، أكد جراهام مرارًا على ضرورة القضاء على الحركة التي تدير غزة. وقال: "يجب أن ترحل حماس"، مشددًا على أن السلام أو التطبيع لن يتحققا طالما استمرت هذه الجماعة في تهديد إسرائيل.


وفي حديثه عن إيران، حذر جراهام مرارًا من أن النظام الإيراني ليس عدواً لإسرائيل فحسب، بل للعالم الحر أيضاً. وفي إحدى خطاباته، قال إن سقوط نظام الملالي سيخلق "أكبر فرصة للسلام والازدهار في الشرق الأوسط منذ أكثر من ألف عام"، وسيُضعف حماس وحزب الله والحوثيين، ويمهد الطريق لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية من جديد.


وفيما يتعلق بالاتفاقيات الإبراهيمية، وصف جراهام التطبيع بين إسرائيل والسعودية بأنه خطوة من شأنها أن "تنهي فعلياً الصراع العربي الإسرائيلي". وكما ذُكر، فقد أمضى سنوات في العمل مع الإدارات المتعاقبة في واشنطن للدفع نحو إبرام مثل هذا الاتفاق. وفي مقابلة مع شبكة "سي بي إس"، خاطب إسرائيل والسعودية، قائلاً: "ليس لديكم يا أهل السعودية وإسرائيل صديق أفضل من دونالد ترامب". وأعرب عن ثقته في قدرة الرئيس الأمريكي على توسيع نطاق الاتفاقيات الإبراهيمية.


بعد زياراته لإسرائيل، أكد جراهام أنه لا يمكنها الاستمرار في العيش تحت تهديد الصواريخ الإيرانية وا"لإرهاب"، قائلاً إن تغيير النظام في طهران هو مفتاح أمن إسرائيل على المدى الطويل وأمن الشرق الأوسط بشكل عام.

 

https://www.ynetnews.com/article/bk2fg1zezx