أطلقت استغاثات مصورة من منطقة محطة الرمل في الإسكندرية دعوات عاجلة لإنقاذ حديقة الشلالات التاريخية من الإهمال، بعد شكاوى متكررة من غياب الأمن والخدمات وانتشار القمامة ومظاهر الانفلات داخل المكان.

 

وتكشف الاستغاثات أن الأزمة لم تعد مجرد تدهور في حديقة عامة، بل فضيحة إدارة محلية تركت متنفسا تاريخيا في قلب المدينة يتحول، بحسب الأهالي والزوار، إلى مساحة طاردة للعائلات وملاذ للانحراف والمخدرات.

 

 

 

الحديقة التي كانت متنفسا أصبحت مصدر خوف

 

تقع حديقة الشلالات في قلب الإسكندرية، وتعد واحدة من أقدم الحدائق التاريخية في المدينة، إذ تشير مصادر محلية إلى أنها أنشئت عام 1899 وتضم معالم أثرية وأشجارا نادرة ومسطحات كانت مخصصة للتنزه العام.

 

لكن الحديقة التي يفترض أن تكون متنفسا مجانيا للعائلات لم تعد كذلك في شهادات السكان، بعدما تكررت الشكاوى من غياب الإنارة والحراسة والخدمات الأساسية، وهو ما جعل الدخول إليها تجربة محفوفة بالخوف لا بالراحة.

 

وتقول الاستغاثات المتداولة إن المكان صار بحاجة إلى تدخل عاجل لتوفير الأمن والنظافة والخدمات، وهي مطالب لا تبدو رفاهية في حديقة تاريخية، بل الحد الأدنى لحماية الناس وحماية ذاكرة المدينة.

 

ولم تكن هذه الشكاوى وليدة اليوم، فقد نشرت تقارير سابقة أن الحديقة تحولت إلى مكان للمخالفات والجرائم، مع تهالك المقاعد وافتقارها للإضاءة والمرافق، وكثرة القمامة بسبب إهمال النظافة.

 

وفي شهادات منشورة سابقا، اشتكى زوار من أن الأرضيات متضررة والأشجار مهملة وبعضها تعرض للجفاف، وأن الأثاث التالف يعطي انطباعا سيئا، بينما تحتاج الحديقة إلى تدخل شامل في الصيانة والرعاية.

 

هذه الصورة تجعل السؤال موجها إلى المحافظة والحي لا إلى المواطنين: كيف تُترك حديقة بهذه القيمة في موقع مركزي حتى تتحول من مساحة عامة إلى مكان ينفر منه الناس ويخشون المرور داخله.

 

أوكار مخدرات وقمامة وممارسات تطرد العائلات

 

بحسب الاستغاثات المتداولة، لم يعد الإهمال محصورا في العشب الجاف أو المقاعد المكسورة، بل وصل إلى اتهامات أخطر تتعلق بانتشار تعاطي المخدرات وتحول بعض الزوايا إلى أوكار مغلقة على العائلات والزوار.

 

وتعزز تقارير صحفية سابقة هذا المسار، إذ تحدثت عن شكاوى زوار من مشاهد مخلة ومتسولين ومتعاطي مخدرات وبلطجية، مع وصف الحديقة بأنها غير آمنة ومطالبة بإنشاء أماكن تصلح للأطفال والعائلات.

 

أما القمامة، فهي ليست تفصيلا صغيرا في المشهد، فقد وصفت بوابة أخبار اليوم الحديقة بأنها تحولت من معلم سياحي إلى مقلب قمامة، ورصدت أكياس قمامة وحقنا وزجاجا وروائح كريهة وكلابا ضالة.

 

هذا يعني أن المشكلة لم تعد تشويها بصريا فقط، بل تهديدا صحيا وأمنيا، فوجود مخلفات حادة وحقن داخل حديقة عامة يكفي وحده لإغلاق الملف على طاولة المسؤولين باعتباره خطرا مباشرا على الأطفال.

 

كما أن تكرار الحديث عن ممارسات غير أخلاقية ومشاهد مخلة داخل الحديقة، بحسب شهادات الزوار، يطرح سؤالا عن معنى وجود إدارة محلية وحراسة وخدمات، إذا كانت العائلات لا تستطيع دخول مكان عام بأمان.

 

وفي هذا السياق، يصبح توصيف الأهالي لما يحدث باعتباره “دعارة مقننة” اتهاما سياسيا للمنظومة قبل أن يكون توصيفا قانونيا، لأن المقصود به أن التراخي الرسمي يمنح الانفلات غطاء عمليا داخل مكان عام.

 

وهنا لا يكفي أن تنفي الجهات التنفيذية أو تعد بحملات موسمية، لأن الأزمة مستمرة منذ سنوات، وكل تقرير جديد يعيد العبارات نفسها: قمامة، غياب أمن، إضاءة معدومة، مرافق متهالكة، وخوف من الدخول.

 

تراث مفتوح للضياع ومسؤولية معلقة

 

تضم حديقة الشلالات معالم تاريخية بينها بقايا أسوار الإسكندرية القديمة وطابية النحاسين وصهاريج أثرية، وهي عناصر تجعل الإهمال اعتداء على التراث العام لا مجرد تقصير في نظافة حديقة.

 

وتحدثت تقارير قديمة وحديثة عن تعرض مقتنيات الحديقة للسرقة، وتلف الأشجار النادرة، وتحولها إلى مأوى للمنحرفين والخارجين عن القانون، مع غياب الحراسة والإنارة والرقابة خاصة في الليل.

 

ويقول الخبير الأثري أحمد عبد الفتاح، في شهادة نشرتها الأهرام، إن الحديقة تعد متحفا متكاملا لأنها تضم سور الإسكندرية القديم وصهريجا وأشجارا معمرة نادرة ومدرجات وبحيرات وشلالات صناعية.

 

وحذر عبد الفتاح في الشهادة نفسها من أن الواقع الحالي يدعو للألم والحسرة، مطالبا بإنقاذ الحديقة وإنارتها وتنظيفها ووضع حراسة على القطع الأثرية لحمايتها من السرقة والإهمال.

 

كما نقل العربي الجديد عن أستاذة التاريخ والآثار الإسلامية علا عبد المنعم أن الحديقة صممت على طراز حدائق العصور الوسطى، وأنها اكتسبت اسمها من الشلالات الصناعية التي كانت موجودة بها.

 

هذا التاريخ يجعل الاستغاثة الحالية أكثر إلحاحا، لأن ضياع الحديقة لا يعني فقدان مساحة خضراء فقط، بل خسارة جزء من ذاكرة الإسكندرية وحق سكانها في مكان آمن ونظيف ومفتوح للجميع.

 

المطلوب الآن ليس زيارة تصويرية لمسؤول ولا حملة نظافة عابرة، بل خطة معلنة تتضمن حراسة دائمة، إنارة كاملة، إزالة المخلفات، إصلاح الحمامات والمقاعد، تأمين المداخل، ومحاسبة أي تقصير سمح بتحويل المكان إلى بؤرة خوف.

 

وفي النهاية، تختصر حديقة الشلالات مأساة أوسع في إدارة المجال العام بمصر: تراث ينهار، حدائق تطرد الناس، ومسؤولون يتحركون بعد الضجيج لا قبل الكارثة، بينما يدفع المواطن ثمن الغياب الرسمي كل يوم.