أفاد مراسل قناة القاهرة الإخبارية في بيروت أحمد سنجاب بأن العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان ما زالت مستمرة ميدانياً، رغم الحديث عن اتفاقات تهدئة مرتقبة بين الأطراف الإقليمية، مشيراً إلى أن وتيرتها تراجعت فقط مقارنة بالفترة السابقة للإعلان عن أي تفاهمات محتملة.
ويأتي هذا التصعيد المحدود في ظل وضع إنساني متقلب تشهده القرى الجنوبية، حيث تتداخل حركة عودة النازحين مع استمرار التوترات الميدانية، ما يجعل المشهد اللبناني مفتوحاً على احتمالات تصعيد جديدة في أي لحظة دون استقرار فعلي.
اشتباكات كفر تبنيت تكشف هشاشة الهدوء الميداني
وأوضح سنجاب أن قوات الاحتلال حاولت خلال الساعات الماضية توسيع عملياتها البرية في بلدة كفر تبنيت جنوب لبنان، في خطوة تعكس استمرار التحركات العسكرية رغم إعلان التهدئة غير المكتملة على الأرض.
وأشار إلى أن حزب الله أعلن تنفيذ عمليات استهدفت قوات وآليات إسرائيلية حاولت التقدم نحو البلدة، مؤكداً التصدي لمحاولات التوغل خلال ساعات الليل، ما أعاد الاشتباكات إلى الواجهة في محيط الجنوب.
وترافقت هذه التطورات مع سماع دوي انفجارات وإطلاق صواريخ في مناطق متعددة من الجنوب اللبناني، ما يعكس استمرار حالة الاشتباك المتقطع بدل الانتقال إلى استقرار ميداني دائم.
وفي هذا السياق، يرى الخبير العسكري العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن الجنوب اللبناني يعيش حالة “تهدئة غير مكتملة”، لأن أي اتفاق سياسي لا ينعكس على الأرض دون انسحابات واضحة ووقف كامل للعمليات العسكرية.
وتكتسب قراءة ملاعب أهمية لأنها تربط بين غياب التفاهم الميداني الحقيقي واستمرار الاحتكاك العسكري، ما يجعل أي تهدئة سياسية معرضة للانهيار في حال استمرار التحركات المحدودة.
كما أشار الباحث في الشؤون الاستراتيجية حسن جابر إلى أن استمرار العمليات الإسرائيلية بوتيرة منخفضة لا يعني نهاية الحرب، بل يعكس انتقالها إلى شكل أقل حدة وأكثر مرونة ميدانية.
وتساعد هذه الرؤية في فهم أن ما يجري في كفر تبنيت ليس حادثاً منفصلاً، بل جزء من نمط عسكري ممتد يختبر حدود التهدئة دون التزام نهائي بها.
عودة النازحين بين الأمان المؤقت والخطر المفتوح
وفي موازاة التطورات العسكرية، تتواصل عودة النازحين إلى بلداتهم في الجنوب اللبناني، لكن هذه العودة تتم بشكل فردي وغير منظم، وسط حالة من القلق من تجدد القصف في أي لحظة.
وبحسب ما رصده مراسل القاهرة الإخبارية، فقد فضلت آلاف العائلات التوجه إلى بلدات أكثر أمناً في أقضية صيدا وصور والنبطية وبنت جبيل، بدلاً من العودة الكاملة إلى القرى الحدودية.
ويعكس هذا التوزيع الجغرافي غير المستقر أن المدنيين يتعاملون مع الوضع باعتباره مرحلة انتقالية لا يمكن الوثوق بها، في ظل غياب ضمانات أمنية واضحة على الأرض.
ويرى الخبير في شؤون النزاعات الإقليمية علي خريس أن عودة السكان دون استقرار عسكري حقيقي تجعلهم عرضة للنزوح المتكرر، وهو ما يضاعف الأعباء الاجتماعية والاقتصادية على الأسر.
ويضيف خريس أن أي عودة غير محمية باتفاقات ميدانية صلبة تتحول إلى عودة مؤقتة، لا تعيد بناء الحياة بل تؤجل الانهيار أو النزوح مجدداً.
كما يشير الباحث الاجتماعي ربيع شمس الدين إلى أن المجتمعات الجنوبية تعيش حالة “توازن هش”، حيث تختلط رغبة العودة بالخوف من العودة نفسها، نتيجة استمرار صوت القصف والانفجارات.
وتوضح هذه الشهادات أن العودة المدنية لم تتحول بعد إلى استقرار فعلي، بل إلى حركة متذبذبة بين مناطق أكثر أمناً وأخرى ما زالت تحت تهديد العمليات العسكرية.
جنوب لبنان بين اتفاقات معلنة وواقع ميداني متفجر
وتكشف التطورات الأخيرة أن الجنوب اللبناني ما زال بعيداً عن أي استقرار فعلي، رغم الحديث المتكرر عن تفاهمات إقليمية واتفاقات تهدئة بين الأطراف المتنازعة.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الأطراف السياسية عن خفض التصعيد، تستمر العمليات العسكرية على الأرض بشكل متقطع، ما يجعل أي اتفاق سياسي غير مكتمل التطبيق ميدانياً.
ويؤكد العميد المتقاعد خليل الحلو أن أي اتفاق لا يترافق مع آليات مراقبة واضحة يبقى عرضة للاختراق، خاصة في مناطق التماس التي تشهد احتكاكاً دائماً بين القوات.
وتساعد هذه القراءة على فهم أن ما يجري في الجنوب ليس توقفاً للحرب، بل إعادة تشكيل لها بأساليب مختلفة تعتمد على التوغل المحدود والاشتباك المتقطع.
كما يشير الباحث في العلاقات الدولية فادي عواد إلى أن استمرار العمليات رغم التهدئة يعكس غياب الثقة بين الأطراف، ما يجعل كل طرف يختبر نوايا الطرف الآخر عسكرياً.
وبناء على ذلك، يصبح الجنوب اللبناني منطقة اختبار دائم للتفاهمات السياسية، حيث لا يترجم أي اتفاق إلى أرض الواقع إلا بعد وقف شامل ومضمون للعمليات العسكرية.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى عودة النازحين رهينة تطورات ميدانية غير مستقرة، بينما يظل المدنيون هم الطرف الأكثر تأثراً بغياب أي استقرار حقيقي على الأرض.
وبين القصف المتقطع ومحاولات العودة، يعيش الجنوب اللبناني حالة انتظار مفتوحة على كل الاحتمالات، دون أفق واضح لنهاية التوتر أو تثبيت تهدئة دائمة.

