كشفت الأجهزة الأمنية بالإسكندرية جريمة إخفاء جثمان سيدة مسنة داخل صندوق خشبي غطاه نجلها بالرمال والأسمنت داخل شقته بمنطقة السيوف شماعة، بعد بلاغ من شقيقه وشقيقته، بسبب معاش شهري بلغ 22 ألف جنيه.

 

وتضع الواقعة سوق الفقر المصري أمام مشهد عائلي شديد القسوة، لأن الجريمة لم تبدأ من لحظة إخفاء الجثمان فقط، بل من اقتصاد يطحن الأسر ويحوّل المعاش إلى مصدر بقاء يتقاتل عليه الأبناء.

 

بلاغ الأشقاء يفتح باب الجريمة المدفونة

 

وبدأت الواقعة عندما تلقى قسم شرطة المنتزه أول بلاغا من شقيق المتهم وشقيقته، بعد اختفاء والدتهم المسنة عدة أشهر، ورفض شقيقهم الإفصاح عن مكان وجودها أو تمكينهما من رؤيتها.

 

وبحسب التحريات، قاد المقدم شهاب مصطفى رئيس مباحث القسم فريق البحث إلى شقة المتهم في منطقة السيوف شماعة، حيث عثرت الأجهزة الأمنية على الجثمان داخل صندوق خشبي في صالة الشقة.

 

ثم كشفت المعاينة أن المتهم غطى الصندوق بالرمال والأسمنت وصب فوقه طبقة خرسانية، في محاولة لإخفاء الوفاة ومنع أشقائه من الوصول إلى الحقيقة أو وقف صرف المعاش الشهري.

 

وبعد مواجهة المتهم بما أسفرت عنه التحريات، أقر بإخفاء خبر وفاة والدته منذ ما قبل شهر رمضان الماضي، واعترف بأنه استولى على معاشها ومعاش زوجها المتوفى وقدرهما نحو 22 ألف جنيه شهريا.

 

كما أوهم المتهم أشقاءه بأن والدته تزوجت ثم اختفت، وهي رواية أثارت شكوكهم مع مرور الوقت، خصوصا بعد رفضه المتكرر تحديد مكانها أو السماح لهم بالاطمئنان عليها.

 

ووفقا للتحقيقات الأولية، توفيت السيدة وفاة طبيعية قبل نحو 4 أشهر، بينما ركزت الجريمة اللاحقة على إخفاء الوفاة وحرمان الجثمان من الدفن القانوني والشرعي طمعا في استمرار صرف المعاش.

 

وعلى هذا الأساس، حررت الأجهزة الأمنية محضرا بالواقعة، وأحالت المتهم إلى النيابة العامة لمباشرة التحقيقات، بينما أثار الكشف عن الجثمان داخل المنزل صدمة واسعة في الإسكندرية وخارجها.

 

غير أن الصدمة لا تلغي السؤال الأكبر، لأن جريمة بهذا الشكل لا تنفصل عن ضغط اقتصادي خانق جعل 22 ألف جنيه شهريا مبلغا قادرا على تفكيك علاقة الابن بأمه بعد وفاتها.

معاش الأم يتحول إلى صراع بقاء

 

وفي خلفية الجريمة، تظهر قيمة المعاش باعتبارها مفتاح الفعل كله، إذ لم تكن الواقعة مجرد إخفاء وفاة داخل أسرة، بل محاولة منظمة للاستمرار في الحصول على دخل شهري ثابت.

 

لذلك تكتسب الجريمة معنى اجتماعيا أوسع، لأن المعاش في بلد ترتفع فيه الأسعار وتتآكل فيه الدخول يتحول من حق للمتوفاة إلى مطمع لمن يواجه انهيارا معيشيا أو يبحث عن منفذ سريع.

 

كما أن المتهم، بحسب التحريات، صاحب محل محدود لبيع قطع غيار السيارات، وهو وصف يكشف موقعا اقتصاديا هشّا لا يبرر الجريمة، لكنه يفسر البيئة التي قد تدفع إلى حسابات قاسية.

 

وفي هذا السياق، تشير دراسة أستاذة علم الاجتماع الجنائي بجامعة عين شمس الدكتورة حنان سالم إلى أن جرائم القتل العائلي تمثل من ربع إلى ثلث إجمالي جرائم القتل.

 

وتؤكد سالم أن السياسات الاقتصادية الحديثة تأتي ضمن أبرز أسباب تضاعف معدلات القتل العائلي، بسبب ما أحدثته من مشكلات اجتماعية واقتصادية خطيرة داخل الأسرة المصرية.

 

وتخدم قراءة سالم هذا المحور مباشرة، لأنها تربط بين الجريمة داخل البيت وبين قرارات اقتصادية تضغط على الأسرة، ولا تترك الفقر مجرد خلفية صامتة وراء الحوادث الجنائية.

 

وبينما تركز السلطة على الجانب الأمني بعد وقوع الجريمة، تهرب من مسؤوليتها قبل وقوعها، حيث تترك الأسر وحدها أمام الغلاء والديون ونقص الحماية الاجتماعية ثم تسمي الانفجار حادثا فرديا.

 

إضافة إلى ذلك، يفضح الرقم نفسه فشل منظومة الدخل في مصر، لأن معاشا قدره 22 ألف جنيه شهريا يصبح سببا لجريمة عندما يعجز العمل العادي عن ضمان حياة آمنة.

 

وهنا لا يمكن فصل الواقعة عن سياسات اقتصادية رفعت تكلفة الغذاء والسكن والدواء والكهرباء، بينما أبقت قطاعات واسعة من المواطنين في أعمال محدودة الدخل بلا حماية كافية ضد الانهيار.

 

الجرائم الأسرية تكشف فشل الحماية الاجتماعية

 

ومع تكرار جرائم العنف داخل الأسرة، لا تكفي بيانات الضبط والتحقيقات لشرح ما يحدث، لأن الأجهزة الأمنية تتدخل بعد الجريمة، بينما تحتاج الوقاية إلى سياسات اجتماعية واقتصادية غائبة.

 

وقد أشارت دراسة للدكتورة هند السيد، أستاذ علم الاجتماع المساعد بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، إلى أن الضغوط الاقتصادية وعدم كفاية الدخل يضعفان قدرة الأسرة على أداء واجباتها الرقابية.

 

وتضيف قراءة هند السيد أن عجز الأسرة عن الوفاء بالتزاماتها الأساسية يساعد على العنف في محيطها، وهو ما يجعل الضائقة المعيشية عاملا بنيويا لا تفصيلا جانبيا في الجرائم الأسرية.

 

ومن هنا تبدو واقعة الإسكندرية نتيجة مباشرة لبيئة تدهورت فيها الروابط الأسرية تحت ضغط الحاجة، لأن الابن لم يكتف بإخفاء وفاة والدته، بل عزل أشقاءه عنها واحتكر المعاش.

 

كما تكشف الواقعة خللا رقابيا في نظم المعاشات، إذ استمر الصرف عدة أشهر رغم وفاة صاحبة المعاش، وهو خلل تتحمل الدولة مسؤوليته قبل أن تحوله إلى مجرد ملف جنائي.

 

وبالتوازي، تبرز مسؤولية وزارة التضامن وهيئة التأمينات في مراجعة آليات التحقق من حياة أصحاب المعاشات دون إهانة كبار السن أو تعقيد إجراءاتهم، حتى لا تتحول الثغرات إلى أبواب للنهب.

 

غير أن معالجة الثغرات الإدارية لا تعالج أصل الأزمة وحدها، لأن الجرائم التي تنمو حول المعاشات تعكس اعتماد أسر كاملة على دخل مسن أو مسنة بعد انهيار فرص العمل المستقرة.

 

ولذلك لا يجوز للسلطة أن تقدم القضية كحكاية شذوذ أخلاقي فقط، فالمشهد يضم فقرا ممتدا وضعفا في الرقابة وغيابا للدعم النفسي والاجتماعي وانسحابا واضحا للدولة من حماية الأسرة.

 

وحين تتعامل الحكومة مع الفقر كرقم في بيان، لا كخطر يضرب البيوت، تصبح الجرائم الأسرية مؤشرا يوميا على أن المجتمع يدفع تكلفة مباشرة لسياسات اقتصادية قاسية.

 

من انهيار العلاقات إلى جريمة بلا رادع

 

وعلى المستوى النفسي، لا تكتمل قراءة الواقعة دون النظر إلى طريقة إخفاء الجثمان والكذب على الأشقاء، لأن الجريمة احتاجت برودا ممتدا وقدرة على التعايش مع السر داخل المنزل.

 

وفي هذا الإطار، يرى استشاري الطب النفسي الدكتور جمال فرويز أن حوادث العنف الأسري في مصر انتشرت بشكل كبير، وأن المعطيات الحالية تشير إلى إمكانية زيادتها خلال الفترة المقبلة.

 

ويضيف فرويز، في قراءاته المنشورة، أن أسباب تفاقم الظاهرة متعددة، بينها الضغوط الاقتصادية وتراجع القيم واعتياد مشاهد العنف، وهي عوامل تضعف الردع الداخلي قبل الردع القانوني.

 

وتوظيف رأي فرويز هنا يوضح أن الجريمة لم تكن قرارا ماليا فقط، بل نتاج تآكل نفسي واجتماعي جعل الابن يتعامل مع جثمان والدته كوسيلة لحماية دخل شهري.

 

كما يعكس إقناع الأشقاء برواية الزواج والاختفاء انهيارا في الثقة داخل الأسرة، لأن المتهم اعتمد على تفكك التواصل العائلي وقدرته على عزل الأم عن أبنائها دون مساءلة مبكرة.

 

وبعد اكتشاف الجريمة، سيواجه المتهم إجراءات التحقيق والمحاسبة، لكن محاسبته وحدها لن تمنع تكرار وقائع مشابهة إذا بقيت الدولة تصنع الفقر ثم تترك البيوت تواجه نتائجه منفردة.

 

لذلك تحتاج القضية إلى مساءلة سياسية واجتماعية بجانب المساءلة الجنائية، لأن نظام السيسي يتحدث عن الحماية الاجتماعية بينما تدفع الأسر كلفة أسعار مرتفعة ودخول متآكلة وخدمات عامة ضعيفة.

 

وفي النهاية، لا تكشف جريمة السيوف شماعة عن ابن طمع في معاش أمه فقط، بل تكشف دولة تركت المعاش يتحول إلى طوق نجاة وأداة صراع داخل بيوت أنهكها الفقر.

 

وفي الأخير فإن الواقعة أشد من تفاصيلها، فدفن الأم داخل صندوق أسمنتي مقابل 22 ألف جنيه شهريا يختصر مصر المنهكة، حيث يطارد الناس البقاء اليومي بينما تتنصل السلطة من أصل الكارثة.