كشفت دعاوى عمالية وبلاغات رسمية، بلغ عددها 18 بلاغا ودعوى قضائية، في القاهرة والغربية، أزمة متصاعدة داخل شركة أفروس فارما للصناعات الدوائية، بعد اتهام إدارتها بفصل عاملين تعسفيا وحرمانهم من حقوقهم التأمينية والمستحقات المالية.
وتضع الأزمة ملف العمالة الخاصة أمام اختبار جديد، لأن الوقائع المنسوبة للشركة لا تقف عند نزاع فردي على تعويض أو راتب، بل تكشف ثغرة رقابية تركت عاملين في قطاع دوائي مربح تحت ضغط الفصل والإجبار على الاستقالة.
استقالات تحت الضغط وبلاغات تلاحق الإدارة
بدأت الأزمة، بحسب الدعاوى، عندما لجأ أحد مشرفي الدعاية الطبية إلى الإجراءات القانونية ضد إدارة أفروس فارما، قبل أن يكتشف العاملون وجود اتهامات بتهرب الشركة من التأمين الاجتماعي على مندوبي الدعاية الطبية داخل الشركة.
وعقب مطالبة العاملين بحقوقهم، اتجهت إدارة الشركة، وفق أوراق النزاع، إلى نقل التأمين على مندوبي الدعاية والمشرفين والمديرين إلى شركة تعهيد وإلحاق عمالة تحمل اسم شركة كرو لإلحاق العمالة.
وبذلك تحولت علاقة العمل، كما تعرضها الدعاوى، من ارتباط مباشر بشركة دوائية تحقق توسعا كبيرا إلى علاقة ملتبسة عبر شركة وسيطة، بما يسمح بالتنصل من المستحقات وتقليل المسؤولية القانونية عند إنهاء الخدمة.
ثم تفاقمت الأزمة في ديسمبر 2025، حين أبلغت الشركة عددا من العاملين ومديري الدعاية الطبية بالاستغناء عنهم بشكل مفاجئ، بينما كانت الرواتب والمستحقات التأمينية تمثل مصدر الدخل الأساسي لعائلاتهم.
وخلال تلك المرحلة، قالت الشكاوى إن الإدارة مارست ضغوطا مباشرة على العاملين، وهددت بوقف الرواتب وحرمانهم من المستحقات الكاملة، إذا رفضوا تقديم استقالات مكتوبة قبل استلام جزء من حقوقهم.
وبحسب دفاع المتضررين، جاءت تلك الاستقالات باطلة قانونا، لأنها صدرت تحت ضغط وإكراه، ولأن المادة 167 من قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 تشترط اعتماد الاستقالة من الجهة الإدارية المختصة.
ولم يكتف المتضررون بتسجيل اعتراض شفهي، إذ أرسلوا خطابات مسجلة بعلم الوصول وإنذارات رسمية بعدولهم عن الاستقالات الإجبارية داخل المواعيد القانونية، في محاولة لإثبات استمرار رغبتهم في العمل.
وعندما حاول العاملون العودة إلى مقار عملهم، تم منعهم من الدخول، وفق محاضر إثبات الحالة، وهو ما دفعهم إلى اللجوء للشرطة وتحرير محاضر رسمية لتثبيت واقعة المنع والإكراه على الاستقالة.
وفي المعادي، جرى تحرير محضر حمل رقم 171 لسنة 2026 جنح عمالية المعادي، بينما حُرر محضر آخر في قسم شرطة ثان طنطا برقم 47 أحوال لسنة 2026 بتاريخ 13 مايو 2026.
قانون العمل على الورق والعمال في مكاتب الشكاوى
بعد ذلك، تقدم العاملون بشكاوى إلى مكاتب العمل ضد أفروس فارما وشركة كرو لإلحاق العمالة، غير أن مساعي التسوية الودية فشلت، لينتقل النزاع من المكاتب الإدارية إلى ساحات المحاكم العمالية.
ومن بين هذه المسارات القضائية، أحيل نزاع إلى محكمة حلوان تحت رقم 318 لسنة 2026 عمال حلوان، في خطوة تعكس انتقال الأزمة من مستوى الشكاوى الفردية إلى مواجهة قانونية جماعية.
وتطالب الدعاوى ببطلان قرارات الفصل، وإلزام أفروس فارما وكرو لإلحاق العمالة متضامنتين بدفع تعويضات مادية وأدبية جابرة للضرر، استنادا إلى نصوص قانون العمل الخاصة بالفصل غير المشروع.
كما تطالب الدعاوى ببدل مهلة الإخطار، والمقابل النقدي لرصيد الإجازات الاعتيادية، والأرباح السنوية المحجوبة عن سنوات 2022 و2023 و2024 و2025 و2026، ومستحقات صندوق الزمالة ومكافأة نهاية الخدمة.
وتستند المطالب إلى المادة 165 من قانون العمل، التي تقر تعويضا لا يقل عن أجر شهرين عن كل سنة خدمة في حالات الفصل التعسفي، إذا أنهى صاحب العمل العقد دون سبب مشروع.
وفي هذا السياق، يخدم موقف المحامي العمالي خالد علي محور الحماية القانونية، إذ سبق أن انتقد تشريعات العمل التي تفتح أبوابا واسعة أمام إنهاء علاقات العمل، وتضع العامل أمام صاحب عمل أقوى نفوذا.
ويظهر هذا النقد داخل أزمة أفروس فارما بوضوح، لأن العامل لا يدخل النزاع من موقع متكافئ، بل يواجه شركة تملك الإدارة والملفات والرواتب، بينما يملك هو محضرا ودعوى ومهلة انتظار طويلة.
كذلك يخدم موقف كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، محور التحايل الإداري، إذ اعتبر استخدام أدوات إنهاء الخدمة سابقا بوابة واسعة استغلها رجال أعمال ضد العمال.
وتعيد وقائع أفروس فارما طرح نفس جوهر التحذير، لأن نقل التأمين إلى شركة تعهيد، ثم الضغط لتوقيع الاستقالات، يعني أن أدوات الإدارة يمكن أن تتحول إلى طريق التفاف على حقوق مقررة.
أما فاطمة رمضان، القيادية العمالية والكاتبة في قضايا النزاعات العمالية، فيخدم طرحها محور فشل التسوية قبل المحكمة، لأن النزاع العمالي لا ينتهي بمجرد تقديم شكوى إذا غابت آلية إنصاف سريعة.
ومن هنا تكشف القضية عبء التقاضي على العمال، فالعامل الذي فقد راتبه يدخل مسارا يبدأ بمكتب العمل، ثم محضر الشرطة، ثم المحكمة، بينما تستمر الشركة في العمل والإنتاج والتسويق دون توقف مماثل.
شركة بملياري جنيه وعمال يطاردون مستحقاتهم
تضم قائمة المتضررين أسماء عدة وردت في القضايا والبلاغات، بينهم نرمين مبروك عبد الرحمن، وسارة حسين علي محمد، وآية السيد محمد، وأحمد محمد عبد العاطي، وأحمد سعد عبد المجيد.
كما تضم القائمة إيمان سيف الدين محمد، ومصطفى مختار عبد المنعم، وأحمد عبدالله زكي، وعلاء عبدالله أبو الفتح، وأحمد فكيه محمد، ومحمد زغلول، ومحمود بيومي، وياسر محمد حمدي.
وتشير أوراق النزاع إلى أن أحد الأطباء العاملين سبق أن حصل على حكم نهائي من محكمة الاستئناف ضد شركة أفروس فارما، بعد فصله تعسفيا، بما يضع الأزمة الحالية داخل سياق أوسع.
وفي المقابل، تقدم الشركة نفسها باعتبارها كيانا صناعيا دوائيا صاعدا، بدأ عام 2004 كمكتب علمي يقدم الاستشارات والخدمات الدوائية، قبل أن يتحول عام 2005 إلى التصنيع وطرح مستحضرات باسمه.
ثم توسعت أفروس فارما عام 2009 بإنشاء مصانعها الخاصة في مدينة السادات بمحافظة المنوفية، لتدخل مرحلة الإنتاج الفعلي والاعتماد الذاتي، وتنتقل من المكتب العلمي إلى الكيان الصناعي الدوائي.
وعلى صعيد الأعمال، أعلن الدكتور محمود اللاهوني، الرئيس التنفيذي لشركة أفروس فارما، أن الشركة سجلت حجم أعمال بلغ 2 مليار جنيه، مع محفظة تضم نحو 80 عقارا في تخصصات علاجية مختلفة.
كما تؤكد بيانات الشركة نجاحها في تقديم أكثر من 150 مستحضرا صيدلانيا وصحيا بأسعار تنافسية وبمعايير فعالية وأمان، وهو ما يجعل أزمة العاملين أكثر حدة من الناحية الاجتماعية والرقابية.
فالشركة التي تتحدث عن محفظة دوائية واسعة وحجم أعمال بالمليارات تواجه اتهامات من عاملين بملاحقة مستحقات أساسية، تشمل التأمينات والإجازات والأرباح وصندوق الزمالة ومكافأة نهاية الخدمة.
ولهذا تبرز مسؤولية حكومة السيسي ووزارة العمل في صلب الواقعة، لأن الأزمة لم تنفجر داخل منشأة هامشية، بل داخل قطاع دوائي حساس يفترض أن يخضع لرقابة عمل وتأمينات أكثر صرامة.
ومع ذلك، وصل العاملون إلى المحاكم بعد فشل التسوية، بما يعني أن أدوات الرقابة لم تمنع الأزمة مبكرا، ولم تضمن استقرار الدخل، ولم تحم العاملين من مسار طويل لإثبات حقوقهم.
وتكشف القضية أيضا مأزق شركات التعهيد داخل سوق العمل، حين تتحول من وسيلة تنظيم إداري إلى ستار يفصل العامل عن صاحب المنفعة الحقيقي، ويجعل المطالبة بالحق موزعة بين كيانين.
وفي ظل هذه الوقائع، لا تبدو دعاوى أفروس فارما مجرد نزاع تعويض، بل اختبارا لجدية قانون العمل الجديد، وقدرة مكاتب العمل والمحاكم على ردع الفصل التعسفي داخل القطاع الخاص.
وتبقى الخلاصة أن عاملين في شركة دواء تحقق نموا معلنا وجدوا أنفسهم بين استقالة يقولون إنها انتزعت بالإكراه، ومحاضر شرطة تثبت المنع، ودعاوى تطالب بحقوق كان يجب دفعها دون قضاء.

