أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا وقف العمليات داخل مجمع الزاوية النفطي احترازيا يوم السبت 9 مايو 2026، بعد اشتباكات مسلحة بين قادة عسكريين بدأت منذ ساعات الفجر قرب المصفاة الواقعة غرب طرابلس، وتسببت في أضرار داخل مرافق حيوية وتسرب كميات كبيرة من وقود الطائرات.
وجاء توقف القتال بعد تدخل أعيان وشيوخ مدينة الزاوية وانتشار اللواء 52 التابع للمنطقة العسكرية الساحل الغربي، بينما بقيت آثار الاشتباكات قائمة داخل مدينة مأهولة تضم منشأة نفطية استراتيجية، بما جعل التهدئة خطوة أولى لا حلا نهائيا لمخاطر الأمن والطاقة والسكان.
وساطة الأعيان توقف القتال وتفتح سؤال ضمان التهدئة
بدأت الاشتباكات في محيط المجمع النفطي بمدينة الزاوية منذ ساعات الفجر، ثم امتدت المخاوف إلى الأحياء القريبة بسبب وجود المصفاة ومرافق التخزين وميناء النفط داخل نطاق حساس، ولذلك تحرك أعيان المدينة لوقف إطلاق النار قبل اتساع الضرر المدني والاقتصادي.
وبعد ساعات من التوتر، قال مختار حنيش أحد أعيان وشيوخ الزاوية إن اتفاقا جرى على وقف إطلاق النار وانتشار اللواء 52، وأوضح أن القتال توقف في المنطقة الشمالية من المدينة بعد تدخل الأعيان والمشايخ، وهي منطقة مكتظة بالسكان وتضم مرافق حيوية.
كما نقلت ليبيا الأحرار عن عضو أعيان وحكماء الزاوية حسين المغيربي أن الأعيان تدخلوا لدى أطراف النزاع من القادة العسكريين، وأن هؤلاء القادة استجابوا للوساطة، مع ترتيبات يجري العمل عليها خلال الأيام المقبلة لمنع تجدد الاشتباكات داخل المدينة.
في هذا السياق، يخدم رأي الباحث السياسي الليبي محمد محفوظ محور التهدئة، لأنه ربط في تصريحات سابقة وحالية عن الزاوية بين الاشتباكات وصراع النفوذ، وهذا التوصيف يفسر لماذا يظل وقف النار هشّا إذا لم تتحول الوساطة إلى ترتيبات أمنية واضحة ومعلنة.
لذلك لا يكفي إعلان توقف القتال وحده لإغلاق الملف، لأن المدينة تحتاج إلى ضمانات ميدانية تمنع عودة السلاح إلى محيط المصفاة والمناطق السكنية، كما تحتاج إلى جهة رسمية تتحمل مسؤولية تأمين الطرق والمنشآت بعد انتهاء دور الوساطة الاجتماعية العاجلة.
توقف المصفاة يحول الاشتباك المحلي إلى أزمة نفطية
وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط وقف العمليات داخل مصفاة الزاوية وإخلاء ميناء الزاوية النفطي من جميع الناقلات، وأكدت أن القرار جاء احترازيا لحماية العاملين والمنشآت النفطية بعد تضرر مرافق داخل المجمع نتيجة الاشتباكات التي دارت في محيطه.
وتكتسب مصفاة الزاوية أهمية كبيرة لأنها تعد من أكبر مرافق التكرير العاملة في ليبيا، وترتبط بحركة تكرير الخام وتوفير بعض المشتقات للسوق المحلي وتصدير النفط عبر الميناء النفطي، ولذلك لا يبقى تعطيلها حدثا فنيا محدودا داخل مدينة واحدة.
ثم زادت خطورة الموقف بعد إعلان شركة البريقة لتسويق النفط حدوث تسرب لكميات كبيرة من وقود الطائرات، نتيجة إصابة خزان يحتوي هذه المادة بقذيفتين خلال الاشتباكات، مع دخول فرق الصيانة والطوارئ إلى موقع التسرب لمحاولة منع استمراره.
وفي هذا المحور، يخدم رأي الخبير النفطي الليبي محمد الشحاتي تفسير أثر المصفاة، لأنه سبق أن حذر من أن اضطرابات الإنتاج والتكرير، خصوصا في مصفاة الزاوية، تنعكس على توفر الوقود في السوق، بما يجعل سلامة المنشأة جزءا من أمن الطاقة اليومي.
بناء على ذلك، تبدو إجراءات الإخلاء ووقف العمليات منطقية من زاوية السلامة الصناعية، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن أي اشتباك قريب من منشآت النفط قادر على تعطيل سلسلة تشغيل واسعة، تبدأ من الخزانات ولا تنتهي عند السوق المحلي والميناء.
تحذير أممي من مخاطر على البشر و البنية التحتية والاقتصاد
أشارت مصادر ليبية متطابقة إلى أن الاشتباكات دارت في منطقة جنوب الحرشة وبالقرب من مصفاة تكرير النفط، بين مجموعة يقودها محمد بحرون المعروف باسم الفار ومدعومة بمجموعات مسلحة أخرى، ومجموعة مسلحة بقيادة سالم لطيف.
وبحسب المعطيات المتداولة، أسفرت الاشتباكات عن مقتل مسعودة أبوحربة بعد سقوط قذيفة على منزلها، إضافة إلى مقتل الشاب أدهم عجينة التابع لمجموعة مسلحة تشارك في الاشتباكات، بينما لم تصدر حصيلة رسمية دقيقة ونهائية للقتلى والجرحى حتى الآن.
كذلك حذرت البعثة الأممية لدى ليبيا من أضرار جسيمة قد تطال البنية التحتية الاستراتيجية والاقتصاد الليبي، وأدانت الاشتباكات المسلحة في الزاوية، خصوصا مع قرب المواجهات من منشآت نفطية حيوية ومن مناطق سكنية تضع المدنيين في دائرة الخطر المباشر.
ومن زاوية الأمن المحلي، يخدم رأي الخبير الأمني الليبي فاضل الورفلي هذا المحور، لأنه يرى أن تعدد التشكيلات المسلحة وامتلاكها ترسانات وقوى موازية لمؤسسات الدولة يجعل أي خلاف داخلي قابلا للتحول بسرعة إلى قتال داخل الأحياء.
لهذا تحتاج الزاوية بعد وقف إطلاق النار إلى مسار واضح يتجاوز التهدئة المؤقتة، ويشمل تثبيت قوة فصل معروفة الصلاحيات، وحصر الأضرار داخل المصفاة والمنازل، وإعلان نتائج التحقيق في إصابة الخزانات، وحماية السكان من تكرار القتال قرب منشأة نفطية.
وفي النهاية، يظل توقف اشتباكات الزاوية تطورا مهما لأنه أوقف مسارا كان قابلا للاتساع داخل مدينة حساسة، لكنه لا يلغي أن المصفاة توقفت وأن وقود الطائرات تسرب وأن مدنيين دفعوا الثمن، ولذلك تقاس جدية التهدئة بما يحدث بعد هدوء الرصاص لا بلحظة إعلانه فقط.

