حذرت حملة "أنقذوا حرية الرأي في مصر" من تصعيد جديد ضد الصحفيين والكتاب، بعد إحالة محتجزين إلى المحاكمة الجنائية عقب فترات طويلة من الحبس الاحتياطي، وسط قضايا شملت 25 صحفيًا وصحفية موزعين على 12 قضية أمن دولة، في نتيجة تكشف تحويل العمل الصحفي إلى ملف أمني مفتوح.
وتأتي هذه الإحالات داخل مناخ سياسي يغلق المجال العام بدل حمايته، لأن الحكومة تستخدم اتهامات نشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة محظورة لتطويق الصحافة المستقلة، بينما يدفع المجتمع ثمنًا مباشرًا حين تغيب المعلومة الحرة وتتحول مساءلة السلطة إلى مخاطرة قانونية يومية.
ملاحقة الصحفيين تتحول من استثناء إلى نمط ثابت
بدأت حملة أنقذوا حرية الرأي توصيفها للأزمة من نقطة واضحة، إذ ربطت الإحالات الأخيرة بتصعيد ممنهج لا يستهدف واقعة منفردة، بل يعيد إنتاج القضايا نفسها ضد صحفيين وكتاب مارسوا عملهم المهني أو نشروا آراءهم، ثم وجدوا أنفسهم أمام محاكمات جنائية بعد حبس طويل.
وبحسب الحملة، فإن السلطات لم تكتف بتوقيف الصحفيين أو إبقائهم في الحبس الاحتياطي، بل وسعت مسار العقاب عبر ملفات جماعية تخلط بين النشر والعمل التنظيمي، الأمر الذي يجعل الصحفي متهمًا قبل أن يثبت أي فعل جنائي مستقل عن ممارسة المهنة.
كما يخدم رقم 25 صحفيًا وصحفية داخل 12 قضية دلالة سياسية وقانونية حادة، لأن توزيع الأسماء على هذا العدد من القضايا يمنع اختزال الأزمة في حالة فردية، ويكشف شبكة ملاحقات تستخدم أدوات أمن الدولة لإبقاء الوسط الصحفي تحت تهديد دائم.
وهنا يكتسب موقف شريف منصور، من لجنة حماية الصحفيين، وظيفة واضحة في قراءة المحور القانوني للأزمة، لأنه سبق أن وصف ملاحقة الصحفيين في مصر بأنها ترهيب قانوني ومناخ يزداد سوءًا للإعلام، ودعا إلى وقف استخدام القوانين التي ترسل الصحفيين إلى السجون.
لذلك لا تبدو تهم نشر الأخبار الكاذبة والانضمام إلى جماعة محظورة مجرد عناوين قانونية عادية، لأن تكرارها في قضايا النشر يحولها إلى قوالب جاهزة، تستخدمها السلطة لنقل الصحفي من موقع المراقب والمساءل إلى موقع المتهم الذي يطلب النجاة.
الحبس الاحتياطي يصبح عقوبة قبل المحاكمة
توسعت الأزمة حين تحولت فترات الحبس الطويلة إلى أداة قائمة بذاتها للعقاب، إذ يدخل الصحفي القضية باعتباره متهمًا على ذمة التحقيق، ثم يمتد حبسه لأشهر أو سنوات قبل الإحالة أو الإفراج، فيسقط المعنى الأصلي للحبس الاحتياطي ويتحول إلى عقوبة بلا حكم.
وفي هذا السياق، تؤكد منظمات حقوقية أن نيابة أمن الدولة العليا أصبحت جزءًا أساسيًا من مسار الضغط على الصحفيين والنشطاء، لأن قرارات التجديد المتكررة تبقي المتهم بعيدًا عن عمله وأسرته ومصادره، وتوجه رسالة ردع لكل صحفي يفكر في فتح ملف حساس.
ثم يعزز رأي بسام خواجة، من منظمة هيومن رايتس ووتش، هذا المحور تحديدًا، إذ ربط احترام حرية التعبير بأي حديث عن صفحة سياسية جديدة، وشدد على أن السلطات المصرية يجب أن توقف استهداف المنتقدين وتفرج عن المحتجزين ظلمًا، بما يجعل الإصلاح مستحيلًا مع استمرار الحبس.
وعلى الأرض، لا يقتصر أثر الحبس الاحتياطي على أسماء المحتجزين وحدهم، لأن كل قضية جديدة تدفع غرف الأخبار إلى تقليل مساحة النقد، وتدفع الصحفيين إلى حذف الأسئلة المزعجة قبل نشرها، وتخلق رقابة ذاتية أشد قسوة من الرقابة الرسمية أحيانًا.
وبذلك تتحول البيئة الإعلامية إلى مساحة خوف منظم، حيث يعرف الصحفي أن الخطأ المهني يمكن تصحيحه، لكن اتهامات أمن الدولة لا تترك له فرصة مهنية عادلة، لأن القضية نفسها تكفي لتدمير الحياة والعمل حتى قبل صدور أي حكم قضائي.
تصنيف دولي متراجع وسلطة ترفع شعار الأمن القومي
وضعت منظمة مراسلون بلا حدود مصر في موقع متأخر للغاية ضمن مؤشر حرية الصحافة، حيث جاء ترتيبها في المرتبة 169 من أصل 180 دولة وفق المعطيات المتداولة في سياق المؤشر، وهو ترتيب يضع البلاد في منطقة الخطر الشديد لا في خانة الخلاف السياسي العابر.
وتكشف هذه المرتبة أن الأزمة لم تعد شأنًا داخليًا يمكن تغطيته بخطاب رسمي عن تنظيم الإعلام، لأن التصنيف الدولي يقرأ حصيلة الاعتقالات والقضايا والقيود وحجب المساحات المستقلة، ثم يضع مصر ضمن الدول التي يواجه فيها الصحفيون خطرًا مباشرًا بسبب عملهم.
في المقابل، تستدعي السلطات المصرية خطاب الأمن القومي ومكافحة الشائعات كلما تصاعدت الانتقادات، لكنها لا تقدم ضمانات كافية تفصل بين الخبر الكاذب المتعمد وبين التحقيق الصحفي أو الرأي النقدي، ولذلك يتحول الشعار الأمني إلى باب واسع لتجريم الصحافة.
العفو الدولية : انتهاك لحق الصحفيين وحرمان الجمهور من معلومات مستقلة
وتدعم منظمة العفو الدولية هذا المحور من زاوية الحق العام في المعرفة، إذ قالت إن تضييق السلطات المصرية على الإعلام لا ينتهك حق الصحفيين وحدهم، بل يضرب حق الجمهور في الوصول إلى معلومات مستقلة، وهي نقطة تكشف أن الضحية الأكبر ليست الصحافة فقط.
كذلك يخدم موقف عمرو مجدي، من هيومن رايتس ووتش، قراءة اللحظة الأحدث، لأنه وصف احتجاز الصحفي إسماعيل الإسكندراني بسبب منشورات بأنه لحظة كاشفة للحكومة المصرية، وشدد على أن المخرج يبدأ بوقف الاحتجاز غير القانوني للمنتقدين والصحفيين.
ومن ثم يصبح الحديث الرسمي عن حماية المجتمع من الشائعات بلا قيمة حين تستخدم الحكومة الوسيلة نفسها لإسكات من يسأل ويحقق وينشر، لأن الدولة التي تخاف من الصحافة الحرة لا تحمي الأمن القومي، بل تحمي رواية واحدة من الاختبار العام.
وتحاول حملة أنقذوا حرية الرأي دفع الأزمة إلى مطلب واضح، إذ دعت إلى وقف ملاحقة الصحفيين بسبب عملهم المهني، والإفراج عن المحتجزين في قضايا النشر، وتهيئة بيئة تسمح للصحافة بالعمل دون تهديد قانوني أو أمن يومي يلاحق كل كلمة.
وفي النهاية، لا تحتاج حرية الصحافة في مصر إلى بيانات تجميلية أو وعود عن انفتاح محسوب، بل تحتاج إلى إغلاق هذا المسار العقابي من جذوره، لأن الصحافة التي تعمل تحت الخوف لا تكشف فسادًا ولا تحاسب سلطة ولا تمنح المجتمع حقه في المعرفة.

