فتح مشروع قانون الأسرة الجديد في مصر حالة واسعة من الجدال الاجتماعي حول قضايا جوهرية تتعلق بالنفقة وحضانة الأولاد وتعليمهم في حالة الانفصال بين الزوجين،ويستهدف المشروع إرساء قواعد لحقوق المراة المطلقة وأولادها بما يقلل من الخلافات الأسرية والوصول إلى ساحات المحاكم.

 

وأحالت الحكومة مشروع قانون الأسرة الجديد إلى البرلمان في أواخر أبريل 2026، بعد موافقة مجلس الوزراء على صياغة تضم 6 مواد إصدار و355 مادة موضوعية موزعة على الولاية على النفس والولاية على المال وإجراءات التقاضي أمام محاكم الأسرة، بما يجعل النص المقترح إعادة بناء واسعة لمنظومة الأحوال الشخصية لا مجرد تعديل جزئي محدود. كشفت المادة 138 من مشروع القانون اتجاها أكثر إلزاما في ملف تعليم الأبناء، إذ حمّلت الأب مصروفات التعليم من المرحلة التمهيدية قبل التعليم الأساسي حتى نهاية المرحلة الجامعية، ومنعته من التراجع عن التعليم الخاص الذي اختاره لأولاده ما دام قادرًا ماليًا ولم يظهر سبب مشروع يبرر الرجوع. 

 

مصروفات التعليم والنفقة من وعد أسري إلى التزام قانوني

 

وقد أوضح النص الخاص بالتعليم أن الدولة تحاول نقل عبء مصروفات الأبناء من مساحة الخلاف العائلي إلى مساحة الإلزام القضائي، لأن الأب الذي يختار مدرسة خاصة أو نمطا تعليميا مكلفا لا يجوز له استخدام الانفصال أو النزاع مع الأم ذريعة لإسقاط هذا الالتزام عن الطفل.

 

وفي ظل هذا التوجه، تبدو المادة 138 مرتبطة بملف النفقة كله، لأن مصروفات التعليم لا تنفصل عن المسكن والعلاج والحضانة، كما أن النص يضع معيار القدرة المالية في مواجهة التحايل المعتاد على الدخل، وهو التحايل الذي يطيل القضايا ويحوّل احتياجات الأطفال إلى أوراق معلقة داخل المحاكم.

 

وأكد المستشار طاهر الخولي، وكيل اللجنة التشريعية بمجلس النواب، أن إصلاح قوانين الأسرة يجب أن يتضمن آليات حديثة ومرنة في تقدير النفقات بما يتناسب مع الأوضاع الاقتصادية، ويرى أن تقليل النزاعات حول النفقة ضرورة لحماية النشء من آثار الصراع بين الأبوين.

 

الطلاق والحضانة والاستضافة بين تنظيم النص وخطر التنفيذ

 

لفت مشروع القانون إلى تنظيم الطلاق بطريقة أكثر صرامة، حيث خفض مدة توثيق الطلاق إلى 15 يوما بدلا من 30 يوما، وفرض عقوبات على عدم التوثيق، ولم يعتد بالطلاق الشفهي غير الموثق، كما اعتبر الطلاق المقترن بعدد واقعا مرة واحدة فقط.

 

ويبين هذا التعديل أن الحكومة تستهدف تقليل الفوضى التي تترك النساء والأطفال أمام طلاق معلن اجتماعيا وغير ثابت قانونيا، لكن النص وحده لا يكفي إذا لم تصاحبه مكاتب تنفيذ قادرة على إلزام الممتنعين، لأن بطء الإجراءات يجعل المرأة تدفع ثمن النزاع قبل أن تصل إلى الحكم.

 

ويرى النائب إيهاب رمزي أن مواد الاستضافة وسن الحضانة من أكثر الملفات حساسية، لأنها تحتاج إلى توازن دقيق بين الحقوق والواجبات، ويؤكد أن الاستضافة قد تكون إيجابية إذا نظمتها ضوابط صارمة تمنع إساءة استخدامها وتحافظ على الاستقرار النفسي للطفل.

 

 الخبراء : القانون سيبقى ناقصًا دون بنية تنفيذية

 

 نهاد أبو القمصان، المحامية ورئيسة المركز المصري لحقوق المرأة، قالت إن قانون الأسرة لا يجب التعامل معه كصراع بين الرجال والنساء، بل كمسؤولية دولة تحتاج إلى بنية مؤسسية لحماية الطفل، خصوصا عند تطبيق أفكار مثل الحضانة المشتركة والمتابعة النفسية والاجتماعية.

 

كما ترى الدكتورة هبة هجرس، عضو المجلس القومي للمرأة، أن أي نص في قانون الأسرة يجب أن يكون محسوبا بدقة لأن أثره اجتماعي لا فردي، وشددت على أن الاستضافة وحقوق الأب لا يمكن فصلهما عن ضمانات أمان الطفل والرقابة القانونية وسرعة تنفيذ النفقة. وفي موازاة الرأي القانوني، يعزز طرح الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أهمية قراءة القانون من زاوية النمو النفسي والاجتماعي للطفل، لأن نقل الحضانة أو توسيع الاستضافة أو تعديل الولاية التعليمية يجب ألا يصدر عن مساومة بين الأبوين بل عن معيار مصلحة الطفل.

 

واخيرا يؤكد مشروع قانون الأسرة الجديد أن البرلمان أمام اختبار حقيقي لا يحتمل الصياغات الفضفاضة، فالمواد الخاصة بالتعليم والنفقة والحضانة والطلاق والنسب تفتح بابا لإصلاح طال انتظاره، لكن أي قانون بلا تنفيذ سريع وشفاف سيعيد النساء والأطفال إلى الدائرة نفسها، أحكام كثيرة وحقوق متأخرة وحياة أسرية مفككة يدفع ثمنها الطرف الأضعف.