كشفت شكاوى أهالي قرية المخزن في مركز قوص بمحافظة قنا (جنوب مصر) عن تفاقم تلوث ترعة الكلابية خلال مايو ٢٠٢٦ بعد تراكم القمامة والمواد البلاستيكية والحيوانات النافقة داخل مجرى المياه، في واقعة تكشف غياب قرار حاسم من حكومة الانقلاب وأجهزة الري والمحليات عن أزمة تمس الزراعة ومياه الشرب وصحة السكان مباشرة.

 

وأظهرت شهادات الأهالي أن الأزمة لم تعد مجرد مظهر بيئي سيئ على ضفاف الترعة، بل تحولت إلى تهديد يومي للمزارعين والأطفال والمنازل المطلة على المياه، لأن القمامة المتوقفة عند قرية المخزن بسبب ضيق المجرى تنقل التلوث من سطح الترعة إلى الأرض الزراعية ثم إلى مرشح المياه الذي تعتمد عليه القرية في الشرب.

 

قرار غائب يترك ترعة الكلابية تحت القمامة

 

أوضح أحمد محمود، أحد أهالي قرية المخزن، أن القمامة أصبحت تغطي أجزاء واسعة من ترعة الكلابية، وأن سكان القرى المجاورة يلقون المخلفات البلاستيكية والمواد النافقة داخل المياه ثم تتحرك هذه المخلفات حتى تتوقف أمام القرية بسبب ضيق الترعة، وهو ما يجعل قرية المخزن تتحمل نتيجة إهمال ممتد من دون تدخل رادع.

 

ولفت محمود إلى أن تراكم القمامة لا يضر شكل الترعة فقط، بل يقتل الأسماك والكائنات الحية والبيئة المحيطة، لأن المياه تتحول مع الوقت إلى بؤرة راكدة تستقبل مخلفات منزلية وحيوانية ثم تعيد توزيع أثرها على السكان والمزارعين، بينما تكتفي الجهات المسؤولة بترك الأزمة تتسع كأن حياة الناس خارج حساباتها.

 

وفي هذا السياق يرى الدكتور مجدي علام، أمين عام اتحاد خبراء البيئة العرب، أن المخلفات البلاستيكية لا تمثل ضررًا وتلوثًا بصريًا فقط، بل تتحول مع التراكم وسوء التخلص إلى مصدر لتلوث الهواء والتربة والمياه، ولذلك فإن إلقاء البلاستيك في الترع يعني نقل المشكلة من القمامة اليومية إلى دورة الغذاء والمياه.

 

ويكشف هذا التفسير أن ما يحدث في ترعة الكلابية ليس خطأ فرديا معزولا من بعض السكان، بل نتيجة مباشرة لغياب منظومة جمع مخلفات فعالة ورقابة محلية جادة وعقوبات واضحة، لأن المواطن الذي يجد الترعة أقرب من صندوق القمامة يفعل ذلك في ظل سلطة تعرف الخطر وتتركه يتكرر.

 

مياه الري تتحول إلى خطر على الأرض والمحصول

 

محمود ريان، أحد مزارعي قرية المخزن، أكد أن المياه الملوثة التي تمر في الترعة تستخدم في ري الأراضي الزراعية، وأن هذه المياه تنقل التلوث إلى التربة والنباتات، بما يجعل الضرر ممتد من مجرى الترعة إلى المحصول الذي يخرج من الأرض ثم يصل إلى موائد الناس في النهاية.

 

ويؤكد هذا الكلام أن الأزمة لا تقف عند حدود الرائحة أو الحشرات، لأن المزارع الذي يعتمد على الترعة لا يملك بديلا آمنا لري أرضه، وحين تتلوث مياه الري فإن التربة نفسها تدفع الثمن، ثم يفقد النبات جزءا من سلامته، ثم يتحمل المستهلك نتيجة إهمال لم يبدأ عنده لكنه يصل إليه في غذائه.

 

كما يرى الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية وعلوم الأراضي بكلية الزراعة في جامعة القاهرة، أن معالجة المياه تعني إزالة الملوثات والميكروبات وما يضر التربة من متبقيات ومخلفات، ولذلك فإن ترك الترع والمصارف تستقبل القمامة والصرف والمخلفات يضع الزراعة أمام ضرر مباشر لا يحتاج إلى مبالغة في توصيفه.

 

وفي ظل هذا الترابط بين المياه والتربة والغذاء، تصبح ترعة الكلابية نموذجا لفشل إداري أوسع في قرى الصعيد، لأن الحكومة تتحدث كثيرا عن مشروعات البنية التحتية بينما تعجز عن تطهير مجرى مائي يخدم قرية زراعية، والنتيجة أن الفلاح يزرع وسط خطر لا يملك أدوات دفعه ولا قرار وقفه.

 

الرائحة الكريهة والناموس وتلوث المياه  نتيجة واحدة للإهمال

 

سعد حسن، أحد سكان القرية، أشار إلى أن منزله يطل مباشرة على الترعة وأن أسرته تتأذى يوميا من الرائحة الكريهة وانتشار الناموس والذباب، مؤكدا أن الأطفال أصبحوا في مواجهة ضرر صحي مستمر بسبب مياه راكدة ومخلفات متحللة وحيوانات نافقة لا تجد من يرفعها أو يحاسب من ألقاها.

 

ويبين كلام حسن أن الأزمة انتقلت من نطاق الأرض الزراعية إلى داخل البيوت، لأن الرائحة تدخل المنازل والحشرات تحاصر الأطفال والمياه الملوثة تظل ملاصقة للحياة اليومية، وهنا لا يكون الحديث عن رفاهية بيئية بل عن حق أساسي في السكن الآمن والمياه النظيفة والهواء الذي لا يحمل آثار القمامة.

 

وفي موازاة ذلك يؤكد الدكتور عبد المسيح سمعان، أستاذ الدراسات البيئية بجامعة عين شمس، أن تلوث الماء والتربة والهواء يرتبط عادة بتراكم النفايات واختلاطها بمصادر المياه، وهو ما يجعل أي ترعة تمر وسط كتلة سكنية من دون تطهير ورقابة مصدرا مباشرا لمخاطر صحية وبيئية متداخلة.

 

ويعني ذلك أن مطالبة الأهالي لمجلس مدينة قوص ومديرية الري بتطهير الترعة ومعاقبة من يلقون القمامة ليست مطلبا محليا محدودا، بل إجراء وقائي عاجل، لأن كل يوم تأخير يسمح للمخلفات أن تتحلل داخل المياه ويزيد انتشار الحشرات ويضاعف الضغط على مرشح مياه الشرب الذي تعتمد عليه القرية.

 

وتفرض هذه الوقائع مسارا واضحا يبدأ بقرار فوري لتطهير ترعة الكلابية، ثم وضع نقاط ثابتة لجمع القمامة في القرى المجاورة، ثم تحرير محاضر لمن يلقي الحيوانات النافقة والمخلفات في المياه، ثم متابعة دورية من الري والمحليات، لأن أي حل لا يجمع بين التنظيف والعقوبة سيعيد القمامة إلى المكان نفسه.

 

وأخيرا فإن قرية المخزن لا تطلب امتيازا خاصا، بل تطلب وقف تحويل الترعة إلى مصرف مفتوح يلوث الأرض والمياه والهواء، وإذا عجزت حكومة الانقلاب عن حماية مجرى مائي من القمامة والحيوانات النافقة، فإن حديثها عن التنمية في الصعيد يصبح خطابا فارغا أمام رائحة الترعة وصرخات المزارعين وخوف الأهالي على أطفالهم.