تواصل أسعار مواد البناء في مصر كشف العبء الذي صنعته سياسات الحكومة على سوق التشييد والبناء، بعد أن تحولت تكلفة الحديد والأسمنت والطوب والرمل والزلط إلى ضغط يومي على المواطنين والمقاولين الصغار، بينما تكتفي الحكومة بنشر أرقام الأسعار دون ضبط حقيقي لمصادر الغلاء.
في السبت 25 أبريل 2026 ظهرت صورة السوق أكثر وضوحا، إذ ارتفع الحديد الاستثماري والأسمنت الرمادي، وتراجع حديد عز بشكل محدود، واستقرت أسعار الطوب والرمل والزلط عند مستويات مرهقة، بما يؤكد أن الأزمة لم تعد في صنف واحد بل في منظومة تكلفة كاملة تديرها الحكومة بسياسات مرتبكة.
الحديد يتحرك تحت ضغط الدولار والطاقة لا تحت رقابة حكومية
بداية سجل سعر طن الحديد الاستثماري نحو 37,261 جنيه بزيادة بلغت 174 جنيه، بينما سجل سعر طن حديد عز نحو 39,092 جنيه بتراجع بلغ 138 جنيه، وهذا التباين لا يمنح السوق استقرارا حقيقيا لأنه يترك المواطن أمام أسعار تتغير يوميا من دون حماية أو سقف واضح.
وبعد ذلك تظهر خطورة الفارق بين النوعين في أن الحديد الاستثماري يمثل مدخلا مهما للمقاولين الصغار وأصحاب البناء الفردي، ولذلك فإن ارتفاعه يضغط مباشرة على تكلفة الدور السكني والشقة الشعبية، بينما لا يقدم تراجع حديد عز المحدود خفضا ملموسا في فاتورة البناء النهائية.
كما يؤكد هذا المسار أن الحكومة لم تنجح في تحويل بيانات بوابة الأسعار إلى أداة ضبط فعلية، لأن الأرقام تكشف الحركة ولا توقفها، وتعرض الزيادة ولا تمنع انتقالها إلى المواطن، ثم تترك السوق يتحمل أثر الدولار والطاقة والنقل من دون تدخل يحمي حق السكن.
وفي هذا السياق ربط أحمد الزيني رئيس شعبة مواد البناء بالغرفة التجارية تحركات القطاع بتكلفة الاستيراد وسعر العملة ومدخلات الإنتاج، وهذا الربط يضع المسؤولية عند السياسات العامة لا عند التجار وحدهم، لأن الحكومة تدير ملف الدولار والطاقة والجمارك وتتحكم في بيئة الإنتاج.
لذلك لا يكفي أن تسجل الحكومة متوسط السعر في نهاية اليوم، لأن المشكلة تبدأ قبل نشر الرقم، وتبدأ من تكلفة الخامات والفحم والطاقة وسعر الصرف وشروط الاستيراد، ثم تصل إلى المستهلك في صورة طن حديد أغلى من قدرة أغلب الأسر على البناء أو الترميم.
الأسمنت يصعد رغم وعود الخفض والطوب يثبت عند مستويات مرهقة
ثم جاء الأسمنت الرمادي ليؤكد أن الأزمة أوسع من الحديد، حيث سجل سعر الطن نحو 4,207 جنيه بزيادة بلغت نحو 60 جنيه، وهذه الزيادة اليومية تكشف هشاشة أي حديث حكومي عن استقرار سوق مواد البناء، لأن الأسمنت يدخل في كل مرحلة من مراحل التشييد والتشطيب.
وبسبب هذه الزيادة لا يستطيع المواطن أن يتعامل مع البناء كخطة مالية مستقرة، لأن ارتفاع الأسمنت يرفع تكلفة الخرسانة والمحارة وأعمال التشطيب، كما يضغط على المقاول الصغير الذي يلتزم بتعاقدات سابقة ثم يواجه أسعارا جديدة لا يستطيع تمريرها إلا على المالك أو المشتري.
وفي المقابل استقر الطوب عند مستويات لا تمنح راحة حقيقية، إذ سجل الطوب الأسمنتي المصمت مقاس 25 في 12 في 6 سنتيمترات نحو 2,200 جنيه للألف طوبة، وسجل الطوب الأسمنتي المفرغ مقاس 40 في 20 في 20 سنتيمترا نحو 13,340 جنيه.
كما بلغ الطوب الأسمنتي المفرغ مقاس 40 في 20 في 12 سنتيمترا نحو 9,850 جنيه، وسجل الطوب الوردي مقاس 25 في 12 في 6 سنتيمترات نحو 4,960 جنيه، بينما تراوح الطوب الأحمر بين 1,445 جنيه و2,360 جنيه للألف طوبة حسب المقاس.
وهنا تبدو تصريحات علاء عز أمين عام اتحاد الغرف التجارية عن مبادرات خفض الأسعار بعيدة عن أثر مستمر في السوق، لأن الأسعار الحالية تظهر أن أي تراجع سابق لم يتحول إلى سياسة حماية دائمة، وأن المواطن يواجه موجة جديدة بمجرد تحرك الطاقة أو الدولار أو الطلب.
لذلك لا يمثل ثبات الطوب خبرا مطمئنا، لأن الثبات جاء عند مستويات عالية أصلا، ولأن ارتفاع الأسمنت والحديد يلتهم أي أثر لهذا الثبات، ثم يحول تكلفة البناء الشعبي إلى عبء ثقيل على الأسر التي تؤجل التشطيب أو تمتنع عن البناء بسبب الفاتورة الجديدة.
الرمل والزلط يثبتان ظاهريا بينما تنقل الحكومة عبء التكلفة للمواطن
بعد ذلك تكشف أسعار الرمل والزلط جانبا آخر من الأزمة، إذ سجل متر الرمل الحرش نحو 135 جنيه، وسجل الرمل الناعم نحو 120 جنيه، وبلغ الزلط العادي نحو 300 جنيه، وسجل الزلط المخصوص نحو 375 جنيه، وسجل الزلط الفينو نحو 420 جنيه.
كما سجل الزلط السن نحو 340 جنيه للمتر المكعب، وهذه الأرقام تبدو ثابتة في ظاهرها، لكنها لا تعني أن تكلفة الموقع ثابتة، لأن النقل والتحميل والمسافة والوقود ترفع السعر على المشتري النهائي، خصوصا في المحافظات البعيدة عن مصادر الرمل والزلط.
وبالتزامن مع ذلك يتحمل المستهلك أثر سلاسل الإمداد من دون حماية، لأن أي اضطراب في الشحن أو الخامات أو الوقود ينتقل إلى السوق بسرعة، بينما تتحرك الحكومة ببطء عبر بيانات وتصريحات لا تغير شيئا في فاتورة البناء التي يدفعها المواطن من دخله المتآكل.
وفي قراءة مرتبطة بسوق العقار ربط الخبير الاقتصادي هاني توفيق أزمة القطاع بتراجع القوة الشرائية وزيادة تكاليف الإنشاء، وهذا الربط يشرح أثر مواد البناء على الطلب، لأن المواطن لا يستطيع الشراء عندما ترتفع التكلفة، والمطور لا يخفض السعر عندما ترتفع المدخلات.
ومن هنا يصبح استقرار الرمل والزلط غير كاف لتخفيف الأزمة، لأن الحديد والأسمنت والطوب والنقل والدولار يشكلون معا تكلفة البناء، والحكومة لا تستطيع أن تحمل المواطن النتيجة ثم تتحدث عن سوق منظم، بينما تواصل سياساتها إنتاج ضغوط جديدة على كل متر مبني.
في النهاية تفضح أسعار مواد البناء يوم 25 أبريل 2026 فشل الحكومة في ضبط أساسيات السكن والبناء، فالحديد الاستثماري ارتفع، والأسمنت الرمادي صعد، وحديد عز تراجع جزئيا، والطوب والرمل والزلط ثبتوا عند مستويات مرهقة، والنتيجة أن المواطن يدفع ثمن سياسة تترك السوق بلا حماية.

