دخل الصراع في مضيق هرمز مرحلة جديدة بعد أسابيع من المواجهة العسكرية المباشرة بين واشنطن وطهران، إذ انتقل الضغط من الاشتباك المفتوح إلى حصار بحري واسع ومفاوضات متعثرة، بينما يظل الممر الذي تعبر منه نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية تحت رقابة عسكرية وسياسية مشددة.

 

تتعامل الولايات المتحدة مع الحصار باعتباره أداة لإجبار إيران على تنازلات نووية وإقليمية، بينما ترد طهران بربط أي تفاوض حقيقي برفع القيود عن موانئها. وبين الطرفين تتحرك إسلام آباد ومسقط وموسكو في مساحة ضيقة، لأن كل طرف يريد اختبار قدرة الطرف الآخر على تحمل الضغط.

 

الحصار البحري يتحول إلى أداة ضغط شاملة

 

أعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أن الحصار البحري المفروض على إيران يتسع إلى نطاق عالمي، وقال إن البحرية الأمريكية أعادت 34 سفينة كانت متجهة من مضيق هرمز أو إلى موانئ إيرانية، في إشارة إلى أن واشنطن لم تعد تكتفي بالضغط داخل الخليج، بل انتقلت إلى ملاحقة السفن المرتبطة بإيران في المحيطين الهادي والهندي.

 

وجاء هذا الإعلان في وقت تقول فيه واشنطن إن الحصار بدأ في 13 أبريل 2026، وإنه يستهدف منع طهران من استخدام الموانئ وشبكات النقل البحري في تمويل قدراتها العسكرية. وبهذا المعنى، تحاول الإدارة الأمريكية تحويل المضيق من ممر تجاري إلى ورقة تفاوض قسرية.

 

كما أظهرت بيانات الملاحة أن حركة العبور في مضيق هرمز تراجعت إلى 5 سفن فقط خلال 24 ساعة، بعدما كان المتوسط قبل الحرب يدور حول 140 سفينة يوميا. ويعكس هذا الانخفاض حجم الشلل الملاحي الذي أصاب واحدا من أهم ممرات الطاقة في العالم.

 

وبسبب هذا الشلل، لم تعد شركات الشحن تتعامل مع فتح المضيق أو إغلاقه كقرار سياسي معلن فقط، بل أصبحت تبحث عن ضمانات أمنية واضحة قبل العودة. فالمضيق ظل مفتوحا شكليا في بعض الفترات، لكن مخاطر الاحتجاز والتفتيش والقصف جعلت الحركة التجارية أقرب إلى مقامرة عالية الكلفة.

 

وتؤكد واشنطن أن وجودها العسكري لا ينفصل عن المسار الدبلوماسي، لأن الحصار يوفر لها ورقة ضغط فوق طاولة التفاوض. وفي المقابل، ترى طهران أن إبقاء الحصار قائما أثناء الحديث عن وقف إطلاق النار يمثل خرقا سياسيا يمنع أي تفاوض جاد حول الملف النووي أو أمن الخليج.

 

إسلام آباد تتحول إلى مركز تفاوض فوق حقل ألغام

 

في المسار الدبلوماسي، وصلت الأزمة إلى إسلام آباد بعد تعثر جولات سابقة، إذ اتجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى العاصمة الباكستانية ضمن جولة تشمل أيضا مسقط وموسكو، بينما أرسلت إدارة ترامب مبعوثيها ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر لاستطلاع إمكانية استئناف التفاوض.

 

ورغم هذا الحراك، قالت تقارير إن طهران لم تلتزم بعقد محادثات مباشرة مع الوفد الأمريكي، وإن إسلام آباد ستقوم بدور قناة نقل للمواقف الإيرانية بدلا من استضافة تفاوض مباشر كامل. ويكشف ذلك أن الأزمة لم تدخل مرحلة الحل، بل دخلت مرحلة اختبار النوايا.

 

وتتمسك إيران بمطلب رفع الحصار عن موانئها قبل أي تفاوض حقيقي، لأنها تعتبر استمرار القيود البحرية جزءا من الحرب لا جزءا من التهدئة. وفي المقابل، تصر واشنطن على أن الحصار هو الورقة الأهم لإجبار طهران على تقديم التزامات قابلة للتحقق بشأن برنامجها النووي وسلوكها الإقليمي.

 

وتتحرك باكستان في هذا الملف بحذر شديد، لأن نجاح الوساطة يمنحها دورا إقليميا بارزا، بينما يؤدي فشلها إلى تعميق خطر التصعيد في جوارها القريب. ولذلك تبدو إسلام آباد أقرب إلى غرفة اتصالات سياسية منها إلى منصة اتفاق نهائي في هذه المرحلة.

 

كما تظهر مسقط وموسكو في الخلفية كمسارين إضافيين لتخفيف العزلة عن طهران، إذ تبحث إيران عن ظهير دولي يوازن الضغط الأمريكي. غير أن قدرة هذه العواصم على تغيير ميزان التفاوض تظل محدودة ما دام الحصار الأمريكي مستمرا وما دام المضيق لا يعمل بطاقته الطبيعية.

 

معركة الإرادات تضع الطاقة العالمية أمام اختبار جديد

 

يراهن البيت الأبيض على أن الحصار البحري والضغط العسكري سيجبران إيران على قبول تسوية واسعة، بينما تراهن طهران على أن تعطيل مضيق هرمز وتهديد إمدادات الطاقة سيدفعان القوى الدولية إلى الضغط على واشنطن. وهكذا تحولت الأزمة من مواجهة سلاح إلى مواجهة قدرة على تحمل الكلفة.

 

وتظهر خطورة هذه المعادلة في أن مضيق هرمز لا يخص إيران والولايات المتحدة وحدهما، لأنه ممر أساسي للنفط والغاز، وأي اضطراب طويل فيه ينعكس على الأسعار وسلاسل الإمداد والتأمين البحري. ولهذا تراقب الأسواق كل تصريح عسكري أو دبلوماسي باعتباره مؤشرا على اتجاه الطاقة في الأسابيع المقبلة.

 

وفي لبنان، يمنح تمديد وقف إطلاق النار لثلاثة أسابيع مؤشرا على رغبة بعض الأطراف في منع انفجار إقليمي أوسع، لكنه لا يضمن تهدئة جبهة هرمز. فالمواجهة في الخليج ترتبط مباشرة بالحساب النووي والملاحي والاقتصادي، ولا تتوقف عند حدود ملف لبناني أو تفاهم ميداني مؤقت.

 

لذلك يتحول السؤال المركزي الآن إلى من يتراجع أولا. واشنطن تريد صفقة تفرض قيودا واضحة على إيران وتعيد فتح الممر بشروط أمريكية، وطهران تريد رفع الحصار قبل تقديم تنازلات، بينما تتحرك الوساطات بين موقفين يرفعان سقف المطالب ويؤجلان لحظة الاتفاق.

 

وفي النهاية، يكشف مشهد هرمز أن الحرب لم تنته بوقف النار، بل غيرت أدواتها فقط. فالحصار حل محل القصف المباشر، والوساطة حلت محل البيانات العسكرية، لكن جوهر الصراع بقي كما هو: الولايات المتحدة تريد كسر الإرادة الإيرانية، وإيران تريد تحويل أمن الطاقة العالمي إلى ورقة تمنع خضوعها لشروط واشنطن.