تحولت لحظة وصول عبد الفتاح السيسي إلى الاجتماع الأوروبي العربي في قبرص يوم 24 أبريل 2026 إلى مادة سياسية محرجة، بعدما تداولت حسابات مصرية معارضة ومواقع رصد مقاطع قالت إنها توثق ضحك صحفيين أجانب ومصورين أثناء مروره أمام الكاميرات في نيقوسيا.

 

وجاءت الواقعة بينما قالت الرئاسة المصرية إن السيسي توجه إلى قبرص للمشاركة في اجتماع تشاوري يضم قادة عربا وأوروبيين ومؤسسات من الاتحاد الأوروبي، كما نشرت وكالة رويترز صورا لاجتماع قادة أوروبيين وإقليميين في نيقوسيا في اليوم نفسه.

 

اللقطة الأولى تفتح باب السخرية أمام الكاميرات

 

في البداية، نشر الصحفي عمر الفتيري تعليقا وصف فيه المشهد بأنه لا يليق بمصر، واعتبر أن ما جرى أمام عدسات الصحافة في القمة الأوروبية يمثل مهزلة سياسية مرتبطة بصورة السيسي خارجيا، وجاءت صياغته في إطار انتقاد مباشر للحظة بدت في المقطع المتداول كأنها خروج عن البروتوكول.

 

 

وبعد ذلك، نشر حساب رصد صياغة خبرية ركزت على عبارة “توقف وتحدث”، وقال إن صحفيين أجانب سخروا من السيسي أثناء وصوله إلى اجتماع القمة الأوروبية في قبرص، وقدمت التغريدة المشهد بوصفه لحظة مكشوفة أمام الإعلام الدولي وليست تعليقا داخليا محدود الانتشار.

 

 

وفي السياق نفسه، كتب أنيس منصور أن الصحفيين ضحكوا على السيسي أثناء مؤتمر القمة العربية الأوروبية المنعقدة في قبرص، وبهذه الصياغة نقل التعليق من مجرد وصف للحركة أمام الكاميرا إلى اتهام سياسي بأن المشهد حمل دلالة إهانة لرأس السلطة أمام الإعلام الأجنبي.

 

 

لذلك يضع أستاذ العلوم السياسية حسن نافعة هذه النوعية من المشاهد ضمن ملف أوسع يتعلق بصورة السلطة في الخارج، إذ يرى في كتاباته ومداخلاته أن شرعية الحكم لا تقاس فقط بالاستقبال الرسمي، بل تقاس أيضا بقدرة السلطة على تمثيل الدولة بصورة مقنعة أمام الرأي العام الدولي.

 

منصات معارضة تربط الضحك بصورة مصر تحت حكم السيسي

 

ثم صعد حساب صدى مصر لهجة التعليق، ووصف الواقعة بأنها فضيحة في القمة الأوروبية، وقال إن الكاميرات وثقت لحظات سخرية وضحك من الصحفيين الأجانب والمصورين عند وصول السيسي إلى نيقوسيا، وربط الحساب بين هذه اللقطة وبين تراجع صورة مصر في عهد السلطة الحالية.

 

 

وبناء على ذلك، لم يتعامل الحساب مع المشهد بوصفه لقطة عابرة، بل قدمه كدليل على نظرة دولية قاسية إلى السيسي، واستخدم عبارات سياسية حادة اعتبرت أن الرئيس المصري فقد وزنه الدبلوماسي بسبب القمع والديون، وأن صورته الخارجية لم تعد منفصلة عن أزماته الداخلية.

 

وفي الاتجاه ذاته، نشر حساب حزب تكنوقراط مصر تعليقا قصيرا جمع بين الضحك والسخرية والاستهزاء، ثم أعاد صياغة عبارة “توقف وتحدث” باعتبارها مفتاحا للمشهد، وبهذا جعل الحساب اللقطة دليلا على ارتباك لحظة الوصول لا مجرد رد فعل عابر من جانب الصحفيين.

 

 

ومن هنا تبدو قراءة أستاذ العلوم السياسية عمرو الشوبكي مهمة في هذا السياق، لأنه يربط في تحليلاته بين الأداء السياسي وصورة الدولة، ويرى أن قوة الدولة لا تظهر فقط في الخطابات الرسمية، بل تظهر أيضا في قدرة النظام على إنتاج احترام خارجي لا يقوم على الدعاية وحدها.

 

تفاصيل الإشارة باليد تتحول إلى اتهام بالعجز عن التواصل

 

لاحقا، قدم المجلس الثوري المصري رواية أكثر تفصيلا، وقال إن السيسي وصل إلى اجتماع القمة الأوروبية في قبرص، وحاول الصحفيون طرح بعض الأسئلة عليه، ثم رفع يديه مشيرا بأنه لا يعرف، قبل أن يدخل الصحفيون في وصلة من الضحك والاستهزاء بحسب وصف الحساب.

 

 

وبسبب هذه الرواية، ركز المجلس الثوري المصري على زاوية اللغة والتواصل، واعتبر أن السيسي لم يفهم السؤال لأنه لا يعرف الإنجليزية، ثم وسع الاتهام السياسي ليقول إن وجوده في هذا الموقع يمثل إهانة لبلد بحجم مصر، وهذه صياغة تعكس موقفا معارضا شديد الحدة.

 

وفي الوقت نفسه، لا تلغي البيانات الرسمية وجود القمة أو حضور السيسي، فقد أعلنت الرئاسة المصرية مشاركته في اجتماع نيقوسيا مع قادة عرب وأوروبيين، ونقلت صحف محلية عن الرئاسة القبرصية أن مشاركة السيسي تمنح الاجتماع زخما سياسيا، وهو خطاب رسمي يناقض تماما قراءة المنصات المعارضة.

 

غير أن خبير الاجتماع السياسي سعيد صادق يرى في مقارباته الإعلامية أن الصورة السياسية لا تصنعها البيانات الرسمية وحدها، لأن الجمهور يعيد تفسير اللقطات القصيرة عبر سياق الغضب الداخلي، ولذلك تتحول لحظة بروتوكولية واحدة إلى مادة احتجاج عندما تفقد السلطة رصيد الثقة.

 

وبهذا المعنى، لم تعد الواقعة مجرد ضحك صحفيين أو مصورين أمام مدخل قمة أوروبية عربية، بل أصبحت اختبارا مكثفا لصورة السيسي خارج مصر، لأن خصومه ربطوا بين اللقطة وبين سنوات من تراجع الحريات، وتفاقم الديون، وانكماش الدور الدبلوماسي، وغياب الخطاب المقنع أمام العالم.

 

وفي النهاية، كشفت مقاطع نيقوسيا أن السلطة التي تروج لحضورها الخارجي باعتباره اعترافا بمكانتها تواجه قراءة معاكسة تماما داخل المجال المعارض، لأن كل ضحكة أمام الكاميرا تتحول إلى اتهام سياسي، وكل إشارة مرتبكة تتحول إلى سؤال مباشر عن كفاءة التمثيل وكرامة الدولة.